بمناسبة صدور كتابه حول "الدين والعالم في موضع السؤال" (Religion et monde arabe en question) عن دار لارمتان الفرنسيَّة، عقدت ندوة حواريَّة في مركز رسالة حياة في دير سيّدة العناية في أدما، ادارها الدكتور أنطوان فليفل، وكان للأساتذة باسكال لحّود وإيلي نجم ومشير عون مناقشاتهم القيمة.

       

الفصل بين "المعرفة" و"الإيمان"

إنطلق الأستاذ نجم من قانون الإيمان المسيحي، وبشكل خاص من عبارة "ما يُرى وما لا يُرى" ليدخلنا في فكر بولس الخوري. "ما يُرى" (Le visible) هو موضوع المعرفة العقلانية والعلمية. هذا المجال هو أقل ذاتية من سواه، وهو يصلح لأن يكون موضوع دراسة، من هنا تعبير "الموضوعية". أما الـ"ما لا يُرى" (L’invisible)، فهو مجال الاعتقاد بشكل عام، ومجال الدين بشكل خاص. هنا يفرّق بولس الخوري، كما يشرح إيلي نجم، بين "المعرفة" (savoir) و"الإيمان" (Croire).

فما لا أراه لا يمكن لي أن اعرفه. وبالتالي هو يدخل في دائرة الاعتقاد أو دائرة الإيمان. إن هذا الفصل بين "المعرفة" و"الإيمان" يترتّب عليه نتائج مهمّة من مثل أنه بوسعنا أن نعرف ما نرى، ولكن ليس بوسعنا أن نعرف ما لا نراه، هنا يدخل الإيمان بكل أبعاده (الرأي، الظن، الاعتقاد). هنا يذكرنا نجم بعبارة يسوع عندما توجّه لتوما في إنجيل ما بعد "القيامة": "طوبى للذين يؤمنون ولم يروا". وعليه، يكرّس بولس الخوري المعادلة التالية: يجب أن يفترق الإيمان عن حدود المعرفة. فلكلّ منهم مجاله الذي لا يتداخل مع الآخر.

 

الحوار الإسلامي - المسيحي وحريَّة الضمير

يتناول الأستاذ نجم محورًا آخرًا من محاور بولس الخوري الفكرية: الحوار الإسلامي المسيحي. يبدأ نجم عرضه بإعادة كلمة حوار إلى جذرها: إنه "حار". وبالتالي من يحاور هو ذلك الذي يكون في حيرة. وعليه الحوار هو موقف انفتاح على الآخر ومحاولة تجاوز الحيرة الذاتية من خلال التبادل الفكري مع الآخر. هل هذا فعلًا ما يحصل في الحوار الإسلامي-المسيحي؟ بحسب شرح نجم، فإن بولس الخوري لا يرى في هذا الحوار إلا حالة مراوحة، حيث يقوم كل من الطرفين، ليس بالحوار مع الآخر، بل بعرض عقيدته وثوابته دون ان يكون لديه أي استعداد للانفتاح على الآخر وعلى أفكاره. وبالتالي الحوار الإسلامي-المسيحي بحالته الحالية ليس إلا كناية عن استعراض متبادل، وهذا ما يفرّغ الحوار من كلّ معنى. هنا يأتي تساؤل بولس الخوري: كيف نؤسّس الحوار تأسيسًا فلسفيًّا؟ أمَّا أولى الإجابات عن هذا السؤال فهو التالي: إن الإيمان لا يُفرض. الإيمان خيار. وإنْ لم يكن الإيمان خيارًا، يتساءل بولس الخوري، فما هي قيمته الحقيقيّة؟ هنا تأتي أهميَّة حريَّة الضمير (Liberté de conscience). وعليه، الإيمان هو قرار حرٌّ، الأمر الذي يتناقض تمامًا مع مفهوم الفطرة. الإيمان ليس، عند بولس الخوري، فطريًّا. فإن كان الإيمان فطريًّا، لماذا هناك "الإلحاد" إذًا. بالنسبة لبولس الخوري: الفطرة هي الرغبة بالمطلق، أمَّا الإيمان فهو "فعل ثقافي وحضاري وهو بالتالي هو ليس من الفطرة".

