ليس من المبالغة أبدًا إن قيل عن جورج خضر إنه أحد أبرز الوجوه اللاهوتية التي عرفتها الكنيسة المشرقية في القرن العشرين. لا بل يمكننا القول أكثر من ذلك، ذلك أن نشاطه الفكري لم يقف عند اللاهوت فقط بل ذهب ليكون أحد كبار روّاد التجديد في الفكر الكنسي اللاهوتي، ومن أهمّ اللاعبين على مرسح الحوار المسيحي-الإسلامي، وداعية يمثّل انفتاحة الكنيسة المشرقية على الأفكار الاجتماعية والفلسفية والسياسية الجديدة.

طبعًا، كل محاولة لرسم جورج خضر بالحروف إنما ستكون ظالمة في حقّ سعة أعماله وأفكاره. من هنا ضرورة أن نقتنع بضرورة التواضع امام هذا الفكر وبالتالي انتقاء ناحية محدودة جدًا منه لمناقشتها وعرضها للجمهور.

 

الطائفية المتحجرة

قد تكون إحدى هذه النواحي اللافتة في مشروعه إنما هي نظرته لنظام لبنان الإنساني-السياسي، وبما يقتضيه من دور جديد للكنيسة ولكلّ سلطة دينية ألا وهي الخدمة الإنسانيَّة.

ما هو المدخل بالنسبة لخضر لهكذا نظرة؟ يبدأ خضر تحليله بمحاولة فهم نشأة النظام الطائفي في لبنان فيقول ان الطائفية مبعثها نفسيّ، وهو "الخوف أو التسلّط". ومن الناحية التاريخيّة، هي وليد سقط للأمبراطوريّة العثمانيّة لما شاءت في القرن الماضي، بظهور الخط الهمايونيّ، أن تنتقل من نظام الحكم الإسلاميّ إلى شيء من العلمانيّة، فلم تراعِ الإسلام التقليديّ، ولم تصل إلى العلمنة، بل إلى هذا المسخ الذي صاره اللبنانيّون: أي الطائفية.

فالإنسانية الإسلامية-كما يسمّيها خضر- كانت تعتبر النصارى واليهود أهل ذمّة، وفي ظلّ هذا النظام تمتّع المسيحيّون بتسامح لم يعرف التاريخ القديم مثيلاً له. هذا النظام، على تَسَامُحِه، هو دون المساواة المطلقة التي تبشّر بها الديمقراطيّة الحديثة، وإذا كان هذا النظام هو الحريّة الممنوحة من الحاكم للمحكوم، فالطائفيّة التي جاءت بديلاً عنه جعلت الطوائف كلّها محكومة بعضها ببعضها الآخر بمركَّب النقص أو مركّب التفوّق، وهي تستدعي معجزة التوفيق بين مصلحة الجزء ومصلحة الكلّ، وباتت المعجزة تعجيزاً سمّرت الحاضر والمستقبل على فكر الماضي. إنّ النظام السياسيّ القائم لا يمتّ لا إلى الإسلام ولا إلى المسيحيّة بصلة، وليس سوى بدعة خلطت الزمنيّات بالروحانيّات، خلطت بين الله وقيصر، بين المدينة والكنيسة، بين الأبدية والتاريخ، بدعة تعطّل الفعاليّة المسيحيّة التي تفترض الحريّة في الانتساب إلى الكنيسة.

 

أسقف يدعو إلى العلمنة!

أما الحلّ للتخلّص من الطائفيّة، من هذه البدعة في الخلط بين الزمنيّات والروحيّات، فهو العَلْمَنَة. ويعتبر خضر أنّ "التردّد لحظة بين الطائفيّة والعَلْمَنَة لشكّ بفاعليّة الروح القدس على تغيير الإنسان والكون. [و]إنْ لم تنادِ الأديان بالعَلْمَنَة فسوف يُنادى بها، آجلاً أم عاجلاً، الذين يتحسّسون بأنّها الإطار الوحيد للكرامة". فالعلمانيّة وحدها تستطيع أن تجعل الحوار بين المسيحيّة والإسلام في لبنان حواراً ممكناً وصادقاً. ويرى خضر أنّ تمسّك الكنيسة بالتعاليم الطوباويّة، من دون تجسيد أيّ منها على الأرض، كخدمة الفقراء مثلاً سوف تدفع بالمؤمنين بالكنيسة إلى شيء من الثورة على رجال الإكليروس، وكذلك الأمر في الإسلام، فإذا ظلّ علماؤه يتحدّثون عن التوفيق بينه وبين العلم الحديث، فإنّه رامٍ نفسه في مآزق لا مخرج منها، إذ يستحيل على الإنسان أن يجمع بين مجال الوحي ومجال المعرفة الإنسانية الوضعية القائمة على شرعيّتها الخاصّة.

 

المسيحية الواحدة المتلاقية مع الإسلام

بعد عرض خضر التحديّات التي تواجه كلاًّ من المسيحيّة والإسلام، يتطرّق إلى العلاقة الممكنة بينهما. فينطلق من التحدّيات التي تواجه المسيحيّة المشرقيّة في لبنان، ويرى أنّه إذا تطهّرت وجدّت، فلا بدّ لها من تدارس قضيّة علاقتها بالعلم والتقنية، ولا بدّ لها إذاً أن تواجه عملياًّ ولاهوتياًّ الحضارة، وأن تكون ملهمة لها. إنّ مسيحيّة لبنان إذا تجذّرت بالتراث الشرقيّ، ستكتشف كونيّتها، وستُقبل على الخليقة التي طوّرتها الصناعة، وستترك مختارة أو مكرهة بعضاً من مؤسّساتها، ولكنّها ستكون ذات حسّ إنجيليّ وطقوسيّ وفْق أصولها، وستكون مهيّأة، بوعيها الجديد، لالتقاء الحضور الإلهيّ خارج حدود المعبد، وسترى امتدادات عبادتها في الفنّ والفكر ودنيا العمل. وعلى قدر ما يساهم مسيحيّو لبنان في هذه النهضة الروحيّة في المسيحيّة على مستوى فكريّ رفيع، يتحرّك الإسلام اللبنانيّ لإثارة المسائل ذاتها على مستوى فكريّ رفيع أيضاً. فبرأي خضر أنّ "ارتفاع البعض يرفع الجميع".

