لا ينفصل موضوع المسيحيين في لبنان وسوريا والمشرق العربيّ عن القدس، لقد تكوّنت بالحدث الخلاصيّ العظيم، كما تكوّنت بيت لحم بتجسّد الكلمة، فغدت القدس وبيت لحم والمشرق معهما بتعبير كيانيّ عميق جسد المسيح المديد، فإذا جذبنا إلى القدس بالفكر والعقل والقلب صرنا إلى المسيح. هذا ليس شرطًا أن نصير إليه أو نصيره في المكان أو الزمان لأننا عشراؤه ومندمجون به في سرّ القرابين الإلهية والكلمة في كلّ مكان وزمان، فالمسيح جنين الكون كلّه ويجيء منه ليرفعه إلى وجه أبيه. لكنّنا وبسبب من إخلاصنا للمسيح نخلص للقدس لأنّها قدس الأقداس، ولأنها أمّنا وأختنا كما قال وزير خارجيتنا جبران باسيل وهي أمّ الكنائس.

 

معنى القدس للمسيحيين المشرقيين

تمسّكنا بالقدس، بهذا المعنى، هو تمسكّ بربّ البيت، فبسبب منه غدت القدس معراجنا إلى السماء. السيدة رابعة قالت ليس الحجّ إلى البيت بل إلى ربّ البيت، فإذا مسّت القدس مسسنا كلّنا ومسّ الله ذاته بنا فلا مسيحيّة بلا القدس وبيت لحم والناصرة وكفرناحوم ويافا ونهر الأردن، وبلا دمشق وحمص وحماه وحلب وحوران ووادي النصارى والقامشلي وبيروت وجبل لبنان وعكار وزحلة ومرجعيون... المشرق الناطق بلغة الضاد تقدّس بالمسيح، صار منه بعد أن عبر إلى بعضه متممًّا رسالة الخلاض وشافيًا المرضى، واكتمل بعد موته وقيامته وصعوده حين وفد الرسل من أورشليم إلى دمشق فانطاكية وبلغوا نحو كورنثوس وأثينا وروما. المشرق هذا معبر المسيحيّة إلى أوروبا، بمعنى أنّه الجذر والأصل والقدس هي المكان الأوّل، والقرار بتهويدها إبطال للروح المسيحيّة المتوثّبة والمنطلقة فيها ومنها إلى العالم كلّه، واستكمال لسله المسيحيين المشارقة عن أرضهم في فلسطين والأردن ومصر وسوريا والعراق ولبنان.

أودّ الإشارة هنا لو سمحتم، إلى أن قرار دونالد ترامب بنقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس كشف لكلّ الرؤى المتراكمة منذ منتصف التسعينيّات والمعدّة للتصادم من أوروبا الشرقيّة حتى المشرق العربيّ، وهو القمّة في كلّ مسرى التراكم. ذلك أنه يفترض بنا أن ندرك وبعمق كبير بأنّ إسرائيل في إحساسها اللاهوتيّ والتاريخيّ ترفض وجودنا شهودًا للمسيح، لأننا نذكرها بأنّها صلبته وذنكرها في الوقت عينه بنصره على عبثيتها. ليست قضيتها معنا منحصرة بذلك الزمن، لقد قام المسيح، ومن بعد قيامته بسبعين سنة تهدّم هيكل سليمان، وقد ظهر جليًّا بطلان الحجّة القائلة بأنّ لهم أرضًا وعدهم الله بها، كما بطلت الحجّة الأخرى القائلة بأنّ الله لهم وحدهم، أزلية الله لفظت السياق القوميّ فهو كونيّ، وقد دلّ على أزليته التجسّد وسكبتها القيامة في التاريخ.

