"المسيح سيّد التّاريخ" عبارة عن ثماني محاضرات للأب ميشال الحايك أُلقِيت ما بين سنتي 1968 و1985 في زمن الصّوم المبارك. وقد قامت جامعة الرّوح القدس مشكورة بطباعتها من ضمن رسالتها المسيحيّة الهادفة إلى نشر فكر كبيرٍ من ملافنة الكنيسة المشرقيّة، تلك الّتي أرادها الأب حايك "واحدة، جامعة، مقدسّة، رسوليّة".

 

معالم ثورة المسيح

لا نعرف عن حياة السّيّد المسيح الأرضيّة إلّا عشرَها، إذ أنّ فترة ما بينَ ميلاده وصلبه ما زالت مجهولة بالكامل. تبقى لنا السّنوات المحوريّة الثّلاثة الّتي قضاها في التّبشير، وهي لا شكّ كانت كافية لإشغال الكتّاب واللّاهوتيين والفلاسفة على مدى ألفي عامًا في تحليل وتوصيف وتبجيل رسالة ابن الله المؤنسن وقد أتى الأب ميشال الحايك ليختصرَها بعبارة واحدة: المحبّة.

محوريّة مجموعة العظات هذه هي تطويرٌ لرسالة مار بولسَ الشهيرة عن المحبّة، وشرح مستفيض لأوجهها العديدة ثمّ ربطِها بأهداف ثورة المسيح الشّاملة الّتي تختلف بالشّكل والجوهر عن كلّ ما سبقها وما سيلحقها من ثورات. لقد نقل السّيّد المسيح الثّورة من ساحات القتال إلى ساحة الحقّ والمحبّة. ولعلّ أجمل ما قاله في توصيفها هو" إنّ المسيح في ثورته لم يهرق نقطة دمٍ واحدة إلّا مِن دمه".

لم يغيّر المسيح فقط مفاهيم الحياة الأرضيّة ومرتكزاتها إنّما قد غيّر مفهوم الله وعلاقتَه بالبشر. لقد أمات يسوع فكرة الله القديم الّذي كان يشبه إلهَ القوّة المخيف عند الوثنيّين، إلهَ الغضب والسّطوة، إلهَ العقاب والإنتقام الّذي ترتعد فرائصنا أمامه، واستبدله بإله المغفرة والمحبّة، الرّبّ المُحيي لكلّ البشز. لقد أرشدنا المسيح الى أبيه الحقيقيّ لا إلى إله الأصنام لاغِيًا بذلك قِيَم وتعاليم النّاموس القديم. إلهُ المسيح ليس إلهَ نظريّة الجبريّة الّتي تجعله يسيّر أمورنا إنّما هو الله الّذي أعطانا الخيار المُطلق المرتبط بالعقل الّذي يقود خُطانا. إنّ الخيار المطلق لامحدود ويسمح لنا القيام بإنتفاضة على كلّ شيء حتّى على الله نفسه. الخيار أيّ الحريّة بذاتها يمكنها إيصالَنا إلى رتبة القداسة والله الجديد أي يسوع المسيح حاضر دائمًا في سعينا لكي نكون على صورته بالحقّ والمحبّة لا لنلتجئ إليه موسَميًّا لإنجاح مصالحنا أو لنطلب منه استعمال قوّته لينصرنا على إخوتنا بالإنسانيّة.

إنّ جوهر الإنتقال إلى حال المسيح هو قبول الإنقلاب على الموازين المعروفة في شريعة الأرض من آدم إلى يومنا هذا. فالمسيح الّذي نقدّس لم يكن بطلاً على مقياس البشريّة، فهو لم يكن قويًّا بجيشه ولا بزنده، كما لم يكن فيلسوفًا يشرح الفكر، ولا رجلَ عِلْم يستنبط الحلول الفيزيائيّة أو الطّبيّة. المسيح إنسان مثلنا يشبهنا في كلّ شيء إلّا في الخطيئة. هو البشريّ الّذي جاع وعطش فشحذ الماء على الصّليب ليُعطى خلاً، هو الّذي بكى وتألّم وخاف من الموت ومات ونزل القبر ليقوم مجدّدًا كما يَجعلُنا بعد موتنا نقوم لنحيا عن يمينه.

