يجمع كل من عرف الندوة اللبنانية ومؤسسها ميشال أسمر على الدور الكبير الذي لعبته هذه المؤسسة الثقافية والفكرية في بلورة فكرة لبنان وتثبيت هويته وتمكين علاقاته بالمحيط العربي-المشرقي من ناحية ومحيطه المتوسطي، بما يعنيه من بعد فلسفي إنساني عالمي من جهة ثانية. وكانت مغامرة الندوة اللبنانية قد بدأت في العام 1946 ولم تنته إلا في اواسط ثمانيات القرن الماضي عند وفاة مؤسِّسها ميشال أسمر.

 

تأثيرات هزيمة 1967

كانت الفكرة المشرقية غالبًا ما تعود إلى ادبيات الندوة اللبنانية وميشال أسمر حين كان يواجه لبنان مع محيطه المشرقي تحدّيات وجودية. قد تكون هزيمة العام 1967 إحدى اخطر هذه التحدّيات والتي لم يجد ميشال أسمر وندوته سبيلًا لمواجهته إلا الفكرة المشرقية والتضامن مع المحيط العربي. لهذا نّظم ميشال أسمر عشية هذه الهزيمة سلسلة محاضرات بعنوان "في صميم محنة العام 1967" حيث طرح هو الفكرة المشرقية كسبيل لموجهة الخطر الإسرائيلي والخروج من حالة الهزيمة. يقول الأسمر: "نحن في صميم محنة نزلت بنا جميعاً في العام 1967 ولم يسبق أن عرفنا لها مثيلاتها لا في الماضي القريب ولا في التاريخ البعيد". لقد وعى الأسمر كيف أن ما قبل هذه الهزيمة لن يكون كبعدها. وها نحن بعد حوالي النصف قرن على هذا الحدث المحنة لا زال لبنان والمشرق العربي يعانيان من تداعياته. أدرك الأسمر سريعًا ان تحدّيًا من هذا الوزن لا يمكن أن يواجه إلا ضمن الإطار المشرقي، والتضامن العربي. يقول: "كلنا مسؤولون عن المحنة".

 

يتكلم هنا الأسمر، وهو اللبناني الأصيل، بصفته المشرقية العربية ليدين كيف تقوم إسرائيل مدعومة من بعض القوى العالمية بإذلال وتشريد وتعذيب العرب، هذا الإذلال الذي تجسّد بكل وضوح في حرب الخامس من حزيران 1967. هذه المحنة ليست مقتصرة على العرب:

فـ"لبنان، فحسب الأسمر، في قلبها وصميمها دون جدال". وعليه، إذا كان لبنان جزءًا لا يتجزّأ من هذا المشرق فهو تقع عليه مسؤولية التحرّك: "ماذا يجدر بنا ان نقول، وماذا يتوجّب علينا أن نفعل؟" هنا، تصبح هذه المسألة المشرقية عند الأسمر مسألة حياة او موت: "إمَّا أن نكون أو لا نكون". أما جواب الأسمر فيبدو هنا قاطعًا: "نحن مصممون على ان نكون. إن لبنان على المحك اليوم. لبنان كله على المحك: لبنان في جغرافيته وتاريخه، لبنان في حكامه وشعبه، لبنان في أبنائه المقيمين و شطره المغترب، لبنان في جميع مؤسساته القديمة والحديثة، لبنان في رجاله ونسائه، لبنان في أعمدته المادية وثرواته الروحية، لبنان في شيبه وشبانه، لبنان في ما يتصور لنفسه أن يكون اليوم وغداً، لبنان في رقعة أرضه الحالية وفي أبعاد طموحه، كل هذا اللبنان على المحك. ولقد عقد النية على أن يكون في مستوى المحنة فيجابه التحدي بايمان وعلم وفكر، وبهمة لا تعرف التقاعس وبوحدة لا يعتورها خلل. [...] ما من أحد يغسل يديه من المحنة التي حلت بنا فكلنا، أجل كلنا، كنا عنها لاهين. [علينا] ان نطوي من سفر حياتنا صفحة الانغلاق والجمود والانفعال والتعقد واللهو والزهو والبطر والبدائية والصمود والصفاء والجد والفرح والجهد والتطور والمبادرة والمصارحة، صفحة نخطها بجمال الحس وعمق التفكير وشمول العلم وقوة الروح فتضعنا كلنا في ركب الأمم التي تكتب لها الحياة. هذه المحنة العربية نحن منها في الصميم وأن كل ما يمت اليها بصلة مرتبط بلبنان والجارات العربيات ارتباطاً تتساوى فيه المسؤوليات تساوياً نسبياً تاماً عند جميع الفرقاء وفي جميع الحقول. وهذا يعني ان صوت لبنان واحد من الأصوات في المجموعة العربية ولا يمكنه ان يكون ناشزاً في سمفونيتها ولا ينبغي له أن يغيب عن مسرحها. ان العودة الى تاريخ القضية العربية تعطي البرهان القاطع أن الحضور اللبناني في هذه القضية كان مستمراً دائماً".

