لا زلت مقتنعًا تمام الاقتناع أنَّ حالة الفضاء العربي، بما تتضمنه من مخاض وآلام قد تصل أحيانًا حدّ اليأس والرغبة بالانتحار، تحمل في ثناياها بذور نهضة جديدة خاصَّة فيما يتعلَّق بمسألة الحريَّات والعلمانيّة. هذا ما تأكّد لي إبّان مشاركتي في مؤتمر حول الحريَّات جرى في تونس (قرطاج) ما بين 27 و 29 أيلول بضيافة مجمع العلوم والآداب والفنون – بيت الحكمة، وتنظيم معهد الآباء البرنارديّين في باريس (Collège des Bernardins) والذي شارك فيه أكاديميُّون من فرنسا، وتونس، وإيطاليا، واليونان، والمغرب، والجزائر، ولبنان.

       

الفضاء المتوسطي كمساحة لقاء بين أوروبا والمشرق العربي والمغرب العربي

بكثير من الدلالات، شمل الإطار الجغرافي لمداخلات ومناقشات المشاركين كل الفضاء المتوسطي. وكأنّ بمنظّمي المؤتمر يريدون التعبير عن شيء من وحدة الحال أو التفاعل الحضاري المتواصل بين أرجاء هذا الفضاء، مهما كانت الفوارق الحضاريَّة والثقافيَّة والاقتصاديَّة والسياسيَّة فيما بينها. في مداخلته الجيوبوليتيكيَّة، وبعد أنَّ اعتبر أنَّ مفهوم "حريَّة الضمير" (Liberté de conscience) هو بروتستانتي المنشأ بما يعني من حقّ كلّ فرد بأنْ يؤمن بما يشاء، قسَّمَ السفير  جاك أوتزينغر  (Jacques Hutzinger) الفضاء المتوسطي إلى عوالم ثلاثة مختلفة: فهناك أوروبا التي شهدت "ثورة سياسيَّة" وولادة الدولة العلمانيَّة الحياديَّة تجاه الأديان. كما شهدت ثورة ثقافيَّة وفكريَّة أخرجت الدين من المجتمع وكرّست الفصل بين الفرد والمؤمن، وبين الحرية والحقيقة. ومن ثم كانت الثورة القانونيّة التي أثمرت سيستامًا سياسيًا وقانونيًا علمانيًّا بالكامل يضمن حرية الضمير. وقد استمرّ الأمر على هذه الحال في أوروبا منذ أيام النهضة إلى حين تلبّد المشهد مع قدوم الإسلام إلى أوروبا وإلى الغرب بشكل عام. فقد فرض هذا القدوم سؤالين أساسيَّين: كيف يمكن أنْ يمارس المسلمون ديانتهم في أوروبا بشكل حرّ؟ وكيف يمكن معالجة المسألة الأمنيَّة المتمثّلة بصعود الإرهاب المرتبط بالإسلام السياسي والتيار السلفي الإسلامي؟

العالم الثاني بحسب أوتزينغر هو المغرب العربي، هذا المغرب الذي لطالما كان على حافة الإمبراطوريَّة العثمانيَّة والعالم العربي. وقد يكون هذا التموضع الجغرافي بالذات هو ما ساعد على تكوّن حالة دولتيَّة مستقلَّة إلى حدّ ما عن الإمبراطوريَّة العثمانية وعن العالم العربي. وقد جاء الاستعمار ليعزّز هذه الحالة ويعطيها بعدًا علمانيًّا. يعتبرُ أوتزينغر أنَّ المغرب العربي هو حاليًا في طور بلورة "علمانيَّة من عنده"؛ لكنّ يبقى السؤال الكبير: في جوّ هذا التوجّه العلماني ماذا سيكون مصير الأحزاب الإسلاميّة؟