 

الله وسرّ الكون والمعنى العميق للوجود الإنساني

يشرح البروفيسور مشير عون، في مداخلته حول فكر بولس الخوري، فكرة الدين وتحولاته. بداية، يضع عون طريقة تفكير بولس الخوري ضمن إطارها الفلسفي: كيف يفكّر بولس الخوري؟ هو يفكّر وفق المنحى الفينومينولوجي، أي أنه يتحرّى عن الظاهرة (Le Phénomène) معتمدًا أنطولوجيا الفيلسوف الألماني هايدغر في مساءلة الوجود في أقسى معانيه وليس فقط مساءلة الأشياء.

بحسب مشير عون، يبدو بولس الخوري "شكّي" وليس "لاأدري". بعبارة أخرى، يبدو الخوري مقتنعًا أنه على الإنسان أن يكون "مستعدًا للتخلّي عن الضمانات [اليقينيَّة] التي تطمئن عقله". وهذا التخلّي سيوصلنا مع الخوري إلى حالة "الخيبة"؛ خيبة عدم التطابق بين "الواقع" و"المعنى"؛ خيبة الإدراك بأن "المطلق" غير موجود. إذ ليس هناك إلَّا السعي للمطلق فحسب. وهذا السعي للمطلق يستدعي بدوره "النقد".

يستعرض مشير عون ثلاثة محاور في فكر بولس الخوري: الفلسفة، الدين، التوفيق بين التراث والحداثة. ثم يشرح عون الإطار التاريخي الذي طوّر فيه الخوري هذا الفكر. بداية، إنه المجمع الفاتيكاني الثاني الذي خلق دينامية فكريَّة عظيمة في الكنيسة الكاثوليكية. ثم هناك المرحلة التي انتقل فيها بولس الخوري من الإكليروسية إلى الحياة العلمانية الكاملة. ورغم هذا الانتقال كان بولس الخوري لا يزال يُدعى للمحاضرة والوعظ في الكنائس. كان ذلك قبل اندلاع الحروب في لبنان. أما بعد العام 1975 انتفى الحوار، وصار بولس الخوري يخاطب من ناحية الغرب الغرب ومن ناحية ثانية العلمانيين والحركات الثقافية في لبنان. في هذه المرحلة بالذات تحرّر بولس الخوري من اللغة الكنسية باتجاه لغة فلسفية نقدية. ليضيف عون عن الحالة الراهنة المنغلقة التي تسيطر على الفكر الكنسي المسيحي.

حين يتناول الخوري موضوع الله فهو يقارب المطلق. هذا المطلق الذي هو أقسى ما يمكن أن ينشغل به الإنسان. المطلق موجود في الإنسان. أما الله فهو بالنسبة لبولس الخوري "معنى" وليس كائنًا موجودًا خارج الكون وخارج الإنسان. بعبارة أخرى، إن المطلق ملتصق بكينونة الإنسان، والله ليس خارجًا عنه: الله هو هذه الطاقة الناشطة في قلب العالم الإنساني والتي تدفع بهذا العالم دومًا إلى أن يتجاوز ذاته بشكل مضطرد. بهذا المعنى يصبح الله "سرّ الكون".

ضمن هذه الرؤية يسائل بولس الخوري فكرة الوحي: إذا كنَّا ننزّه الله فكيف نقول بأنّ هذا هو كتاب الله وهذا هو نبيّ الله؟ فعندما نقول أن هذا الشيء من الله، فإننا، بحسب بولس الخوري، نقوم بتحديده. وعليه يصبح الله شيئًا محدودًا. مخالفًا هذه الخلاصة، يعيد الخوري التأكيد على تصوّره لله: الله هو المعنى العميق للوجود الإنسان.