أيها الإخوة

ليس هذا السياق منفصلاً بتاريخانيته وطبيعته عن التهديد الذي نعرّض له مسيحيو المشرق ولا يزالون تحت تأثيره مع بلوغ الأزمة قمّتها في بالقرار الأميركيّ. لقد بات لزامًا علينا الإقرار بأن بطريرك القدس ثيوفيلوس عميل إسرائيليّ بامتياز، وبيعه للأوقاف الأرثوذكسيّة لليهود عملية إنهاء للوجود المسيحيّ المقدسيّ. وينبغي الإقرار في الوقت عينه، بأن بيع الأوقاف الأرثوذكسيّة هو المقدّمة الفعليّة لتهويد القددس أيضًا وهو متلازم مع صفقة القرن والذي يحكى عنها كثيرًا وجوهرها هدم المسجد الأقصى، وفي النهاية يجب الإقرار بأنّ الاعتداءات على مسيحيي العراق وسوريا ومصر وإنهاءهم في الموصل ومحاولة إنهائهم في سوريا من قبل داعش وخطف المطرانين بولس يازجي ويوحنّا إبراهيم مندمج ومتجانس مع ما حدث لمسيحيي القدس بأوقافهم، والوقف يؤكّد استمرارية المؤسسة الكنسية ويظهر تعلّق الواقفين بكنيستهم ورسالتهم وأرضهم فيما نسبة الوجود المسيحيّ باتت معدومة في أرضنا المسيح. ذلك أن تنظيم داعش وكل الحركات التكفيريّة زرع أميركيّ-يهوديّ بتمويل خليجيّ، وهي من ساهمت بتحريف الإسلام وسلبه من تراثه الكليّ ومعناه الأصيل الكامل وحعله حروفيًّا بشيطنته وابلسته ومتهمًا بأنه يريد إلغاء المسيحيين، ومحو الليبرالية في العيش والسلوك.

 

ويلات مسيحيي لبنان

في هذا السياق ألفت نظركم يا إخوة بأنّ المسيحيين العرب من خلال سياسييهم ومفكريهم في مصر وسوريا، عقدوا آمالهم على مسيحيي لبنان وبخاصة الموارنة فيه، فرأوا فيهم وفي انوجادهم على رأس القرار السياسيّ والحكم رئة الحرية وصمّما أمان لهم. هذا مثبت في وثائق وكتابات موجودة.

ضعف مسيحيي لبنان وتمزّقهم وصراعاتهم التراجيديّة-الوجوديّة وليس السياسيّة سبب بل السبب الجوهريّ لمرورهم في حقبة الطائف وما بعده في أقتية العدم. لقد كتب الكثير وقيل الكثير عن تلك المرحلة وعزا بعضهم سبب الانعدام إلى وصاية سوريّة استبدّت حينًا يسيرًا في البلد، ولكن هذا البعض عينًا لم يقدّم قراءة نقديّة لكلّ مسرى الأحداث بالتطورات والوقائع، والقراءة النقديّة ليست للنقد الهوائيّ بل للتقييم والإصلاح الذاتيّ. فلا بدّ هنا من استذكار ولو بصراحة مطلقة بأنّ المخطّط الذي دفع إليه المسيحيون في بداية الأحداث اللبنانيّة ودفع إليه الفلسطينيون ذلك الصدام الذي أضعف المسيحيين واتجه الفلسطينيون نحو طمر قضيتهم (صارت طريق القدس تمرّ في جونيه)، واستكمل المخطّط مع دخول سوريا لبنان بحجة الدفاع عن المسيحيين بوجه منظمة التحرير الفلسطينيّة، حتى دفع المسيحيون والسوريون معًا إلى مواجهات قاسية لم تفض إطلاقًا غلى انتصار المسيحيين ولا إلى انكسار السوريين، ثمّ حصل اتفاق كمب ديفيد بين مصر وإسرائيل وبدأنا عصر التحولات الجيو-استراتيجيّة فدخلت إسرائيل لبنان عام 1978 ومن ثمّ بلغت بيروت 1982، وبعد اغتيال بشير الجميل الذي رآه بعضهم نعمة فيما بعضهم الآخر رآه لعنة ونقمة، قاد الإسرائيليون جبل لبنان نحو الحريق فتهجر مسيحيو عاليه والشوف، ودخلنا في لحظات قاسية من التصفيات المسيحية البنيويّة، وقد بدأت فعليًّا من اهدن إلى الصفرا حتى بلغنا حربي التحرير والإلغاء وأقرّ الطائف على حقيقة دامغة نهاية العصر المسيحيّ في لبنان وبداية العصر السنيّ المدعوم دوليًّا وعربيًّا وإسلاميًّا.

 

تداعيات التحولات الإستراتيجية على المسيحيين

في واقع الأمور إنّ القراءة النقديّة يجب أن تجرى لتلك المحطات حتى نفهم الواقع الراهن. في الإيغال بالوقائع المنظورة وغير المنظورة سنكتشف فعليًّا بأن تفتيت لبنان مسيحيًّا وإسلاميًّا جاء من تخطيط إسرائيليّ طويل عريض انطلق من خمسينيات القرن المنصرم ولا يزال قائمًا. ذلك أن مسيحيي لبنان وسوريا وفلسطين ومصر يملكون طاقة الوجود الراقي وهم مطلّ لانبثاث الحريات والديمقراطيات وعلومهم وثقافتهم وحرصهم على أصالتهم مع انفتاحهم المقارِن على الفكر الغربيّ يسمح لهم بهذه النوعية من الاندراج والتخطيط والتأسيس، وبهذه النوعية هم منافسون كبار لإسرائيل فضلاً عن الحجة للاهوتيّة الدامغة التي أوردناها والتي تبيّن سبب كره الحركة الصهيونيّة لنا وشهوتهم بإبادتنا وتهجيرنا أو سلخنا عن كياننا.

