لم تأتِ مواقف حزب الله في الأيام الأخيرة من عدم، ولو ان السبب الرئيسي الذي سرّع إعلانها هو الخطر الذي أظهرته التحركات في الشارع. إلا أنَّ حزب الله لم يتدخل لرأب الصدع إلا بعد تفجر الخلاف، لحسابات يقاربها الحزب بحذر شديد، ولكن حزب الله بحسب ما يرى التيار الوطني الحر يتحمل جزءاً من مسؤولية وصول الأمور الى هذا التشنج غير المسبوق، بسبب مراعاته لحركة امل في بعض المشاريع التي تقف منها الحركة في موقع المعرقِل وبخاصة تلك التي تحمل طابعاً إصلاحياً يحمل العهد رايته، في حين يتخذ الحزب في معظم الأحيان موقف المتفرج والمحايد.

 

التلاقي التاريخي

ان تفاهم مار مخايل الذي نحتفل اليوم بمرور 12 عاما على توقيعه، وهو ربما أطول تفاهم في تاريخ لبنان. لم يكن مجرد لقاء بين قائدين عظيمين، هما الرئيس العماد ميشال عون والسيد حسن نصر الله، فحسب، وإنما شكّل خلال السنوات الماضية فرصة تلاقٍ وجسر تعارف وثقة بين قاعدتي حزب الله والتيار الوطني الحر، وأطلق مسارا يقوم على إزالة متاريس الحرب اللبنانية من النفوس لا عن الطرقات فحسب، وهذا ما يعطي هذا التفاهم أهمية أكبر ويجعله بوّابة جمع لكل اللبنانيين، بما يعيد الى لبنان دوره الطليعي في الحوار والتفاعل الحضاري بين مختلف أديانه وطوائفه. ومن هنا الحرص الشديد على صون هذا التفاهم والحفاظ عليه في مواجهة قوى خارجية وداخلية أيضاً والتي عملت ولا تزال، على استهدافه وضربه، فجاء موقف حزب الله لمناسبة ذكرى 6 شباط، ليقطع الطريق على المصطادين بالمياه العكرة، "جدد فيه إلتزام الحزب التام بالتفاهم وشدد على استمرار السير فيه وصولاً لتحقيق الأهداف الكبرى التي يطمح إليها والنهوض بلبنان وأبنائه نحو مستقبلٍ أفضل".

 

بناء الدولة: البند الرابع من وثيقة التفاهم

ولكن هذا التفاهم الوطني وباعتراف الفريقين الموقعين عليه بات يحتاج الى تطوير لتستمر مفاعيله على الساحة الداخلية، وبخاصة أن التباينات تطال الكثير من الملفات الداخلية لا النظرة الاستراتيجية حول العداء مع إسرائيل كما دور لبنان على الساحة الدولية والتناغم في النظرة تام في هذا الاطار، وعلى رأس هذه التباينات عدم تطبيق ما اتفق عليه في البند الرابع من وثيقة التفاهم، والتي تنص على: " بناء دولة عصرية تحظى بثقة مواطنيها وقادرة على مواكبة احتياجاتهم وتطلعاتهم وعلى توفير الشعور بالأمن والأمان على حاضرهم ومستقبلهم، يتطلب النهوض بها على مداميك راسخة وقوية لا تجعلها عرضة للاهتزاز وللأزمات الدورية كلما أحاطت بها ظروف صعبة، أو متغيرات مفصلية".

 

محاولات ضرب التفاهم

هنا يكمن الخلل، كما ان الحملة المستمرة على التيار الوطني الحر ومن خلفه حزب الله، لضرب العلاقة بين الفريقين والتي اثبتت متانتها على الرغم من كل المحطات الخطرة التي مرت على لبنان منذ 12 عاما، توجب تحصينها وهذا البند الرابع بالتحديد هو ما يحصن هذه العلاقة، وما محاولة تحوير مقابلة أجراها الوزير جبران باسيل لصحيفة magazineالناطقة بالفرنسية، سوى وجه من أوجه الحملة، وقد اوضح المكتب الإعلامي لباسيل في بيان ان وسائل الاعلام تتناقل كلاماً محرّفاً ومجتزأ للوزير جبران باسيل في حديثه الى المجلة ، في موضوع العلاقة مع حزب الله، مشيرا الى "ان حقيقة ان ما قاله الوزير باسيل ان علاقتنا مع حزب الله استراتيجية وباقية وهي كسرت الرقم القياسي في التفاهمات السياسية في لبنان، وأننا على نفس الموجة في القضايا الاستراتيجية"، ولكن توضيح مكتب باسيل لم ينكر وجود تباينات حول ملفات أساسية على الساحة الداخلية، مشيراً الى "انه يأسف لوجود بعض الاختلافات في المواضيع الداخلية، وثمة قرارات يتخذها الحزب في الموضوع الداخلي لا تخدم الدولة وهذا ما يجعل لبنان يدفع الثمن، وأن بنداً اساسياً هو بناء الدولة في وثيقة التفاهم لا يطبّق بحجة قضايا السياسة الخارجية".وختم البيان بالتأكيد انه مهما حاول اليائسون من تخريب العلاقة الاستراتيجية مع حزب الله لكنهم لن ينجحوا".

مع الاشارة الى ان هذه المقابلة مع الصحيفة الفرنسية أجريت بتاريخ 7 كانون الأول 2017 أي منذ حوالي الشهرين، مما يطرح السؤال عن توقيت نشرها الآن واختيار عنوان بعيد عن المضمون للإساءة الى باسيل كما لعلاقة التيار مع المقاومة، وهذا يثبت وجود هذه الحملة التي تأخذ أوجها عدة بحسب ظروف المرحلة.

