أحدث النقاش الأخير حول دور وزارة الأوقاف في سوريا الكثير من البلبلة والجدل غير المسبوق. ذلك أن هناك تحالفاً بين بعض النافذين في الدولة وبين هذه المؤسسة الدينية، على اعتقاد أن هذه هي الطريقة الأفضل لتمكينهم من الإستمرار بالإمساك بالسلطة، بعد أنْ أدى الوطنيون قسطهم بالدفاع عن سوريا وتأكيد ضمانة إستمرار الدولة. وبذلك لم يعد هناك ما يبرر التحالف مع التيارات الوطنية بعد أن قدمت هذه الاخيرة خدماتها بنجاح وبذلت الغالي والنفيس في سبيل بقاء الوطن ووحدة اراضيه. وهذا النهج غير الجديد يؤدي إلى انحراف المجتمع نحو التزمت والطائفية، وبالتالي إزدياد الفجوة بين الطوائف والمذاهب والشرخ في المجتمع ويجعل التعايش المشترك شبه مستحيل. فعلى الرغم من التعديلات التي طالت مرسوم الأوقاف الأخير إلا ان جماعة الأوقاف قد حصلوا بموجب هذا القانون على مكتسبات إقتصادية مهمة.

 

المخالب المتمددة للإسلام السياسي

إن التعويل في هذه المرحلة الدقيقة هو على المتنورين من السوريين الذين يسعون الى سوريا العلمانية الحضارية ولو بعد حين، لأن هذا هو قدر سورية التاريخ والحضارة، فطفرات الدول الدينية الطائفية مجرد غيوم سوداء مدمرة ولكنها عابرة.

فقد أقر أعضاء مجلس الشعب ٢٦ تعديلاً على قانون الأوقاف الجديد ولا يمكن التقليل من أهميتها. ولكن ما يثير الخوف والقلق هو طبيعة التعديلات الجديدة التي أبقت على مخالب الإسلام السياسي قوية وعلى إمكانية التمدد لهذه المخالب في المستقبل ونشر التطرف، وهذا ما يجدد القلق والمخاوف من مشروع الأسلمة السياسية الذي تؤمن به كل التيارات المتطرفة بكافة مكوناتها. ولعل ما يعزز هذه المخاوف هي حملات التخوين والتكفير التي قام بها العديد من المتطرفين ضد كل من طالب بتعديل قانون الأوقاف أو إلغائه وعلى الاخص دعاة العلمانية.

هنا يلزمنا وقفة أخرى امام مفاهيم الوطنية والمواطنة والإنتماء الوطني والعدالة الاجتماعية بعيداً عن الايديولوجيا السياسية والدينية التي لم تنجح يوماً في تقديم حلول ناجحة وبناءة. ومما يثير الريبة ان بعض من دافع عن هذا القانون وتبناه، هم من دعاة العلمانية كما يعرفون عن انفسهم وهذا غريب وغير مفهوم حتى الان فما هي مصلحتهم من ذلك؟

وبالطبع ليس مستغرباً تكافل وتعاضد المرجعيات الدينية في المذاهب الإسلامية كافة التي بدت متكاتفة ومتضامنة مع بعضها في الموقف من قانون الأوقاف، لأن هذا القانون يعزز سلطاتها في بيئاتها المحلية وفي المجتمع عموماً، وبذلك جميع المرجعيات الدينية متشابهة، والخلافات بينها هي خلافات في الشكل لا في المضمون.

 

نوافذ تسلل التطرف

إن تيارات الإسلام السياسي لديها من الوسائل والأساليب الملتوية ما يجعلها تجدد نفسها باستمرار من أجل تحقيق مشروعها وما جرى في الماضي يثبت ذلك من دون شك. إن بصمات الإسلام السياسي ما تزال واضحة في مواد القانون، ولذا فإن من يعتقد أن المواجهة مع التطرف قد انتهت يكون مخطئاً فهذه معركة في حرب طويلة ومن الضروري والحيوي في المرحلة المقبلة مراقبة مناهج التدريس وتعديلها فهذا قد يكون مدخلاً حيوياً لمحاربة تسلل التطرف إلى عقول الأطفال والشباب، مع التشديد على مراقبة التعليم الشرعي، ومدى التزامه بالمناهج التربوية الوطنية وكذلك متابعة ومراقبة عمل الدعاة والمدارس الدينية حتى لا يكونوا أدوات تخريب، كما حصل خلال هذه الحرب.

علينا الاخذ بعين الاعتبار أن البنود والمواد التي تجعل من وزارة الأوقاف أداة مركزية في يد الدولة لتحديد العمل الديني في سورية، موجودة وإن تبدلت بعض المصطلحات، لأن الوزارة ستحتكر الخطاب الديني وستقيم اللجان، والغالب على خطاب المؤسسة الدينية هو خطاب سلفي غير معتدل، وسيقولون نحن متنورون ومنفتحون، لكن سيتم منع أي فضاء من الحرية الفكرية داخل الوزارة وخارجها وهو الأسوأ، وهذا سيقتل الإبداع والتجديد الديني الذي لا يتم إلا في فضاء من الحرية.

وهنا سوف نجد بأن المفكر العلماني الذي يريد أن يتطرق إلى نقاش حول الشؤون الدينية يمكن أن يتعرض لاستجواب من الأوقاف. فالأوقاف الآن موجودة في مراقبة الكتب، لكن ستتوسع صلاحيتها بما يشمل كل ما ينشر ويطبع، وليس فقط الكتب الدينية والمتعلقة بالاحاديث والتفسير، فلا يصدر أي مقال أو كتاب له صلة بالشأن الديني إلا بإذن الأوقاف وهذا سيولد خطابًا سلفيًا شديد التحجر على كل محاولات التجديد الديني.

 

والمثير للريبة أن التعديلات التي أقرها مجلس الشعب لم تتطرق إلى البنود المتعلقة بهذه التفاصيل، أو أنها عالجتها بصورة سطحية. فعلى سبيل المثال الرقابة المفروضة على البرامج التلفزيونية الدينية والمطبوعات الدينية وهذه كلها أسئلة مشروعة لا ندري إذا كنا سنجد اجابات عنها ونحن نبتعد كل يوم عن السير بمجتمع مدني علماني يحترم التعددية والمواطنة الصحيحة.

 

غياب الصوت المسيحي

في موازاة ذلك، من المؤسف والمستهجن هو غياب صوت الكنيسة المسيحية بكافة مرجعياتها وطوائفها مع أنها ستكون المتضرر الأول من أي مشروع للأسلمة السياسية في حال اكتمال بنود تحقيقه. فأين الصوت المسيحي الرافض صراحة لهكذا قانون؟ وما هو دور النخب المسيحية داخل المجتمع السوري التي قد يطالها الاذى؟

  • أستاذة جامعية سورية مقيمة في الولايات المتحدة