مرحلة التسعينيات مدى لهذا المسرى، ومع أحداث 11 أيلول قرر الأميركيون ومن معهم الانتقام ليس من صدام حسين في العراق، بل من مسيحيي العراق، فبدأت عملية الإبادة الكاملة، وبدأ التحضير لفتنة مذهبيّة دخلت على خطها القاعدة وهي نسيح إسرائيليّ-أميركيّ بلا التباس، كان عدد من المسيحيين المستنيرين يقرأون علامات الأزمنة المطلة بهذا الصدام المذهبيّ من العراق ويحذّرون من عرقنة لبنان والمنطقة كما كتب الراحل الكبير غسان تويني في افتتاحية النهار يوم اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وفي هذا الزمن كان ميشال عون وسمير جعجع لا يزالان في المنفى والسجن. وبقي عدد من المستنيرين يستنبطون ويخشون ويسقرئون جوهر الأمور ويتلمسونها. قبل ذلك كان المسيحيون في لبنان بعيدين عن السلطة، وهذا عينًا أثّر في حركية حضورهم ضمن الكيان اللبنانيّ. لن أستفيض كثيرًا في التوصيف التاريخيّ ولا في المقاربات بين مراحل، حسب المسيحيين أنّهم وبعد سنوات عجاف من الغياب والأحداث، وبعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، بدأت الرؤية مشدودة نحو تحسين شروط الدور المسيحيّ في الحياة السياسيّة اللبنانيّة، سيّما وأنّ تعاظم الحروب المذهبيّة في المنطقة كان أشدّ فتكًا، والربيع العربيّ حمل طاقة التغييرات الجيو-سياسيّة مع تغيير الأنظمة حتى تكدّست وتراكمت مفرداتها في سوريا خلال الأحداث فيها سنة 2011.

 

قيادة عون ورفض الإحباط

في هذه الأثناء فهم مسيحيو لبنان أن دورهم لا يمكن أن يتحجّر في الداخل اللبنانيّ بل أن يتوازن ويتواصل بتوازنه نحو المشرق العربيّ. وبرأيي لقد بدأ التأسيس الفعليّ مع العماد ميشال عون قبل الرئاسة، فزاوج المسيحيون الفلسفة الميثاقية بالامتداد المشرقيّ وارتضوها نهج وجود وحياة وشراكة مع المسلمين يبطلون فيها كل استيلاد مقيت. الفلسفة الميثاقية برأيي وإذا شئت لها بعدًا فلسفيًّا هي الرديف عن للإبراهيميّة في قدسنا اليوم، حيث هناك المسيحيون والمسلمون واليهود. لقد فهم الجميع في لبنان بأنّ لبنان المسيحيّ شرط للبنان المسلم، فلا لبنان مسلمًا بلا مسيحيين ولا لبنان مسيحيًّا بلا مسلمين، ولا لبنانيّة فريدة من دون هذا الميثاق ولا مشرقية أو عروبية من دون جعل هذا الميثاق عقدًا وعهدًا، حيث يفترض تعميم المشاركة بين المسيحيين والمسلمين في مختلف البلدان العربيّة المجاورة.

هنا لا بدّ من ملاحظة أبديها، وهي أن الإحباط ونأي المسيحيين خارج السلطة في لبنان انتمى في حقيقة الأمر إلى السياق العامد على سلخ المسيحيين من المشرق العربيّ. وعلى الرغم من ذلك فإن الوضع ليس على الإطلاق كارثيًّا ولا يفترض تاليًا أن نكون محميين من المسلمين أو من أحد لأننا نوع فريد ولسنا كمًّا. فبعد ترسيخ الفلسفة الميثاقية بالتسوية التي أدّت إلى انتخاب العماد ميشال عون رئيسًا للجمهوريّة وتسمية الحكومة برئاسة سعد الحريري، تحرّر المسيحيون من وطأة الحمايات والوصايات. فميشال عون ليس رئيسًا قويًّا للبنان، بل هو زعيم قويّ وحكيم للمسيحيين المشارقة، وهو يثبت يومًا فيومًا بانّ مسيحيي لبنان عادوا ليكونوا صمّام أمان لمسيحيي المشرق. وفي الأزمة الأخيرة مع رئيس حكومتنا كشف واقعيّ ودقيق بأن الرئيس المسيحيّ امتلك القدرة على اقتحام الأقبية مهما كانت ظلماء وتحرير من قيّدت حركته فيها. لقد استطاع رئيس الجمهورية واستطاعت الدبلوماسية اللبنانية مع الوزير جبران باسيل فكّ الطوق عن من يمثّل الوجدان السنيّ بأكثريّته المطلقة واستعادته إلى لبنان رئيسًا للحكومة.

