تتمحور احاديثنا اليوم حول كلمة العلمانية على خلفية ما تشهده بلداننا المفككة برياح الربيع الأصولي التكفيري. كما ان مفهوم التعتيم الذي يتم انتاجه وتسويقه لخدمة مصالح واهداف سياسية هو الجهل الإجتماعي الذي يفرضه بعض الهيئات الدينية عمدا للتضليل المقصود عن جوهر العلمانية الصحيح وربطه بالكفر والإلحاد. فقد جلب هذا الشتاء الأصولي الويلات على انحاء متعددة من بلداننا العربية التي شهدت صراعات عرقية ومذهبية غير مسبوقة في التاريخ الحديث، وخصوصاً في سورية والعراق حيث وصل العنف الطائفي الى مستويات مدمرة تمخض عنها ازمات انسانية لا تعد ولا تحصى، في ظاهرها كانت تبدو وكأنها صراعات طائفية مذهبية اما جوهرها فكان يخفي مشاريع سياسية هدفها تفتيت المنطقة والإستيلاء على منابع النفط والغاز فيها. وأصبحت تلك البلدان ساحات معارك تشن دولا عدة حروبا فيها بالوكالة.

 

ما هي حقيقة العلمانية؟

ان التعتيم على مصطلح العلمانية هدفه في الدرجة الأولى هو السيطرة على السلطة السياسية من قبل جماعات تكفيرية تجاوزها الزمن ولا يمكنها فرض اهدافها الا بنشر الجهل بمفهوم العلمانية بين البسطاء من الناس التي ما زالت تعتقد بأنه الكفر المبين. ولعل الحركات الأصولية بجميع تنظيماتها كانت من اوائل المستفيدين من التعتيم على مفهوم العلمانية وتشويه صورتها بين العامة من الناس خاصة ذوي الثقافة المحدودة حيث تم وضعها في اطار من الإلحاد والكفر وكأنها ديانه اخرى بغرض تمرير شعار الإسلام هو الحل.

لكن العلمانية ببساطة متناهية هي اسلوب فصل السلطة الدينية عن السلطة السياسية، اي عن الدولة بمفهومها العام التي ينبغي ان تكون محايدة تجاه الأديان والمذاهب وتتجنب فرض اي عقيدة دينية او مذهب، وهذا ما تدعو اليه العلمانية في جوهرها حرية الإعتقاد والتعبير فالعلمانية تضمن حماية الحريات الدينية على جميع الأصعدة كذلك حريات العبادة بالإضافة الى تشكيل التنظيمات السياسية والنقابية في داخل المجتمع المدني. ومن جهة اخرى يمكن لاي انسان أن يكون متديناً وعلمانياً في نفس الوقت، بمعنى ان يمارس عبادته الخاصة ولكن لا يفرض على غيره ممارسة الشعائر والعبادات ذاتها بل يؤمن بأن لكل انسان الحق في ان يعتقد ما يشاء ويتبنى ما يشاء من عبادات. إن ما يجهله البعض هو ان كلمة العلمانية تنسب الى العالم ولا علاقة لها بالعلم فهي تعني الفصل الديني عن الأمور الدنيوية حيث تدار الشؤون الحياتية من خلال مؤسسات مدنية عوضاً عن المؤسسات الدينية التي تنظر الى كل ما حولها من خلال الدين.

ويظن البعض عن جهل متعمد ان اقامة دور للسينما وإحياء حفلات موسيقية والسماح للمرأة بقيادة السيارة بأنها العلمانية المطلقة، وهذا هو الغباء بعينه ففي البلدان التي لا تصان فيها الحريات الفردية في ممارسة الشعائر الدينية ولا تصان فيها الأديان والطوائف والمذاهب المختلفة لا يمكن ان تتحول الى دول علمانية.

لكن بغض النظر عن كل ما ذكرته سابقاً فإن بلداننا التي تشهد اليوم كل هذه الأزمات والصراعات واتحدث حصريا عن سوريا، فإن العلمانية هي مطلب اساسي وحاجة ماسة للخروج من هذا المأزق التاريخي لان الدوله العلمانية تصبح هي الضامن الأوحد والمحايد للسلم الأهلي وتضع جميع الأديان والمذاهب في كفة واحدة.

 

إزالة كلمة العلمانية في مؤتمر سوتشي

وقد كثر في الآونة الأخيرة الحديث عن كتابة الدستور الجديد لسوريا ما بعد الحرب. وهذه خطوه ممتازة إن تمت بايدٍ سورية محضة تؤمن بالمواطنة الحقة داخل المجتمع السوري واحلال الدولة المدنية. ولكن على خلفية مؤتمر سوتشي مؤخراً لم نر إشارة واضحة الى الدولة العلمانية بل استعيض عنها بدولة لا طائفية وهذا يحمل في طياته الكثير من علامات الإستفهام والتعجب. ففي دولة مثل سوريا تتعدد فيها الطوائف والمذاهب والأعراق لا حل الا بالعلمانية وكل كلام لا يفضي الى هذه النتيجة لا يمكن ان يتم التعويل عليه، بل ستكون له عواقب استراتيجية عميقة على هذا البلد والمنطقة والمجتمع الدولي في المستقبل. 

هناك العديد من الشكوك المرتبطة بمستقبل سوريا وشعبها في ضوء الآثار المدمرة لهذه الحرب وتأثيرها يرجح أن يكون لأجيال عديدة، لكننا نبقى نعول اليوم على النخب المثقفة الواعية ضمن النسيج السوري لترجيح كفة التيار العلماني على كفة التيار الديني وكسر هذا الإحتقان الذي يعاني منه شعبنا اليوم .

  • أستاذة جامعية سورية مقيمة في الولايات المتحدة