برزت فكرة الدور المسيحي الوسيط في الإجتماع السياسي اللبناني بعد زلزال عام 2005 ووصول الإنقسام الشيعي – السُني إلى ذروته بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وتصاعده في المشرق بالتوازي مع الصراع الإيراني السعودي. كان عنوان المرحلة آنذاك استعادة القوى المسيحية دورها في المعادلة اللبنانية الجديدة التي صنعتها تسوية الطائف المرعية سعودياً وأميركياً والمُنفذّة سورياً، والتي نشأت أساساً على تحطيم الدور المسيحي السياسي كونه رأس الحربة في مواجهة إدارة النظام السوري للوضع اللبناني، أو إعادة صياغة النظام السياسي بما يتلاءم مع التطورات الإجتماعية والسياسية والديموغرافية، والأهم التوازنات الإقليمية.

وكان في لاوعي القوتين السياسيتين الأساسيتين، أي التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية أن تحالفاتهما مع هذا الطرف الإسلامي أو ذاك، هي التي تؤمن العودة إلى الدور السياسي الفاعل، بالتوازي مع ترويج كل قوة أن تحالفها هو الذي يؤمِّن تحقيق "التوازن" أولاً، وثانياً يعبّر عن تقاطع وتشابه في الإتجاهات الأساسية للفكر المسيحي اللبناني أو "الكياني" الذي أسس في وجدانهم لنظرتهم إلى لبنان ودوره ووظيفته.

 

من "الوساطة" إلى الإنخراط والتمحور

كان العماد ميشال عون من رافعي شعار الدور الوسيط، وهو لم يكن قد تموضع آنذاك في أي تحالف سواء مع تيار المستقبل أو حزب الله، على عكس الدكتور سمير جعجع الذي حسم منذ زيارة عون له في السجن تحالفاته التي اعتبرها مناسبة لزعامته السياسية وملائمة لاتجاهات القوات اللبنانية الأساسية. وقد تمسك عون بهذا الدور وبسياسته خاصة بعد تصاعد أحداث العنف المذهبي في العراق عام 2006 وتفجير المساجد بما فيها ضريح الإمامين الهادي والعسكري.

لكن الصراعات السياسية وإصرار تيار المستقبل بتحريضٍ جنبلاطي آنذاك على الهيمنة ومحاولة استنساخ تجربة التسعينات في الحكم، أي وفق معادلة القوى الإسلامية القوية والشخصيات المسيحية الضعيفة، بالتوازي مع تصاعد الشرخ مع الثنائية الشيعية أطاحت كل تلك التصورات ودفعت بالعماد عون إلى تعميق تفاهمه مع حزب الله حتى عبَر كل المحطات الدامية والمفاصل الخطرة، وأدى بالتالي إلى ترسيخ شراكته في الحكم وتجسيد تمثيل الأكثرية المسيحية في السلطة التنفيذية ورويداً رويداً في السلطة التشريعية، وفقاً لنتائج الإنتخابات المتتالية في 2005 و2009. بات تموضع القوى الأساسية في البيئة المسيحية انقسامياً على ضفتي الصراع بين تيار المستقبل وحزب الله، وحدّ من قدرتهم على لعب دور القوى الجاذبة centrifuge وليس القوى الطاردة centripete، كما أشار مرة الأباتي بولس نعمان في إحدى اللقاءات في مركز عصام فارس للشؤون اللبنانية.

آفاق الدور "الوسيط" على وقع التحولات

اليوم، وبعد عامين على التسوية الرئاسية التي جسدّت المعادلات الجديدة بما فيها وصول العماد عون إلى الرئاسة، عادت مقولة الدور الوسيط للبروز مجدداً وتحديداً لدى التيار الوطني الحر، في حين أنَّ القوات اللبنانية لا تدّعي لعب دور الوسيط وإنْ تمايزت عن حليفها في المقاربات الإقليمية تيار المستقبل وتبادلت الإشارات الإيجابية مع حزب الله.

 

في الواقع السياسي، وصل العماد عون إلى رئاسة الجمهورية نتيجة تمثيله القوي في بيئته كقاعدة لشرعية التمثيل في النظام اللبناني، لكن أيضاً نتيجة معادلات الحرب السورية التي انعكست لبنانياً في زيادة ضعف تيار المستقبل بقيادة سعد الحريري، وسمحت له ولسمير جعجع بنافذة التفاهم مع عون كوسيلة لتخفيف الأضرار والعبور إلى المرحلة الجديدة. ومن ضمن هذا الإطار، برز الدور المسيحي الذي أداه التيار الوطني الحر كحاجة لبنانية لإيجاد التسوية أو تظهيرها بطريقة تبدو مربحة للجميع، فضلاً عن كونها انعكاساً لمعادلات القوى في الداخل اللبناني والإقليم.