وفي قضيّة القدس، أثبت لبنان ومسيحيوه أنها من جديد جزء من تكوينهم. هاكم كلمة جبران باسيل في اجتماع وزراء الخارجية العرب، وكلمة رئيس الجمهورية في القمة الإسلامية في اسطنبول، كلّ هذا يقود إلى أن المسيحيين خرجوا نحو المبادرات الخلاّقة بالمواقف الصلبة المدافعة عن حقوق المسيحيين العرب وفي الوقت عينه عن الحقوق الإسلاميّة. ليس الموضوع كارثيًّا لهذه الغاية، ولكن يفترض بالمسيحيين أن يدركوا بأن وجود رئيس جمهورية بحجم ميشال عون وما يمثّل فرصة لنا للتموضع في رؤية جديدة وجوديّة متحرّرة من دلع وترف ومطالب ذاتية وتبعيات عبثيّة على حساب الوجود. فأدعو من هنا إلى:

 

توصيات للحفاظ على الدور والوجود

1-رسم خريطة سياسيّة جديدة قوامها التعاطي مع الأزمات في المنطقة لا من زاوية الناي المزوّر بالنفس الساتر لوصابات خفيّة من نوع آخر، بل إلى فهم ما يحدث في العمق واستباط علاماته بالنتائج والتعاطي معه المعطى الميثاقيّ الموضوعي. هذا يقتضي حوارًا بالعمق بين معظم المسيحيين في ظلّ وجود رئيس ميثاقيّ مشرقيّ.

2-إلى عدم الانعزال عن مسيحيي سوريا والعراق وفلسطين ومصر والأردن. هؤلاء مواطنون في دولهم، ولكنّهم يرون في مسيحيي لبنان قوّة لهم، لقد شاهدت صلابة عند مسيحيي سوريا لم ألاحظها في مكان آخر، فهم يرفضون بيع أراضيهم ومستمرون إلى النهاية، وقد بات لهم رئيس لمجلس الشعب في سوريا، إن التلاقي بين المسيحيين المشارقة من شانه أن يعطي قوّة ومنعة، وأحتسب بأن لبنان هو المكان الطبيعيّ والموضوعيّ لهذا اللقاء.

3-إلى ورشة روحية تواكب لورشة السياسيّة، فالكنائس عندها دورها. فالكنيسة هي الشعب المؤمن، والباطركة مدعوون إلى تعميق الشراكة مع الشعب، ضمن ورشات حقيقية تحيي من جديد الإيمان وتجعله ساطعًا. وإحياء الإيمان وتجديده عند المؤمنين يكون بعدم تحوّل المؤسسات الكنسيّة إلى عامل يهجّر المسيحيين بل إلى احتضانهم بحب وكرم ورقيّ، فالمحبة المسيحيّة مجانية والشراكة بين المؤمنين والإكليريكيين تنتمي جذرًا إلى تلك المحبة، فإمّا أن نكون كنيسة بكلّ ما للكلمة من معنى، أو أننا مؤسسة.

4-إلى ورشة اقتصادية تساهم في بلورة الوجود على الصعيد الاجتماعيّ والاقتصاديّ، قيتأسس على التعاضد والتعاطف بين الأثرياء والفقراء. المسيحيون يفتقدون إلى هذه النوعية الحقيقية من التعاطي الجديّ، وهذا عينًا يضعف حتى الاهتراء. والتعاضد يكون ليس في المدن فقط بل في الريف وأمكان الأطراف حيث هناك نبقة ونوجد ونتحرّك.

شكرًا لإصغائكم وفي زمن الميلاد دعائي إلى الفادي الحبيب المولود في مذود بيت لحم أن يحقّق عدله وسلامه بيننا فنستعيد قدسنا ونقيم فيها وفي بيت لحم قداس العيد فنرتقي إلى وجهه المبارك والمضيء والسلام.

  • كاتب سياسي لبناني، ألقى هذه الكلمة في الطاولة المستديرة التي نظمها "اليوم الثالث" حول "مسيحيو لبنان والشرق في تحولات الإقليم وصراعاته"، في 13 كانون الأول 2017.