يبدو أنَّ العالم الثالث، والمتمثّل بالمشرق العربي، هو الذي يقدّم الصورة الأكثر سوداويَّة ما بين عوالم المتوسطّ الثلاث. يستغربُ أوتزينغر كيف أنّ هذا العالم المشرقي، الذي هو الأكثر تنوّعًا فيما بين العوالم المتوسطيَّة الثلاثة، لم يستطع أنْ يحوّل تنوّعه وتعدديّته إلى نظام تعدّدي. يحاول أوتزينغر تفسير ذلك بالقرون الثلاثة عشر التي عرفها المشرق من حكم الإمبراطوريَّة الإسلاميَّة التي كان في أساس ولادة "النظام الطائفي" القائم على "أرستقراطية سنيَّة"، وذميَّة "أهل الكتاب" وأقليَّة مؤلّفة من الجماعات الإسلاميَّة غير السنيَّة. إنَّ التعامل مع سكان المشرق على هذا الأساس الديني كان أساسًا في ولادة "الطائفيَّة" (Communautarisme) والذي لم تستطع سنوات الانتداب العشرين في بداية القرن العشرين من التخلّص منه. فما كان من هذا الإنتداب إلَّا أنْ كرّس الطائفيَّة في النظام السياسي والاجتماعي والقانوني لدول المشرق المولودة حديثًا على يده. وعندما أتى التيار القومي العربي إلى السلطة قام أيضًا بالمحافظة على الطائفيَّة؛ يقول أوتزينغر: لم تنجح العروبة لا في بناء الأمَّة ولا في بناء الدولة، وبقيت دول المشرق دولًا طائفيَّة.

 

مملكة المغرب

أتت مداخلات كلّ من مدير مؤسَّسة الملك عبد العزيز في الدار البيضاء محمد صغير جنجر، والأستاذ في جامعة الدار البيضاء محمد المواقيت لتؤكّد ما قاله أوتزينغر خاصّة فيما يتعلّق بمملكة المغرب. يعترف جنجر أنّ هناك الكثير من العوائق في المغرب أمام حريَّة الضمير: "نحنا لا نزال ضمن النظام القديم، ولا نزال نعيش في مرحلة من الستاتيكو القانوني". لكن رغم ذلك، لا ضير من النظر إلى الحراك البطيء الحاصل في باطن المجتمع المغربي. فكلّ أسس المجتمع المغربي تبدو في طور التغيّر. فعلى مستوى العائلة، تُظهر الديمغرافيا العائليَّة انخفاض نسبة الولادات من حوالي الستة أولاد للمرأة الواحدة إلى 2.8. من ناحية أخرى يُلاحظ أنَّ المجتمع المغربي يتحوّل من مجتمع ريفي إلى مجتمع مديني مع تركّز حوالي 64% من المغاربة في المدن الكبيرة. أمَّا على الصعيد التربية، فإنّ الفتيات دخلن بأعداد ضخمة إلى التعليم. يُضاف إلى ذلك تحوّل نظرة الجيل الجديد إلى الدين – ونعني بالدين هنا الإسلام – حيث نلاحظ ميلًا لهذا الجيل للنظر بعقلانيَّة إلى الدين بما يعزّز حالة "الفرد" في المجتمع المغربي؛ وتترافق هذه النظرة العقلانيَّة مع نقد ممنهج ومتصاعد يقوم به الشباب المغربي لحالة التديّن الموجودة عند أهليهم. يكلّمنا أيضًا جنجر عن دراسات بيّنت أنَّ حولي 39% من الشباب المغربي بات مقتنعًا بأنَّ لكلّ شخص الحق في حريَّة الضمير ما يعكس حالة من العلمنة البطيئة التي تتمّ "من تحت" في المجتمع المغربي. حتَّى أنَّ جنجر يشرح كيف ساعد وصول الاحزاب الإسلاميَّة إلى السلطة في المغرب عمليَّة العلمنة هذه، إذ تبيّن أنَّ مشروعها الإسلامي ليس بهذا العصا السحري الذي كانت تعكسه عبارة الإخوان المسلمين: "الإسلام هو الحلّ". ومن الظواهر المهمّة أيضًا في المجتمع المغربي أنّ هناك انتقالًا واضحًا من الأحاديَّة الدينيَّة إلى التعدديَّة الدينيَّة، ذلك أنَّ الكنيسة البروتستانتية آخذة في النمو في المغرب، وها نحن نشهد من جديد امتلاء الكنائس خاصّة من الأشخاص الآتون من المنطقة الما-تحت صحراويَّة الإفريقيَّة. ويختم جنجر بالقول أنَّ المشهد المغربي كلّه آخذ بالتغيّر والتحوّل الجذريين.