 

الدور اللبناني الطليعي ضمن المشرقية

بعبارة أخرى، المشرقية عند ميشال أسمر هي أولًا التضامن مع المحيط العربي في مواجهة كل ما يمكن ان يذلّه ويشرّد اهاليه. غير أن دور لبنان هي أكبر بكثير من هذا. إنه دور طليعي في التسبّب بالنهضة والسير بها وتطويرها. ولبنان، عند أسمر، كان دومًا في طليعة هذه النهضة. فهو من أيقظها من سباتها عهد الحكم العثماني. وهو الذي أعاد الحياة الى اللغة العربية تدريساً وإحياء تراث وتأليفاً ونشراً. ولبنان هو الذي أيقظ الشعور بالحس العربي الصحيح، وأشاع العروبة المشرقية في القلوب والعقول، ثم دعا الى النضال في سبيلها بوجه الحركة الطورانية التركية العنيفة. ولبنان هو الذي أوجد المطابع للحرف العربي، وأطلق الصحافة للأقلام العربية في ربوعه، وأنشأ الصحف والمجلات خارج حدوده. وفي لبنان تمّ العمل على تأليف الجمعيات والأندية وتنظيم الحركات لجمع الشمل والتكاتف على بلورة الشعور القومي وتنقيته من التعصب والطفيليات. وفي لبنان رسُمت الخطة العربية الشاملة قبيل الحرب الكونية الأولى للإنفصال عن الرجل المريض ودعم استقلال المناطق العربية. الاهمّ من هذا ان لبنان كان أول بلد مشرقي عربي استقل عام 1943، ثم أسهم في إنشاء جامعة الدول العربية وفي وضع ميثاقها.

بهذا يصبح الحضور اللبناني في مسائل المشرق العربي حضورًا مرتبطًا بأن نكون او لا نكون. حضور لبنان ليس فقط بالتضامن، بل بالدور النهضوي الثقافي والفكري الريادي، وبالدور التنسيقي بين العرب أنفسهم. ذلك أن كل خلاف عربي مشرقي سينعكس سلبًا على لبنان واللبنانيين: "كل خلاف بين العرب في العقيدة او المنهج، يقول الأسمر، يولد بلبلة في الصوت اللبناني فيتجمد حائراً وتبطل فعاليته الايجابية المنقذة".

أمَّا الدور الاهم الذي يمكن للبنان أن يلعبه في خدمة القضية المشرقية العربية، فهي ان يكون سفيرًا له في المحافل الدولية السياسية والفكرية. فمن يمكنه أن يلعب دور المصالحة واللقاء بين الشرق والغرب، بين العرب وأوروبا وأميركا أفضل من لبنان الذي هو ملتقى كل هذه الحضارات والثقافات واللغات والذي من خلال انتشاره يستطيع عمليًّا ان يتواجد أينما كان في هذا العالم.

 

لبنان سفير المشرقية في العالم

كم نحن بحاجة لهكذا رؤية مشرقية، رؤية تضع لبنان وسط محيطه لاعبًا فاعلًا ورياديًّا في قضاياه، وعاملًا مفجّرًا للنهضة وللثورة الفكرية والثقافية والحضارية، عاملًا مهدّئًا للتشجنات العربية-العربية، وسفيرًا للمشرقية-العربية في العالم أجمع. الاهمّ أن يتمّ وضع هذه الرؤية موضع التطبيق من خلال برامج سياسية، في حال تمّ تطبيقها بصدق، يمكن لها خلال جيل أو جيلين من إحداث فارق حضاري كبير ليس فقط في رسالة لبنان المشرقية الحضارية بل أيضًا في مستقبل العرب والمنطقة.

  • أستاذ جامعي متخصص في التاريخ وكاتب في "اليوم الثالث"