العديد منّا من يظنّ ان ما يميّز سويسرا من ناحية النظام السياسي هو كونها كونفدرالية كانتونات تعيش ضمن حالة من الحياد الخارجي. غير أنَّ المتابع للتطور السياسي والقانوني والدستوري لهذا البلد النموذج، يرى أنَّ هناك عاملًا أساسيًّا يتمّ إهماله دومًا عند التكلّم عن النموذج السويسري: إنَّها العلمانيَّة.

 

مسيرة العلمنة السويسرية

فهذا الإتحاد ما بين ستة وعشرين كانتونًا، وأربع لغات (الفرنسية والألمانية والإيطالية والرومنشية)، وأربع طوائف دينيَّة مختلفة (الكاثوليكية والروتستانتية واليهودية وحديثًا الإسلام)، لم يحقّق نجاحه الملفت فقط بسبب نظامها الكونفدرالي. بل لأنَّه عمد في النصف الثاني من القرن التاسع عشر إلى إجراء إصلاحات جذرية في نظامه السياسي والاجتماعي كانت نتيجتها تحوّل الاتحاد السويسري من دولة تعيش على هامش الحياة الأوروبية إلى نموذج ناجح ومستقرّ أبرز ما يميّزه هو نموّه المستدام.

ما هي هذه الخطوات الإصلاحيَّة التي قال بها واستطاع تطبيقها بعض المتنوّرين في سويسرا؟ يمكن إيجاز هذه الخطوات في الدستور الذي تمّ اعتماده في العام 1874.

ففي هذا الدستور تمّ علمنة كافَّة جوانب الحياة السويسرية من سياسيَّة واجتماعيَّة. ومن أهمّ هذه التعديلات تلك (المادة 53) التي نقلت سجلات الأحوال الشخصية من السلطة الدينية والطائفية لتضعها ضمن إطار السلطة المدنية (autorité civile). وبالتالي باتت الدولة هي المرجع الأول والأخير للمواطن السويسري. بالإضافة إلى ذلك فقد تمّ جعل الزواج مدنيًّا إلزاميًّا (في المادة 54) بحيث تقتصر سلطة رجل الدين على إعطاء البركة الروحيَّة لمن يرغب بذلك. حتى ان هذه المادة تذهب أبعد من ذلك إذ تمنع رجل الدين من إجراء أي زواج قبل الزواج المدني وإلا يُعتبر الأمر منافيًا للقانون وللدستور الكونفدرالي السويسري.

 

العلمنة بدءاً من المقابر

أبعد من هذا، فقد ذهبت السلطات الكونفدرالية العلمانية السويسرية إلى أن أدخلت أيضًا المقابر من ضمن السلطة المدنية.

إذ كما نعلم، كانت كل من الطوائف الكاثوليكية والبروتستانتية واليهودية تقبر موتاها في مقابر خاصَّة بها. فقامت السلطات السويسرية بجعل هذه المقابر تابعة مباشرة لسلطتها بحيث يمكن أن يُقبر أيًّا كان في أي مقبرة. وقد يكون المبدأ الذي انطلق منه السويسريون بالنسبة لنا مضحكًا، غير أنه من الجدير التوقف عنده: إذ انطلق المشرّع السويسري من فكرة أنه إن لم يستطع السويسريون العيش معًا وهم أموات (أي في المقابر) فكيف لهم أن يعيشوا سويًّا وهم أحياء؟؟ (أي كمواطنين سوسريين). وبهذا تكون السلطات السويسرية قد حذفت المقابر الطائفيَّة وجعلتها كلّها ملكًا للدولة يُدفن فيها الكاثوليكي والبروستانتي والملحد واللاأدري والمسلم حتى.

 

حرية الضمير في الدستور

أمَّا البندين الأكثر أهميَّة في الدستور والذين كرّسا كرامة الفرد-المواطن السويسري فهما  27 و48 حيث تمّ اعتبار "حرية الضمير" (Liberté de conscience) و"حرية الاعتقاد" (Liberté de croyance) حقوقًا غير قابلة للانتهاك. فكلّ مواطن سويسري يخضع لسلطة والديه ولخيارهما الديني حتى سنّ السادسة عشرة. فإنْ أتمّ هذا العمر بات يتمتّع بحريَّة الضمير والحريَّة الدينيَّة بشكل مطلق، إذ يمكنه البقاء على دين والديه أو تغيير دينه أو الخروج عن دينه وفق ضميره وحكم عقله.

بهذا يكون دستور العام 1874 قدّ أزال كلّ الحواجز بين مواطنيه الكاثوليك والبروتستانت واليهود وكرّس المساواة فيما بينهم، كما أنّه أزال كلّ المحاكم الطائفيَّة وكرّس المحاكم المدنيَّة مرجعًا أوحدًا في كلّ الامور المتعلقّة بالأحوال الشخصيَّة؛ هذا المرجع الذي يخضع لسيادة الدولة السويسرية الكونفدرالية. بكلام آخر، أرادت السلطات السويسرية من هذا الدستور أن تقول للمواطنين السويسريين أنّها لا تنظر إليهم على أساس إنتمائهم الديني، بل على أساس أنهم مواطنون سويسريون متساوون أمام القانون.

إن النهج الاقتصادي الذي اتبعته الدولة السويسرية لم يكن هو بحدّ ذاته مفتاح النجاح. فالمفتاح الحقيقي والمؤسّس هو المتجسّد بالاصلاحات الدستورية والقانونية - وبالتالي الفكريَّة – التي شكّلت أرضيَّة ممتازة للنجاح الاقتصادي السويسري بحيث تحوّل هذا الإتحاد إلى أحد أكثر الدول ازدهارًا في أوروبا وفي العالم.

 

الفدرالية وحدها لم تكن حلاً

في الخلاصة، لم تكن الفدرالية وحدها سرّ النجاح السويسري بل ما رافقها من إصلاحات علمانيَّة جعلت من الدولة المرجع الأول والأخير بالنسبة للفرد السويسري. بتعبير آخر، إن الصيغة السويسرية التي تؤالف ما بين الكونفدرالية والعلمانية والنجاح الاقتصادي هي التي تقف وراء نجاح النموذج السويسري (كل هذا معطوف طبعًا على سياسة الحياد الخارجي المدعّم بقوّة عسكريَّة سويسرية هائلة).

 

ويعتقد كثيرون أن أتاتورك، عندما أراد علمنة تركيا، استوحى نموذجه من العلمانية الفرنسية. في الحقيقة، لقد كان دستور سويسرا الصادر عام 1874 هو النموذج القانوني الذي استند إليه "أب الأتراك" في بناء تركيا الحديثة.

فلا حداثة ولا تطوّر إلا ببناء الفكر الحديث والمنفتح، وهذا لا يتمّ، بحسب التجارب التاريخية للدول المتقدّمة والحديثة، إلا بالنهج العلماني. فهل من سيعتبر؟

  • أستاذ جامعي لبناني وكاتب في موقع "اليوم الثالث"