 

لقاء بعبدا بين عون وبري

النهاية جاءت بأقل ضرر ممكن على المجتمع وبطريقة مشرفة للفريقين، وما اللقاء الذي جمع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون مع رئيس مجلس النواب في بعبدا وانضم اليه رئيس الحكومة سعد الحريري، سوى محاولة لرأب الصدع والتخفيف من تداعيات الخلاف السياسي المستمر بين الرئيس عون ودولة الرئيس بري، كي يبقى في اطار الاختلاف السياسي ومن صلاحية المؤسسات الدستورية بدل ان يتحول الى توترات بين جمهوري الفريقين.

 

شعار حملة حزب الله الانتخابية: "نحمي ونبني"

حصل من إعادة إحياء خطاب فتنوي استخدم في الإشتباك على مواقع التواصل الاجتماعي قبل ان يترجم على الأرض مثل خطورة كبيرة بعدما كنا ظننا لوهلة أن صورة الحرب والفتن انها انتهت الى غير رجعة، فكان الاختلاف الأعنف من ضمن جولات الإشتباك المتعددة بين التيار والحركة، منذ انتخاب العماد ميشال عون رئيسا للجمهورية، ما اضطر حزب الله الى إنزال أسلحته الثقيلة المتمثلة بمونته على الفريقين المتصارعين، حتى لا تنفلت الأمور ويصبح بعدها إمكان التصالح صعبا لا بل مستحيلا، مع ما يستتبع ذلك من عرقلة إنطلاقة العهد الذي يترأسه رجل استثنائي وقائد تاريخي، هو الرئيس عون، الذي على الأفرقاء الحريصين على لبنان ان يتلقفوا هذه الفرصة التي قد تكون نادرة في حياة الوطن لإصلاح النظام وبناء الدولة.

أما الأهم في إطار ما حدث والذي حرّك الركود على الساحة السياسية، هو ملاقاة حزب الله لتمنيات باسيل الأخيرة والتي دأب التيار الوطني الحر على تكرارها خلال السنوات ال 12 الأخيرة، بأن تحصين لبنان ومعه المقاومة، لا يمكن أن يحصل من دون التصدي للفساد في الداخل والذي تتآكل بسببه مفاصل الدولة حتى تكاد تنهار، فجاء إعلان نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم اول من أمس خلال مناسبة إطلاق الماكينة الانتخابية لحزب الله ، بمثابة مبادرة لافتة تجاه مسار التيار في إطار مكافحة الفساد، مطلقا على الحملة الانتخابية لحزب الله، شعار: "نحمي ونبني"، موضحا اننا "نحمي من خلال المقاومة ونحن مدينون للبنانيين بالإستقرار الأمني تمهيدا لتحرير كل الأرض التي احتلتها اسرائيل، وثانيا نبني الدولة القوية القادرة والعادلة"، وأشار قاسم الى "ان صحيح ان اولويتنا المقاومة ولكن هذا لا يعني ان ليس هناك اولوية تليها في المرتبة وهي بناء الدولة"، مشددا على ان نهج حزب الله في الدولة استقامة ورفض الفساد، فبناء الدولة يتطلب تضحية منا لأجل الناس لا ان نتربع على الكراسي للإستثمار في المصالح الخاصة، وشعارنا "نحمي ونبني" عملنا عليه كل تلك السنوات وسنستمر العمل به مستقبلاً".

 

إذا بات يمكن القول ان حزب الله أدرك خطورة ما حصل أخيرا من انفلات الصراع السياسي ووصوله الى الشارع، وكاد ان يطيح بالتركيبة السياسية وبالتسوية الرئاسية للعهد برمته، والمعروف ان حزب الله يملك رؤية ليست ببعيدة عن تلك التي يملكها الرئيس عون والتيار الوطني الحر، ولكن ربما في السنوات الماضية تغاضى عن مشاكل الداخل لصالح سياساته الخارجية في ظل الهجمة التكفيرية على لبنان والمنطقة، في حين ان الوزير جبران باسيل لم ينفك يذكر الحزب بأهمية العمل على مكافحة الفساد في الداخل بالتوازي مع الأمور الإستراتيجية، وذلك لحماية انجازاتها الوطنية، والتي لا يختلف اثنان على ان ما فعلته المقاومة في هذا السياق وبخاصة بتدخلها العسكري في سوريا، حمى لبنان وجنبه الأسوأ.

 

في المحصلة لا يمكن أن ينجح مشروع مكافحة الفساد من دون تكاتف الشعب اللبناني ودعمه لمسيرة العهد وهذا يتحقق باستئصال الفساد الذي يمنع قيام دولة حديثة متطورة. كما على الأحزاب المؤثرة في السلطة ان تؤمن الا خلاص للبنان ولا اقتصاد منتج يخرجه من حالة المديونية التي تكاد ان تفلسه، إلا بإنهاء حكم المافيا والشركات الاحتكارية، ما يستوجب تنظيف الإدارة العامة من المرتشين والمتسلطين كما كل المؤسسات العامة والمصالح المستقلة، وكذلك إنهاء النظام الاقتصادي القائم على الاحتكارات، ومن أبرز الأفرقاء اصحاب الأيادي النظيفة الذين يؤتمنون على ورشة الإصلاح هذه هما التيار الوطني الحر وحزب الله، والأخير مثل التيار لم يتورط يوماً بالفساد في الحكم وظل بعيدا عن وحوله، وبالتالي يعتبر حزب الله ركناً اساسياً من أركان بناء الدولة على أسس النزاهة والشفافية والمساءلة.

  • صحافي وباحث لبناني