قيمة العدالة، أي فكرة أن الحق هو أساس كل مجتمع وأساس خطة كل نظام سياسي.

لقد تجاوز الفكر السياسي في بعض الديمقراطيات التعددية نظرية العقد الاجتماعي وإشكالياتها، ورغم هذا التجاوز فإن هذه النظرية ما زالت تحتفظ بالكثير من قوتها وضرورتها بالنسبة لبلدان كثيرة.

 

عقد جديد لتوحيد المجتمع السوري

إننا في سورية ما بعد الحرب، يترتب علينا واجب النضال لتأسيس قاعدة "نظرية" العقد الاجتماعي، ووفق القضية التي تطرحها تلك النظرية وتتمثل في البحث عن أساس للمجتمع المدني، وفي أن العقد الاجتماعي عقد اختياري تُفرض بموجبه بعض القيود على القانون الطبيعي المتأصل في طبيعة الإنسان العاقلة حسب جون لوك، يقوم به مَنْ يملكون مثل هذه الحقوق، مقابل تحويلها إلى حقوق مدنية يضمنها المجتمع بكل القوة التي هي إرادته باعتباره عضوًا في المجتمع. الحرب السورية فسخت المجتمع السوري وشرذمته وفككت كياناته، فليس من الصواب تجاهل البعد المذهبي للحرب الدائرة اليوم، وليس من الصواب تجاهل سلسلة المؤتمرات التي عقدت تحت عناوين مذهبية، بغض النظر عن بواعثها وأهدافها وبياناتها الختامية، أو تجاهل القوميات والمذاهب المختلفة مما يشير إلى علاقة الدولة بالمجتمع وعلاقة السلطة بالشعب وهدر العوامل المؤهبة للاندماج الاجتماعي. 

 

في ضوء ما تقدّم، لا بد من توسيع خيارات السوريات والسوريين وإطلاق نقاش عام حول بنود العقد الاجتماعي أو المبادئ الدستورية المقترحة، وقيام مراكز البحوث ومنظمات المجتمع المدني وفي مقدمها الأحزاب السياسية بدراسات ميدانية واستطلاعات رأي قابلة للتحقّق من صحتها.

 

معنى العقد الإجتماعي

ما هي فكرة عقد المجتمع: هذا يعني ضرورة أن تكون هناك جماعة مترابطة فعلًا بفضل إرادة اجتماعية مشتركة، وكذلك سلطة مفترضة على استعداد لتحمل أعباء بالاتفاق مع هذه الإرادة، وأن هذا العقد ينتج المجتمع نفسه.

فكرة عقد الحكم: أي أن الدولة تقوم على عقد بين السلطة والمواطنين. وأن هذا العقد ينتج سلطة ولا شيء غيرها، مع ضرورة الإدراك أن المجتمع أكبر من السلطة وسابق عليها.

 

من هذا المنطلق، تكون الدولة بمعنى الجماعة السياسية وباعتبارها مجتمعًا منظمًا، مؤسسة على عقد سياسي أو على عدد كبير من العقود بين جميع أعضاء هذا المجتمع أو هذه الجماعة وبين كل عضو وآخر، أي إن الدولة بأساسها العقلي للإرادة العامة حسب روسو، هي اتحاد قانوني يتكون بإرادة أعضائه ويوحد السلطة والمواطنين على السواء، وهم يضعون دستورًا وعلى أساس هذا الدستور يتعاقدون على الاندماج في كيان سياسي تنتج بمقتضاه الدولة، وعلى أساسه وفي ظله، أيضًا، وتبعًا للمسؤولية التي تحدد حقوق المواطنين وواجباتهم، تتمتع فيه أكثرية الجسد السياسي (الذي هو مجموعة من الأفراد الذين توافقت إرادتهم) بحق التصرف متضمنة إرادة باقي المجتمع.

 

معالم دستور سوري جديد

إن الدستور الذي يطمح إليه الشعب في سورية هو الدستور الذي:

– يؤكد أن سورية واحدة غير مقسمة.

– يحقق النظام الديمقراطي، والموازنة والمراقبة بين سلطات الحكم ويكون بالفصل الحقيقي بينها. ويطور مجالًا عامًا يحقق التواصل والتعايش بين الجماعات والآراء والتوجهات المختلفة للارتقاء الدائم بالمجتمع وبنوعية الثقافة الحاكمة لعلاقات الأفراد والجماعات وتفاعلاتهم.