يؤكّد الدكتور مواقيت خلاصات جنجر مُظهرًا كيف تطوّرت الوضعيَّة القانونيَّة المغربيَّة المتعلّقة بالحريَّات، خاصَّة حريَّة الضمير والحريَّة الدينية: فبعد أنْ كان الخروج من الإسلام يُعدّ جريمة يجب معاقبة مرتكبها، فإنَّه تمّ تجاوز هذه المسألة. فأساس المجتمع القانوني المغربي لم يعد مُتمثّلًا بالأمَّة الإسلاميَّة (الدينيَّة) بل بالجماعة السياسيَّة المغربيَّة أي الشعب المغربي كشخصيَّة سياسيَّة. من هنا بات النظر إلى مسألة حريَّة الضمير في المغرب أكثر مرونة.

 

علمانية تونس: نحو مزيد من تكريس الحريات الفردية

تبدو مسألة الحريات من الجانب التونسي أكثر إلهامًا. يُشدّد الدكتور في جامعة منوبا عبدالرزاق سيّادي أنّ محك مسألة الحريَّات في تونس إنَّما تتمحور حول مكانة الإسلام من ضمن المنظومة الديمقراطيَّة التونسيَّة. وكأنّ بسيَّادي يردّد ما كان قد صرّح به الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي عن أنَّه لا علاقة بين الدولة التونسية وبين الإسلام: فتونس دولة مدنيَّة ذات تشريعات وضعيَّة. يشرح لنا سيَّادي في مداخلته كيف أنَّ العلاقة بين الديني والسياسي في تونس بات اليوم مسألة فيها بحث وأنَّها لم تعد كما كانت سابقًا من ربط فيما بينهما. يستذكر سيَّادي ما قام به الرئيس الحبيب بورقيبة في أواسط خمسينيَّات القرن الفائت حين أقرّ إلزاميَّة الزواج المدني في تونس مانعًا تعدّد الزوجات. فبورقيبة، مستعملًا تأويل عبارة "لن تعدلوا"، فرض قانونًا مدنيًا يمنع تعدّد الزوجات، وحين طلب منه مفتي تونس آنذاك أنْ لا يصدر هذا القانون بما يخالف الشريعة الإسلامية، وأنْ يستعيض عنه بتحديد شروط تجعل من تعدّد الزوجات أمرًا صعبًا، أصرّ بورقيبة على إصدار القانون، وكان ردّه: أريد أحداث صدمة نفسيَّة لدى التوانسة. أكثر من سبعين عامًا بعد هذه الصدمة لا تزال تونس تتأجرح بين القانون الوضعي المدني وقانون الشريعة الإسلاميَّة. فحتى المادة السادسة في الدستور التونسي التي تقرّ بأنّ الدولة التونسيَّة تكفل حريّة الضمير والمعتقد وممارسة الشعائر الدينيَّة، هذه المادة المدعّمة بالمادة الثانية التي تقول بأنَّ تونس "دولة مدنيَّة [...] تقوم على المواطنيَّة وعلويَّة القانون"، إلَّا أنَّها تفقد قيمتها الكاملة بالمادة الأولى التي تقول بأنَّ تونس دولة دينها الإسلام. يضيف سيّادي على هذا الأمر: صحيح أنَّ الدستور يقول بمدنيَّة الدولة التونسيَّة وحريَّة الضمير والاعتقاد، لكنّ القوانين التونسيَّة حتى يومنا هذا لم تلتحق بروحيَّة الدستور وهي لا زالت تقوم على الخلفيَّة الإسلامية بما تعنيه من تمييز واضح بين المسلم وغير المسلم، ومن قمع لحريَّة التوانسة في الاعتقاد والضمير. وقد تكون أحد أكبر الدلالات على صحة قول الدكتور سيادي هو أنَّ الكثير من الخارجين من الإسلام في تونس – وفي المغرب أيضًا – والمعتنقين لديانات أخرى لا يجرأون على الإفصاح عن هذا التغيير لأن القوانين التونسيَّة لا تحميهم على حسب ما ينصّه الدستور. لا بل يذهب سيّادي إلى أبعد من ذلك حين يقول بأنَّ "الديكتاتوريَّة" في تونس لا تأتي فقد من "فوق" بل هي تأتي من "تحت" أي من المجتمع التونسي التقليدي، وذلك بخصوص كلّ ما يتعلّق بالحريَّات الفرديَّة، وكأن بسيّادي يريد التنديد بشيء من "ديكتاتوريَّة الكتلة المجتمعيَّة" (Dictature de masse) التي تفرض إرادتها على الفرد التونسي.