 

العلمانية أو الدهرنة كسبيل لإنقاذ الإيمان من الإلحاد

يفنّد بولس الخوري، بحسب عون، أشكال الإلحاد ويراها في أصناف أربعة: الإلحاد في التصورات، الإلحاد في الشعائر والطقوس، الإلحاد في أخلاقياتنا، والإلحاد في تقديس المؤسسات الكنسية.

الإلحاد في تصوّراتنا إنّما يتمثّل في إعطائنا القيمة للحرف وليس للروح. من نتائجه الإغلاق على الله في ضمة من المعارف والممارسات تكسب الإنسان الخلاص. أمّا الإلحاد في الشعائر والطقوس فيتمثّل في أنْ يُسحر الإنسان في طقوس يعتقد أنه من خلالها يمكنه استحضار الله. الإلحاد الأخلاقي من ناحيته يتجسّد في غرق الإنسان في الحرف واعتماد الهوس الفرّيسي في تطبيق الشريعة الاخلاقية الدينية.

أمَّا الشكل الأخير من هذا الإلحاد فهو تحويل المؤسسات الدينيَّة إلى مطلقات ومقدّسات غير قابلة للنقد ولأن تكون موضع تساؤل، فيصبح الإنسان في خدمتها وعبدًا لها. أما السبيل الأدهى للخروج من هذه الحالة الإلحادية إنما تكون، بحسب الخوري، بالدهرنة او بالعلمانية (Sécularisation)، وبالتالي بإعادة الإيمان إلى أصله، إلى نطاقه الرمزي. فالدهرنة (او العلمنة) يمكن لها أن تنقي الطقوس الدينية من سحريّتها، وتساعد الكنيسة للعودة إلى بشريّتها، أي العودة إلى التاريخ. بهذا، تبدو الدهرنة عند بولس الخوري "نداءً روحيًّا مناسبًا لكي تتوب الكنيسة". بتعبير آخر، إن الدهرنة ليست فقط حاجة زمنيَّة تقضي بالتمييز بين السلطة الدينية والسلطة السياسية، بل باتت بالنسبة لبولس الخوري، حاجةً للكنيسة، وبالنتيجة لكلّ سلطة روحية (أكانت مسيحية أم إسلامية)، لتعود إلى التاريخ حيث هناك الإنسان وحيث في داخل هذا الإنسان الله المطلق. دهرنة يكون الإنسان محورها، والعقل حاكمها بالتناغم مع إيمان حرّ مختار. عقل يرشدنا إلى الـ"ما يُرى"، وضمير إيماني يسمح لنا بالبحث عن الـ"الما لا يُرى". 

الدكتورة باسكال لحوّد تطرّقت إلى بعد آخر في فكر الخوري والمتمثّل بـ"الإقرار بأهميَّة العلم". فلا نهضة بالنسبة لخوري إلا من خلال العلم الذي هو لبنتها الأولى.

 لا بل نرى لحوّد وهي تشرح كيف ربط الخوري النهضة بالإصلاح الذي لن يتحقّق إلا من خلال العلمانية. هنا يدخل بولس الخوري بنفسه مناقشًا ومضيفًا: "نحن لم نكتسب حتى اليوم هذه الدرجة من العقلانية التي تسمح لنا بالخروج من حالة التخلّف". قد يكون الخوري في هذه الجملة قد عبّر ليس فقط عن جوهر فكره الإصلاحي العلماني بل عن حقيقة الواقع، ليس فقط اللبناني، بل العربي أيضًا. أيّ نهضة، وأيّ إصلاح لهما مرتبطان بالإقرار اولًا بضعف عقلانيّتنا (كعرب)، والعمل من ثم على الاستحصال على هذه الدرجة من العقلانية التي تسمح لنا بالبحث علميًّا عن حلول للخروج من حالة التخلّف هذه. هذه العقلانية مدخلها العلمانية. من هنا صرخة بولس الخوري الأخيرة بوجه من يحاولون التحايل على العلمانية بكلمة "الدولة المدنية": "إن المجتمع هو الذي يكون مدنيًّا، اما الدولة فتكون علمانية" (Société civile et Etat laïque).

  • أستاذ جامعي متخصص في التاريخ وكاتب في "اليوم الثالث"