... من الشمال نشرَ موارنةُ لبنان رسالتَهم وجسّدوا إيمانهم في المعاقل العاصية والكهوف لينتشروا في اتجاه جبيل وكسروان وصولاً إلى الشوف وجزين، ومن الشمال اندلعت أكبر مآسيهم وجروحهم في القرن العشرين، وفيه أيضاً اختتمت أمس تحت سقف بكركي هذه الجروح بالمصالحة التاريخية بين سمير جعجع وسليمان فرنجية...

لا شك أنَّ المشهدية مهيبة. قائد عملية إهدن بتكليفٍ من قيادة الكتائب والذي أصيب قبل أن يصل قصر طوني فرنجية، يصافحه إبن الضحية ووريث زعامة آل فرنجية الزغرتاوية، ويفتحان الطريق في السياسة أمام تعاونٍ لاحق، متى توفَّرت المصالح والدوافع، وهي كثيرة على أثرِ تعثر التعاون السياسي بين القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر الآتيين من مصالحةِ عام 2016 عشية انتخابات رئاسة الجمهورية، وفي المقابل بروز "شبح" رئيس "التيار" جبران باسيل أمام كل من جعجع وفرنجية، وجميعهم طامحون إلى رئاسة جمهورية عام 2022...

 

خصوصية المصالحة بين "القوات" وفرنجية

كانت مأساةُ إهدن تتويجاً للخلاف على الخيارات السياسية والإقليمية بين مسيحيي جبل لبنان ومسيحيي الشمال في الوقت الذي كانت فيه المنطقة تُصدم بزيارة السادات القدس وما أدت إليه من انعطافٍ لحركة الرئيس حافظ الأسد في اتجاه الجبهة الشرقية ومنها منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، وأيضاً نتيجةً للصراع على الزعامة في الشمال في ظل تمدد حزب الكتائب إلى المعاقل الشمالية لآل فرنجية. وكانت التداعيات كارثية...

دماء ومجزرة وتهجير وحدٌ فاصل عند المدفون الذي بات يستخدمه بعض ساسة الموارنة والمسيحيين في محاولة تحجيم خصومهم الشماليين، أو لحصر زعامتهم في أضيق حيّزٍ ممكن، جغرافياً وفكرياً. ولم تلغِ المأساة الشمالية صراعات القوى العسكرية المسيحية فيما بينَها ولا صراعات قياداتهم، في الحرب وفي السلم.

من هنا خصوصية مصالحة المردة والقوات اللبنانية في أنَّها تحصل بين طرفين لم يلتقيا يوماً على الخيارات السياسية الكبرى ولا تزال تفرّق بينهما التحالفات الإقليمية، على عكس التيار الوطني الحر و"القوات" اللذَين دفعا معاً ثمنَ الهيمنة السورية في التسعينات وواجها تداعياتها في الوقت الذي كان فيه سليمان فرنجية يرث التحالف الإستراتيجي بين عائلته والنظام السوري بقيادة آل الأسد. والخصوصية الثانية ترتدي الطابع المناطقي سواء لجهة انتماء كل من جعجع وفرنجية، ونظراً للبنية المسيحية والمارونية الشمالية الحافلة بالنزاعات.

الأسئلة والإشكالية لا تُطرح في المصالحة وعليها. إنَّ الإعتراف والحقيقة والتصالح هي مطلب جميع المسيحيين الذين تراجعت قوتهم وحضورهم بفعل عوامل عدة أبرزها حروبهم الطاحنة منذ إهدن وصولاً إلى صدام الجيش والقوات عام 1990. وهي حاجةٌ لبنانية بين أيَّ قوتين لبنانيتين تسمح بتجاوز موروثات الحرب والعبور إلى مسار سياسي تفاهميٍ آخر، حاجةٌ فهمها عقل العماد ميشال عون بالتوازي مع مصلحته السياسية، وأطلقها منذ ندائه الشهير في باريس في 21 تشرين الثاني 2004 ساعياً إلى تجاوز الماضي مع سوريا التي كانت تتحضر للرحيل بفعل الضغط الأميركي – الفرنسي، قبل أن يواصلها بعد عودته إلى لبنان مع مختلف خصومه السياسيين، انتهاءً بالتفاهم الكبير مع حزب الله.

 

مصالحات أم نكايات؟

لبّ المشكلة المارونية والمسيحية تكمن في تقلّب التحالفات والصراعات بين زعاماتهم، وهي دائماً تتخذ شكل المثلث، ما يجعلها أقرب إلى سياسة النكايات منها إلى مصالحات حقيقية، أو إلى تفاهم حول مشاريع استراتيجية.