بالرغم من العناصر الموضوعيَّة التي رفعها سيادي في مداخلته تصرّ الدكتورة في جامعة تونس جنان ليمان أنَّ مسار العلمانيَّة في تونس انطلق منذ العام 1857 وهو مسار تصاعدي لن يتوقف.

ضمن هذا الحديث عن تونس كان لا بد من التباحث في مسألة التقرير المهم الذي رفعته "لجنة الحريات الفردية والمساواة" (COLIBE) التي ألفها الرئيس التونسي في 13 آب 2017، وتضمّ العديد من كبار الوجوه الفكريَّة وأهل الاختصاص في تونس، والتي هدفها البحث في كيفيَّة تعزيز الإصلاح في تونس من خلال تعزيز الحريَّات العامَّة والفرديَّة وخدمة مسألة المواطنيَّة والمساواة بين التوانسة. وقد رفعت هذه اللجنة تقريرها المؤلف من مائتي وخمس وثلاثين صفحة لرئيس الجمهوريَّة. والتقرير يرسم خطة الطريق من أجل تعزيز الحريَّات والمساواة في تونس.

 

تمحورت مداخلة إقبال غربي، أستاذة الأنتروبولوجيا في جامعة الزيتونة وعضو اللجنة الرئاسيَّة للحريات الفردية والمساواة، حول هذا التقرير والحملة التي شُنت ضده من التيارات التقليديَّة والدينيَّة في تونس. وبعد أن عرضت الغربي كيف تعرّض أعضاء هذه الهيئة لتهديدات بالقتل، وكيف نُعتوا بأنَّهم "كفّار، ومسلمين سيّئين، ومفكّرين متحرّرين علمانيّين"، تحاول أنْ تشرح لنا لماذا جاءت ردة الفعل بهذه القسوة. فهذا التقرير قد وضع موضع النقاش إشكاليَّات ومسائل لم تكن قد نوقشت بتاتًا في العالم العربي-الإسلامي، من مثل المساواة بين الرجل والمرأة، وحقّ المرأة التونسيَّة المسلمة بالزواج من غير المسلم، والمساواة في الإرث، وحريَّة الفرد في أنْ يؤمن بما يشاء بما يستتبعه الامر من حريته في ترك الإسلام. من هنا كانت ردّه الفعل بدائيَّة بسيكولوجيَّة تعبّر عن ميل المجتمع التونسي التقليدي للحفاط على ما يملك من إرث تقليدي، وللتمسّك بـ"الأمَّة"، وذلك خوفًا من الانتقال لما هو عقلاني وجديد وغير اعتيادي. ولا ترى الغربي بدًّا إلَّا بعقلنة الخطاب الديني بحيث يخرج المجتمع التونسي من التعصّب الديني البدائي الذي لا يزال يتحكّم به. فبالنسبة لها لم يعد هناك مجال إلَّا للاعترف بأهمَّية حرية الإنسان على جسده وعلى ضميره وعقله وروحه (Liberté de Corps et d’Esprit).

