عندما نبحث في زوايا التاريخ عن الحوادث الطائفيّة في عام 1860 نسأل أنفسنا هل انتهت تلك الحقبة السوداء أم بعد؟ نستعيدها في كلّ مرّة تطلّ الفتنة الطائفيّة بمخالبها منذرةً بأيّام سوداء وعجاف. مذابح من ذاكرة هذا المشرق جاوزت القرن ونصف القرن لكنّ آثارها لا تزال موجعة وماثلة في العقول لذلك الا يحق لنا المقارنة بين ما جرى وقتذاك وما جرى ويجري اليوم وما يُهيّأ للغد إذا لم يتمّ تدارك الأمور والانتفاع من دروس الماضي الأليمة لتفادي مصير سوداوي قاتم؟

 

الأسباب التاريخية للمجازر الطائفية

غاص الباحثون في سبر غور الأسباب والدوافع التي أدّت إلى هذه المذابح في جبل لبنان وفي دمشق فلم يسقطوا الأبعاد السياسية والصراعات على النفوذ والنزاعات الطائفيّة المستشرية. غير أنّهم بيّنوا أيضًا الأبعاد الخارجيّة التي فعلت فعلها السلبيّ في تأجيج الصراعات ووصولها إلى حدّ ارتكاب المجازر والمذابح والتهجير والتطهير العرقي. فالاحتلال العثمانيّ بأمراضه والدول الأجنبيّة بقناصلها انجزوا دورًا كبيرًا في الحضّ على النزاع عبر إغداقهما الوعود بالمساندة والدعم، واستجاب لها أصحاب الطوائف والمذاهب مهرولين قارعين طبول الحرب.

منذ بداية الإحتلال العثماني لبلاد الشام بدأت الأمبراطوريات الأوروبية بالضغط على السلطنة بحجة حماية المسيحيين وكانت هذه الإمبراطوريات قد أنشأت علاقات وطيدة مع المكونات الدينية المختلفة في سوريا. كانت من أهمها علاقات الإمبراطورية الفرنسية التاريخية مع الكاثوليك والموارنة. وقد عززت في القرن التاسع عشر علاقاتها مع الكنيسة الكاثوليكية الشرقية أما الإمبراطورية البريطانية فشكلت علاقات قوية مع اليهود والدروز والمسيحيين البروتستانت في بلاد الشام.

وقد ورثت الإمبراطورية الروسية عرش الكنيسة الأرثوذكسية بعد سقوط الإمبراطورية البيزنطية واصبحت عاصمتها موسكو تدعى (بيزنطة الجديدة). وحملت موسكو على عاتقها حماية النسيج الأرثوذوكسي الذي يشكل النسبة الأكبر من مسيحيي بلاد الشام.

وفي كل مرة ينتصر الأوروبيون في حروبهم مع العثمانيين تزداد شروطهم كي يعطي الإحتلال حقوقاً أكثر للمسيحيين. ومن أشهر هذه الحروب حرب شبه جزيرة القرم (1853 – 1856) بين الروس من جهة والعثمانيين والفرنسيين والبريطانيين من جهة أخرى، وكان سبب هذه الحرب هو الخلاف حول من يتولى إدارة الأماكن المقدسة المسيحية في فلسطين بين الأرثوذوكس (حلفاء موسكو) والكاثوليك (حلفاء باريس).

جذور "التنظيمات"

لقد حكم العثمانيون المنطقة العربية باسم الإسلام وكان شرط إعطائهم البعض من الصلاحيات هو اعترافهم بقانون الشريعة الإسلامية وإعلان ولاءهم للباب العالي. واعتاد المسيحيون على دفع الجزية السنوية في ظل هذا الإحتلال ولكن ذلك لم يمنع المسؤولين في السلطنة من معاملة المسيحيين كمواطنين من درجة ثانية ولم يمنع الإساءة إليهم 

لكن في المراحل الأخيرة من عمر العثمانيين بدأت الأمور وشروط اللعبة تتغير فمن جهة، كان صعود الإمبراطوريات الأوروبية وتطورها العلمي والتقني وتقدمها في فنون الحرب وإلحاق الهزائم المتكررة بالسلطنة يثير رعب واهتمام الباب العالي ومن جهة أخرى، بات تطور حركات التحرر القومية في أراضيها وخاصة في البلقان يهدد وجودها بشكل عام وينذر بقلاقل في المناطق الأخرى أيضاً.

لقد شعرت السلطنة أن عليها أن تواكب العصر لترضي جميع القوميات والديانات التي كانت تحت سيطرتها، وفي نفس الوقت عليها أن تذعن لمطالب هذه الإمبراطوريات الغربية في إحداث تغيير جذري لسياساتها الداخلية وخاصة على صعيد مبادئ حقوق الإنسان التي جاءت بها الثورة الفرنسية وانتشرت في أورروبا كحقوق العدالة والمساواة بين المواطنين.