استكمالاً لمنطلقات مقاربة المعادلة السياسية نفسِها، يرفُض حزب الله اليوم أن يتراجع التيار الوطني الحر بقيادة جبران باسيل إلى دور الوسيط، على ما أظهرته تجربة المفاوضات الحكومية لجهة التشدد في عدم القبول بثلث "ضامن" للرئيس. فحزب الله الآتي من انتصارٍ عسكري في سوريا ومن رغبة بتثمير نتائج قوته سواء قبل الحرب السورية أم بعدها، على الواقع السياسي من خلال فرض تمثيل حلفائه في الطوائف السُنية والمسيحية والدرزية.

وإذا أضفنا إلى هذا المشهد تحول الوقائع الإقليمية لصالح الدولة السورية نهائياً، يصبح، في الشكل ومن ضمن القراءة السياسية نفسِها، تمايز التيار الوطني الحر عن حزب الله ضرباً من الإبتعاد عن المصلحة السياسية المائلة للمحور الإقليمي الذي يشكِّل فيه حزب الله رأس حربته العسكرية والجغرافية.

 

غير أنَّ قراءة الوجوه الأخرى للمشهد الإقليمي الحالي، تشكِّل في المقابل أسساً متينة لصالح الدور "الوسيطي" الذي تروّج له أوساط التيار الوطني الحر راهناً. ففي حال وصلت رياح المصالحة السعودية مع سوريا برعاية مصرية – إماراتية إلى خواتيمها المنشودة، قد يكون الواقع اللبناني أمام إعادة تطبيع للحضور - وليس بالضرورة الدور الفاعل- للسعودية من ضمن منظومة عربية مستجدّة "تصالحية"، وبالتالي انعكاسها على المشهد السياسي اللبناني، وربما من خلال تجديد منظومة "السين – سين" الشهيرة ولو مع أرجحية للقوى الحليفة للمحور السوري – الإيراني.

 

لا تكتمل مناقشة آفاق الدور المسيحي السياسي في النظام اللبناني، من دون موقع رئاسة الجمهورية التي منحها اتفاق الطائف ضمناً هذا الدور "الوسيط" بالمعنى الإيجابي والضامن لوحدة الدولة وانتظام عمل المؤسسات الدستورية، وهو دور يلعبه الرئيس عون إلى حدوده القصوى بما سمحت له حدود الصلاحيات "المقضومة". فمن دون هذه "الوسيطية" – وليس "الوسط" بالمعنى البارد والتافه الذي أظهرته ممارسات الرؤساء الضعفاء- لا يملك النظام اللبناني، وهو اليوم أمام تحد كيفية تفصيل بدلة جديدة واسعة تليق بالجسد اللبناني المتضخم بفعل قوة حزب الله، قدرة الحكَم والإستمرارية وتحقيق الميثاقية.

سلوك سعد الحريري في الأزمة الأخيرة خيرُ معبّر عن وضعه خطاً أحمر أمام تضخم القوة الشيعية ومحاولات حصرِها القوة السياسية السُنية المخاصمة لها في الزاوية في إطار إعادة صياغتها المعادلة اللبنانية. قال صراحةً إن هذا هو الحد الأقصى لتنازلاته، وهذا ما استشعر مخاطره الرئيس ميشال عون في اعتباره أن هذا الحراك يظهر سيطرة لمكون لبناني على مكونٍ آخر وبالتالي زيادة الإحتقان، ولو أنه عبّر أيضاً عن انزعاجه من سلوك الحريري في الأسبوع الماضي.

 

إن المسار السياسي منذ العام 2005 أظهر أن الحضور المسيحي الفاعل في النظام لم يعد عبر دور "الوساطة" بل من خلال التحالفات والمعادلات في الأرض والميدان، ونتيجة أيضاً لقراءة استراتيجية متقدمة وواعية لميشال عون الذي منحته الوقائع حقه، من التفاهم مع حزب الله إلى ما آلت إليه الحرب السورية التي قرأ نتائجها في بداياتها، كما حرب تموز 2006، وكلها نتائج لانحسار الدور الأميركي واستعداة روسيا دورها العالمي، وما تركه ذلك من مساحة للقوى الإقليمية لتملأ فراغ القوة في المشرق.

لكن تكريس هذا الدور الفاعل وحماية الميثاقية، وحتى ترجمة معادلات القوى، قد لا يكونان إلا من خلال الدور "الوسيط" الجامع وليس "الطارِد". هذا إن إرادت القوى في البيئة الإسلامية دوراً مسيحياً فاعلاً، ولم تعد لإنتاج معادلة التسعينات وثنائية حزب الله – الحريري واستنساخ تجربة التحالف الرباعي، وهو كابوس تُبعده الدروس المريرة وما ذاقه حزب الله تحديداً من ويلات تلك المرحلة!

 * صحافي وباحث سياسي. رئيس تحرير موقع "اليوم الثالث" ومنسق الأبحاث في "معهد الدراسات المستقبلية".