الباحث نادر حمّاني يشرح بالأرقام النزعة التقليديَّة عند التوانسة عبر عرضه للتقرير الذي شارك في إعداده شخصيًا حول الحالة الدينيَّة في تونس. ويظهر تحليل أرقام هذا التقرير أنَّ الغالبيَّة العظمى من الشعب التونسي لا يعرف ما هي "حريَّة الضمير"، وأنَّهم يميلون أكثر إلى مبدأ التسامح واحترام حريَّة الآخر وليس الإقرار بهذه الحريَّة. بكلام آخر، التوانسة بحسب حمَّاني يبدون احترامهم لعقيدة الآخر، ولكنّهم يرفضون القبول بحريَّة الضمير التي تسمح للمسلم بترك إسلامه نحو الإلحاد أو أي دين آخر.

 

المشرق: بين الريادة التاريخية والتخلف الحالي

يبدو المشرق هرمًا إذا ما قارناه بدينامية المغرب العربي. ولولا حضور لبنان وديناميَّته لكان يمكننا اعتبار هذا المشرق ضمن عداد الإموات حضاريًا. في مداخلته حول "حرية الضمير"، والتي هي جزء من كتابه المرجعي حول هذا الموضوع والذي سيخرج حديثًا إلى الجمهور في فرنسا وفي العالم، عرض البروفيسور دومينيك آفون (Dominique Avon)، أستاذ التاريخ في معهد الدراسات العليا في باريس (EPHE) في مداخلته لتاريخ مفهوم حرية الضمير، الدور الكبير الذي لعبه المشرق في تكريس حريَّة الضمير في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في باريس العام 1948. يأخذنا دومينك آفون في رحلة ممتعة في أروقة الامم المتحدة مع رئيس البعثة اللبنانيَّة هناك شارل مالك وفريقه المؤلَّف من كبار المفكّرين والفلاسفة من أمثال كريم عزقول وغيره، شارحًا لنا بالتفصيل كيف صارع مالك من خلال فلسفته ودبلوماسيَّته على السواء من أجل إقرار مبدأ "حرية الضمير" (Liberté de conscience, Freedom of Conscience) في البند الثامن عشر من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وكيف، بعد صراع مع ممثّلي الشيوعيَّة الأمميَّة، أقنع مندوب المملكة العربيَّة السعوديَّة – وهو كان لبنانيًا مارونيًا – بالامتناع عن التصويت، بعد أنْ كان قرار المملكة بالتصويت ضد الإعلان العالمي، وهذا ما سهّل خروج هذا الإعلان إلى العالم وإلى الإنسانيَّة مكرّسًا مبدأ حريَّة الفكر والتعبير والضمير حقًا عالميًا إنسانيًا غير قابل للمسّ.

 