 

إنّ الإنبعاث المسيحيّ سيكون ثمرة جهاد مشترك بين الكنائس كلّها. فعندما تتوحّد المسيحيّة تستطيع أن تقول كلمةً واحدة وبنّاءة للعالم. ويستدرك خضر لينبّه إلى أنّ المسيحيّة الواحدة في لبنان التي يدعو اليها ليست تلك التي تقوم على التكتّل الطائفيّ، ذلك أنَّ التجمعيّة الدينيّة خاطئة كالتفرقة. فالوحدة التي يدعو إليها هي وحدة خدمة، وحدة في الإطار القوميّ، وتعني "شراكة عيسويّة طيّبة في سبيل المسلمين بحيث يكون هدف الكنيسة الرئيسيّ أن تصبح خادمة للجماعات الإسلاميّة. وإذا كان العبد ليس أفضل من سيّده، فالمسيحيّ محظيّ إذا مات هو ليحيا المسلم. فالمسيحيّ تحديداً هو غاسل أرجل. هذا شرفه العظيم"، وبالتالي يجب أن يكون الحوار بين المسيحيّة والإسلام في لبنان "قائماً على الفدية". ويرى خضر أنّ التلاقي الإسلاميّ - المسيحيّ هو تلاقي الناس كلّهم لا لقاء العلماء من الجهتَيْن. فحياة أهل الدنيا هي الحاسمة. لقد صارت كل أجزاء العالم المسيحيّ مدركة أهميّة عامّة الناس في الكنيسة. إنّ العلمانيّين اليوم هم عنصر التحدّي الخلاّق. فأهل الدنيا هم الذين يطرحون على اللاهوتيّين المسائل، من طقوس وتربية وتنشئة علميّة ونضال سياسيّ وأمور العائلة والجنس، ولا يستطيع هؤلاء إلاّ أن يجيبوا عنها بصورة مقنعة. 

 

الدولة العلمانية مكان اللقاء المسيحي - الإسلامي

إن هذا الشعب القائم بالمسؤوليّة التاريخيّة الخطيرة هذه لا بدّ له في إصغائه إلى الدنيا من أن يلقى فيه المسلمين. وبرأي خضر أنّ "المجال الاجتماعيّ هو مكان اللقاء الأمثل بين الملَّتَيْن. وهذا يعني أنّ الدولة هي إحدى الأدوات الهامّة لهذا التلاقي. وهذا يعيدنا من جديد إلى الدولة العلمانيّة، البنية السياسيّة الوحيدة التي يتمّ فيها اللقاء بلا لبس ولا إبهام. مشكلة الدولة عندنا موضوعة، لا على صعيد تنظيم وحسب، بل على صعيد روحيّ". إن هذه الرؤية بحسب خضر بحاجة إلى مَنْ يؤمن بها، إلى رجاء. فالمواقف التي يجب اتّخاذها إزاء تحدّي حياة الإنسان الروحية تفرض ألواناً من التربية. وهذه التربية تكون على صعيد البيئة العائليّة في الأساس، فالمعبد والمدرسة ومعاهد التعليم العالي.

لقد طرح جورج خضر مسألة الطائفيّة من باب التحدّي الروحيّ لكلّ من المسيحيّة والإسلام، بالرغم من أنّه يعطي المبادرة للمسيحيّة. فهي في مواجهتها للحضارة، عليها أن تجد أجوبة للمسائل التي يرفعها إليها عامّة الناس، هؤلاء الذين يواجهون على الأرض القضايا اليوميّة، وفي هذه المواجهة لا بدّ للمسيحيّ اللبنانيّ العلمانيّ من أن يلتقي المسلم اللبنانيّ، ذلك أنّ المشاكل والقضايا التي يواجهانها هي واحدة. من هنا نجدهما يشتركان في الهموم الماديّة، وبالتالي يتشاركان في مواجهة هذه الهموم. فيكون المجال الاجتماعيّ هو مكان الالتقاء الأمثل بين المسيحيّة والإسلام، والدولة هي إحدى أهمّ الأدوات لهذا التلاقي. من هنا يجب أن تكون الدولة في لبنان علمانيّة، ذلك أنّ العلمانيّة هي البنية السياسيّة الوحيدة التي يتمّ فيها اللقاء بلا لبس ولا إبهام.

إذًا، هكذا قالها خضر: دولة علمانية، تشكل أرضية مشتركة حيث يتفاعل كل اللبنانيون بشكل عابر للطوائف في خدمة الإنسان. مقابل هذه الدولة سلطة دينية تكون غاسلة أرجل، تكون خادمة للإنسان، مطهّرة من أي لوثة.

 

كم نحن اليوم بحاجة لجورج خضر ولفكره، حيث الاولويَّة هي للإنسان؛ إنسان تكون في خدمته في آن سلطة سياسية علمانية، وسلطة دينية منزّهة عن أي سياسة.

  • أستاذ جامعي متخصص في التاريخ وكاتب في "اليوم الثالث".