وفي عام 1839، أصدر السلطان العثماني في ذلك الوقت محمود الثاني مجموعة من القوانين الجديدة التي سميت بالتنظيمات ومن خلال هذه القوانين حاول أن يساوي بين مواطني السلطنة بالحقوق والواجبات بصرف النظر عن دينهم أو عرقهم أو قوميتهم. وأصبح بإمكان المسيحيين أن يشاركوا في الحياة الثقافية والإقتصادية، وسمح لهم بالدخول إلى المدارس وتعلم اللغة العربية (التي كانت حصراً على المسلمين) واللغات الأجنبية.

تضاربت ردود الفعل على هذه القرارات. ففي حين رأى فيها المسلمون خروجاً على العادات والتقاليد وإذعان لرغبة الأوروبيين، لم يرضَ بها الأوروبيون وخاصة القسم المتعلق بالمساواة بين الأديان فهي في فحواها لم تخرج عن قانون الشريعة.

لذلك وبعد حرب القرم، ولإرضاء حلفائه الفرنسيين والبريطانيين الذين ساعدوه على الروس، وضع السلطان عبد المجيد الأول تعديلات جديدة في عام 1856 وسميت (إصلاحات) أقامت المساواة الكاملة بين كافة المواطنين داخل السلطنة. فبالإضافة إلى ما سبق ذكره أصبح يحق للمسيحي أن يتوظف في دوائر الدولة ويخدم في الجي وهو لم يكن يتمتع بأيّ حقوق مواطنية من قبل.

أما من ناحية القوانين المتعلقة بالدين فقد كانت تلك المرحلة أشبه بالثورة العلمانية. إذ رُفِعت الجزية الخاصة بالمسيحيين وأصبح من حق أي إنسان أن يتبع أي دين. ولا يحق لأحد أن يُجبر غير مسلم على أن يصبح مسلماً وألغيت عقوبة القتل لمن يرتد عن الإسلام. وشملت الإصلاحات قطاع العدل والمحاكم الجنائية، فمنع التعذيب والعقوبات الجسدية، كقطع اليد على سبيل المثال!

 

رد الفعل الإسلامي

وكانت النتيجة أن رفض الإسلاميون المتشددون من مواطني دمشق كل هذه القوانين واعتبروها أنها معادية للشريعة الإسلامية وتخالف كلام الله وخاصة القسم المتعلق بمساواة غير المسلمين بالمسلمين. وبدأ التململ والإستياء يسود أوساطهم خاصة من أوروبا المسيحية التي لم تتوقف عن الضغط على السلطان ومن مسيحيي البلقان الذين يحاربون من أجل استقلالهم ويوقعون خسائراً فادحة في جيش السلطنة وهذا لم يرق لمعظمهم لأن الوجود العثماني كان يشكل للبعض الخلافة الأسلامية بكل ما تعنيه.

وبالتالي فإنّنا نجد بأن الطائفيّة واستمرارها، هي من منظور آخر نتيجة تخلّف مجتمعاتنا العربيّة المشرقية وعدم تمكّنها، لأسباب موضوعية ذاتية وخارجية، من الانتقال من النظام الإقطاعي، إلى الثورة الصناعيّة التي دشّنتها الثورة الفرنسيّة. ولعل هذا الركود وما تبعه من عدم تكوّن طبقة برجوازيّة محفزة وقوى اجتماعيّة حيّة تقوم بدمج المجتمع أدّى إلى فشل المشروع النهضوي العربي بمنطلقاته المتعدّدة، وفي مقدّمتها المواطنة، وهي نقيض الطائفيّة والعشائريّة. أي المواطنة الجامعة لأبناء الوطن المتساوين في الحقوق والواجبات والسير بهم تحت للواء العدالة والمساواة.

 

المصالحة المنشودة عبر المواطنة

أليس هذا هو السبب الرئيس في أنّ مجتمعاتنا المشرقية لا تزال غارقة في وحول الطائفيّة والعشائريّة، ولم تستطع الخلاص من هذا المستنقع الذي جفّفته المجتمعات الأخرى التي تجاوزت أنظمة الإقطاع ودخلت في عهد جديد للمواطنة ؟

 ولعلنا نسأل هل من مجتمع في العالم لم تمزقه وتزعزع وحدته المذابح العرقية والمذهبية ولكنه عاد وانتفض على ماضيه الدامي وشقّ طريقه نحو الألفة والتعايش السلمي ووضع قوانين مدنية تمنح أبنائه السلام والطمأنينة والحصانة الوطنية الدائمة في وجه أي انتكاسة مذهبية يمكن أن تهب من الداخل أو من الخارج؟ لذا أتمنى ألا تبقى الأسئلة التاريخية والاجتماعية حول مذابح 1860 مجرّد تاريخ وذاكرة نزاع، بل أن يتعدى ذلك إلى البحث عن مغزى هذه المجزرة في مسار تطور المشرق وأخذ العبر منه بهدف وضع التصورات الممكنة للإنتقال بهذه الاوطان الجريحة إلى بر الأمان والتصالح مع الذات المشرقية كميزة أساسية لشعوب متنوّعة الانتماء الديني والعرقي ارتضت أن تعيش على أرض تطلّبت منها جهوداً كثيرة لتبقى منارة معطاءة في بحرٍ من الصحاري القاحلة والموحلة بالنزاعات التي لا تنتهي.

  • أستاذة جامعية سورية تدرس في الولايات المتحدة وكاتبة في "اليوم الثالث"