أستاذ التاريخ في الجامعة اللبنانيَّة، وأستاذ المواطنيَّة في الجامعة الانطونيَّة أمين الياس أصرّ في مداخلته على أنَّ الشرق ليس على هامش الديناميَّة من أجل الحريَّات والعلمانيَّة. صحيح أنَّ لبنان غارق في مشاكله الداخليَّة والإقليميَّة الخانقة، ولكنَّه لا يزال يمثّل مساحة حريَّة تسمح  لعدد من المفكّرين الكبار بلعب دور محوري في هذا المجال. فمنذ المعلّم بطرس البستاني الذي قال بالعلمانيَّة وحرية الضمير ضرورة الفصل بين "الرياسة [السلطة الدينيَّة] والسياسة، مرورًا بالندوة اللبنانيَّة ومفكّريها الذين طوّروا ما أسماه امين الياس في كتابه "علمانيَّة من عندنا" – وهي علمانيَّة تميّز ولا تفصل بين الدين والدولة – وصولًا إلى مفكّرين من مثل ناصيف نصار الذي قال بالمجتمع "العلمي-العلماني"، ومشير عون الذي يقول بـ"العلمانية الهنيَّة، المحاورة والمعترفة بالتعدديَّة الثقافية"، لقد برهن لبنان والشرق أنهما رائدان في هذا النضال من أجل الحريَّات. طبعًا يعي الياس أنّ هناك الكثير من الصعوبات التي تقف حاجزًا في مسيرة هذا النضال، من مثل النظام الطائفي واضمحلال الفرد لمصلحة الجماعة الدينيَّة او العائليَّة التي ينتمي إليها، إلا أنّ هذه المسيرة لا تزال حيّة وقادرة على إنتاج نماذج خلَّاقة. هنا لا يتردّد المغاربة – في الأحاديث الجانبيَّة – في الاعتراف والقول: لقد "اعطيتمونا كلّ شيء" قاصدينا بذلك الشرق وخاصَّة لبنان.

 

مقابل النموذج اللبناني تبدو إسرائيل بحسب الباحثة الفرنسيَّة في معهد الدراسات العليا في باريس ستيفاني ليتييه (Stéphanie Laithier) ذاهبة باتجاه المزيد من العنصريَّة الدينيَّة. فإذا ما تابعنا المراحل التي مرّت بها إسرائيل انتهاءً بالقانون الذي يقول بأنَّ إسرائيل هي "دولة قوميّة للشعب اليهودي"، نلاحظ المسار الدراماتيكي لإسرائيل باتجاه اعتماد نظام الدولة الدينيَّة الطائفيَّة العنصريَّة، بما يستتبعه من تأثير مباشر على الحريَّات الفرديَّة والسياسيَّة.

 

نظرة جديدة للإسلام

لم تتوقَّف المداخلات عند هذا الحدّ. فالبروفيسور التونسي في المعهد البابوي للدراسات العربيَّة والإسلاميَّة في روما عدنان المقراني يتساءل عمّا يمكن أنْ يقدّمه الدين بشكل عام والإسلام بشكل خاصّ للإنسان. من البداية يحسم مقراني بأنّ الدين لا يمكن له أنْ يقدّم أنظمة سياسيَّة أو اقتصاديَّة؛ لا بل أنَّ الدين لا يمكنه حتَّى أنْ يقدّم نظامًا قانونيًّا. فكلّ ما يمكن أنْ يقدّمه الدين هو نظام تربوي تثقيفي أدبي أخلاقي فقط. كلّ دولة دينيَّة إنَّما هي، بحسب مقراني، دولة خبيثة (Etat hypocrite)، ذلك أنَّ كلّ قانون لا يكسب بشرعيته إنْ لم يخضع لنقاش ديمقراطي. بالعودة إلى علاقة الدين بالمجتمع، يعتبر مقراني بأنَّ الدين يمكن له أن يقدّم سيستامَ قيمٍ لخدمة مجتمع متعدّد ومتنوّع؛ وهنا لا يفوت مقراني القول بأنَّ هذه القيم لا تكون ثابتة، حتَّى ولو كانت ذات خلفيَّة دينيَّة، بل هي تُفهم دومًا على ضوء الزمان والمكان المتواجدة ضمنهما. يذهب مقراني في رؤيته لفصل الدين عن الدولة والعلمانيَّة بعيدًا في قوله بأنَّ الدين بحاجة دائمة للإصلاح وللتجدّد، الأمران اللذان لا يمكن لهما أنّ يتمّا إلَّا في دولة علمانَّية حياديَّة تجاه الدين. أمَّا الإسلام فهو ليس بحاجة لدولة ترعاه أو تحميه. وردًا على القائلين بأنَّ الإسلام ثابت ومطلق نسبة للقرآن الذي هو ثابت ومطلق، يقول مقراني، مستندًا على مفكّرين مسلمين من مثل خالد أبو الفضل وغيرهم، بأنّ القرآن جُزئان: مُحكم، ومُتشابه. المحكم هو الجزء المتعلق بالعقيدة وهو ثابت. والمتشابه هو الجزء المتعلق بالممارسات، وهذا الجزء له بعد تاريخي لا إطلاقي، من هنا إمكانيَّة إمَّا تأويله بحسب زماننا ومكاننا وإمَّا إهماله.