– يرسخ مفهوم المواطنة كقيمة حضارية لجميع المواطنات والمواطنين.

 

وهنا يثبت الكيان الوطني على ركائز ثلاثة:

آ – وحدة للشعب والأرض غير قابلة للفصم.

ب – حقوق المواطنة: أي أن للأفراد والجماعات القومية والدينية بمذاهبها وطوائفها، وللجنسين في المجتمع حقوقًا سياسية وثقافية واجتماعية متساوية، وللجميع حق الوصول إلى الثروة الوطنية.

ج – حق التمتع بحماية متكافئة أمام القانون.

– يكرس مؤسسة المحكمة الدستورية العليا المنتخبة دون أن تُنازع.

-يلتزم بحقوق الإنسان غير القابلة للنزع، وبكافة المواثيق الدولية بهذا الخصوص، ويعتمد المنظور الإنساني المتسق مع العلم المستكشف ومع حقائق الوجود ومنظومة القيم والمبادئ المنمية لإنسانية الإنسان.

– ينمي جمعيات المجتمع المدني والأحزاب السياسية والتنظيمات النقابية والمهنية ويصون دورها في تطور المجتمع، وفي الدفاع عن مصالحها والمطالبة بحقوقها.

 

– يصون الملكية العامة للدولة ويطورها لصالح المجتمع، ويحمي الملكية الخاصة للأفراد والجماعات.

– يحقق إلزامية التعليم في المرحل الأولى، ومجانيته في كل مراحله.

 

دولة المواطنة المدنية

– يُشيَّدُ دولة المواطنة ببنيتها العصرية ونظامها الديمقراطي. وهي:

1 – دولة حيادية بين الجماعات القومية والدينية التي يتكون منها الشعب، دولة تحظر أي أيديولوجيا دينية أو غير دينية من السيطرة عليها، وهي في الوقت ذاته لا تحدُّ من حرية ممارسة أفراد الشعب اعتناق أي أيديولوجيا أو شعائر أي دين أو مذهب.

2 – دولة التسامح وقبول الآخر والعيش المشترك والسلام الاجتماعي.

3 – دولة القانون وسلطة الدولة التي يلجأ إليها الأفراد عندما تنتهك حقوقهم أو تهدد بالانتهاك.

4 – دولة يكون ولاء المواطن لها، ويكون حريصًا على طاعة قوانينها.

5 – دولة تجسد وتلخص وعي الشعب وتطلعاته الثقافية والاجتماعية والسياسية، وتحفظ الحقوق الجامعة لمبادئ الشعب وقيمه.

 

دولة الحق

الحق ليس مقولة إنسانية مجردة، بل هو تعبير تاريخي وضرورة تاريخية لتنظيم علاقات المجتمع، ويرتبط بالمجتمعات البشرية، ويتطور بتطورها، ويظل دائمًا أمرًا اجتماعيًا محددًا بمجموعة من المعايير والقوانين. والحقوق هي حصيلة تطور ثقافة الإنسان في مجتمعه، ومضمونها لا يوجد إلاَّ بالتماس مع حقوق الآخرين في المجتمع. وحقوق الإنسان هي حبل النجاة للمواطن، لذا يجب رفع مستواها من الالتزام الأخلاقي إلى الالتزام القانوني، ومن نطاق الأمل والنظرية إلى نطاق العمل والواقع، وأمل الإنسان في المستقبل والمصير هو همه الدائم.

ختاماً من دون شك أن وجود الدولة كان مادةً أثارت فضول المفكرين، ودفعتهم للبحث عن أسبابها، وابتداع هوبز ولوك وروسو العقد الاجتماعي لم يكن سوى لتبرير ظهور الدولة. ولكن هذه النظرية أدت إلى تكريس مفاهيم أساسية كالحقوق، والولاء للدولة، وفي ذات الوقت شكلت سبباً إضافياً للسعي نحو التغيير فكانت نظرية العقد الاجتماعي لدى روسو التي غيرت وجه فرنسا وغيرت معها العالم.

  • أستاذة جامعية سورية مقيمة في الولايات المتحدة