في الثمانينات وبعد وفاة بيار الجميل واغتيال بشير، تحالف سمير جعجع وإيلي حبيقة ضد الرئيس أمين الجميل في انتفاضة 12 آذار، ثم عاد سمير وأمين ليتحالفا ضد حبيقة ويُسقِطا "الإتفاق الثلاثي" في انتفاضة 15 كانون 1986. وحين برزَ المشروع السياسي لقائد الجيش آنذاك العماد ميشال عون اتفق كلٌ من الجميل وجعجع في لقاءات القطارة على قطع الطريق على عون في انتخابات رئاسة الجمهورية، لكن التطورات دفعت لاحقاً بأمين إلى تسليم الدولة إلى حكومةٍ عسكرية، أعلن فيها جعجع بدايةً مساندتها ودخلَ تحت هذا الغطاء معقل الجميّل في المتن الشمالي وأنهى حالته العسكرية والسياسية، قبل أنْ يندلع الصراع الكبير بين الجيش بقيادة عون و"قوات" جعجع. هذه النزاعات، عدا محطة الإتفاق الثلاثي، كانت كلها بين قوى كيانية ترفع شعارات الحرية والسيادة وواجهت الإدارة السورية للواقع اللبناني ودفعت ثمن هذا الخيار غالياً.

 

في بداية ال2016، كرّس العماد ميشال عون والدكتور جعجع المصالحة بينهما التي كانت أساساً بدأت منذ زيارة عون لجعجع في سجنه في اليرزة في العام 2005، لا بل وضعا في تلك المصالحة الأسس لتفاهمٍ سياسي يشمل انتخابات رئاسة الجمهورية والحكومة والتعيينات الإدارية. غير أن حسابات حقل جعجع لجهة تمسكه بالمناصفة بين الحزبين في كل المواقع، لم تطابق بيدر باسيل الذي يعتبر أنَّ حجم تياره لا يزال يتفوق على حجم "القوات"، فضلاً عن أن مسار العلاقة السياسية والحكومية بعد انتخابات الرئاسة، وخاصة في أزمة احتجاز الحريري العام الماضي في الرياض وما رافقها من اشتباكٍ حكومي في ملفاتٍ عدة، جعلت التفاهم السياسي يترنح، في موازاة التشديد على التمسك بالمصالحة الشعبية وعدم العودة إلى لغة الماضي.

 

"شبح" باسيل

من منطلق الديناميكية الثلاثية بين الزعماء المسيحيين، لا يمكن التغاضي عن أن شبح جبران باسيل كان حاضراً في خلفيةِ البعد السياسي للمصالحة الشمالية التاريخية. لم يوافق وزير الخارجية رهانات جعجع، ويمضي قدماً في مساره وطموحاته، ما يجعله التهديد الأقوى لطموحات فرنجية الرئاسية. وينطلق من عناصر قوة متعددة أبرزها ديناميكيته وحركته المتواصلة وبالتالي "إنتاجيته" السياسية، غير أن مشاوراته الأخيرة من أجل حل آخر عقدة حكومية، أبرزت دوراً أكبر لا بل أخطر لباسيل، وهو دور الوساطة بين القوتين السنُيتين والشيعيتين، اللتين تحرك ديناميكيتهما النزاعية صفيح التركيبة اللبنانية المتحركة على وقع فالق الصراع الإيراني – السعودي. وهو دورٌ يواصله باسيل من حيث انتهى الرئيس ميشال عون، الذي حلا له دائماً منذ العام 2005 طرح شعار الوسيط النزيه أو ال Honest Broke، والذي لم يلغِه تفاهم الإستراتيجي اللاحق مع حزب الله.

 

"مسمار" الرئاسة

واستطراداً، هل نتوقع من المصالحة الشمالية في بُعدها السياسي، أن تشكّل تغيّراً في سياسات النكاية؟ الأمل مشروع ومحق. فالموارنة والمسيحيون تعبوا، لا بل أنهم فعلاً لا يتحملون ترف النكايات و"الحرتقات" في زمن التحولات الكبرى والسقوط المتداعي لهم من العراق إلى سوريا وصولاً إلى خنق الأقباط اليومي والمستمر في مصر...

والسؤال الأهم، هل يبقى الوصول إلى رئاسة الجمهورية مصدراً للإنقسام والنزاع والتحول ضمن "الدائرة الثلاثية"، أم محطةً للتلاقي الإيجابي، لا السلبي، من ضمن رؤيةٍ تضعُ فعلاً مصلحة لبنان ومسيحييه فوق كل اعتبار، حتى الشخصي منه؟ وهل تعلم هذه الشخصيات والقوى، حجم الضرر على موقعها السياسي بما فيه رئاسة الجمهورية، في حال استمرار سياسات النكاية؟

عسى أن تكذّب مياه الواقع تحليلات الغطاس...

 

  • صحافي ورئيس تحرير موقع "اليوم الثالث"