هذه المقاربة لمقراني كانت مدار نقاش. فسيّادي اعتبر في ردّه على المقراني أنَّ هذا التفسير للإسلام إنما هو تفسير محصور بأشخاص محدّدين وليس مُعمَّمًا على المرجعيَّات الإسلاميَّة الكبرى التي لا تزال متمسّكة بتفسير تقليدي للإسلام الذي يقول بأنَّه نظام حياة، ودين ودولة، ويطبَّق في كلّ زمان ومكان. أمَّا الدكتور محمد صغير جنجر  فنوّه بالبعد الفردي والروحاني الذي حاول أنْ يعطيه مقراني للإسلام، لكنَّه أضاف أنَّ الإسلام الحالي "لا بعدًا فرديًّا فيه"، وهو لا يمارس فرديًا بل جماعيًا. وهنا طرح جنجر سؤاله الخطير: "إنْ تخلَّ الإسلام عن بعده السياسي والاقتصادي والقانوني، وخرج من الدائرة العامَّة وبات محصورًا ضمن الدائرة الفرديَّة، وإن تمَّت عَلمَنَة المجتمع والدولة والنظام السياسي والاقتصادي والقانوني، وإنْ ابتعد الناس عن تطبيق الإسلام في المجال العام وفي حياتهم اليوميَّة الجماعاتيَّة، ماذا سيبقى من الإسلام؟". فبخلاف المسيحيَّة، لم يطوّر الإسلام أيّ بعد روحي له، وبالتالي أي إمكانيَّة لممارسته على المستوى الفردي الحميمي، وهو لا يزال محصورًا في التطبيق الاجتماعي والسياسي والقانوني، فإنْ فصلنا الإسلام عن كلّ هذا سيضيع الإسلام ولن يبقَ منه شيئًا. وقد انتهى المناقشون إلى الخلاصة الحزينة: هنا أزمة الإسلام، فهو من ناحية بحاجة لشيء من العلمانيَّة ليتحرّر من الضغط السياسي عليه، وبالتالي ليتجدّد ويصلح ذاته، ولكن الخوف كلّ الخوف أنَّنا إذا تمّت عملية علمنة المجتمع المسلم، من حيث الدولة والتربية والثقافة والفكر ونمط العيش، فإنّ الإسلام يمكن أن يكون مهدَّدًا بالاضمحلال والذبول.

 

خلاصة

إنَّ أهميّة لقاءات دوليّة كهذه ليست فقط في عرض الأفكار الجديدة، بل إنَّها تضعنا وسط الديناميَّة الفكريَّة والفلسفيَّة والقانونيَّة والاجتماعية الحاصلة اليوم، وتجعلنا مشاركين فيها. من هنا يأخذ لقاء بيت الحكمة في قرطاج أهميَّته وقيمته الفكريَّة والإنسانيَّة على السواء؛ خاصَّة أنَّه يحصل في حوض المتوسط؛ هذا المتوسط الذي لا يزال يحمل بذور حضارة مشتركة ما بين عوالمه الثلاثة، حضارة يمكن لها أنْ تقدّم لنا الكثير في حال عزّزنا الحوار والتعاون فيها.

* أستاذ جامعي متخصص في التاريخ وكاتب في "اليوم الثالث"