 

شريكنا في الإنسانية

لقد طوّر الأب حايك فكرة بدء البشرية مع آدم ثمّ تحوّلَها مع المسيح.

لقد أنزلت الخطيئة الأولى الإنسان إلى صورته الأرضيّة الّتي عاش فيها قديمًا ولا زال الكثير منّا للأسف يعيشون فيها وبها. أمّا بعد الحضور الأوّل وما قبل الأخير للمسيح، فقد انتقل الإنسان من الحالة الماديّة والدّنيويّة إلى حالة الرّوح. المسيح إذا هو آدمُ الثّاني إذ أنّ البشر يولدون بيولوجيًّا على صورة آدم ليعودوا فيولدون من جديد على صورة المسيح مع سرّ العماد الّذي يغيّر مفهوم روابط اللّحم والدّم لترتقي إلى مراتب الرّوح الأسمى فيصبح الإنسان أخًا لكلّ إنسان وتزول الأعراق والألوان والبلدان. مع المسيح تضمحلّ نظريّة الشّعوب المختارة، مع المسيح لا تصحّ مقولة "خير أمّة أُنزلت للنّاس". مع المسيح أصبح البشر على صورة الله بوساطة الرّوح المُحيي الّذي لا يموت.

تقول الصّلاة :" ياسيدي مزجت لاهوتك بناسوتنا وناسوتنا بلاهوتك". إنّ جوهر إمتزاج لاهوت المسيح بناسوتنا يجعله شريكًا بإنسانيّتنا وشريكًا لنا في مآسينا فلا يعذّب ولا يشقى أيّ إنسان إلّا والمسيح مشارك له في عذاباته ولا يموت أيّ بشريّ وحيدًا لأنّه بين أحضان ومعيّة وحضور المسيح يموت.

 

إنّ المسيحيّ الحقيقيّ هو الّذي قَبِل أنْ يعيش على صورة المسيح الّتي تحتّم عليه أن يترك كلّ شيء ويتبعه فيبيع أملاك أبيه ويهبُها للمساكين. المسيحيّ الحقيقيّ هو من يترك أفراح وأمجاد الأرض لكي يسير في أثَر فرح حقيقيّ غيرَ متّكئ إلّا على عواميد إيمانٍ بشّر به فقير معدم وُلِد في مزود ومات تحت ضربات السّياط ونزف من آثار جروح الرّماح معلّقًا على خشبة كانت ترمز قديمًا إلى الذلّ والعار فحوّلها بإرتضاء الهوان على شخصه وقبول الحكم الجائر على نفسه، إلى أبهى رموز الضياء: إلى رمزِ الحياةِ الجديدةِ.

أمّا كتاباته عن المحبّة، فتَكْملة لرسالة مار بولس الشّهيرة مع إضافةٍ عليها. يبدّي بولس الرسول المحبّة على الإيمان والرّجاء إذ يقول إنّ المحبّةَ أعظمُ من الإيمان الّذي يزحزح الجبال، وهي تتفوّق على العلم المطلق وعلى النبوءات كلّها. أمّا في محاضرة "أحِبّوا بعضكم بعضًا"، فيزيد الأب حايك على كلام بولس الرّسول ليقول إنّ فعل المحبّة أعظمُ من التّغلُّب على الموت، تلك الغلبة الّتي لم تعطَ إلّا للمسيح نفسه.

يقول: "المحبّة ليست من فضائل الكنيسة والمسيحيّين إنّما هي الفضيلة كلّها، وما سائر الفضائل إلا وصيفاتٍ لها". المسيح النّازل إلى الأرض هو تجسيد المحبّة عند الله، المسيح هو فعل المحبّة لا قولها. المحبّة ليست من صفات الصّدّيقين ولا من أسماء الله الحسنى. المحبّة هي الله كما أنّ الله هو المحبّة بذاتها لأنّها خلاصة رسالته إلى العالم.

 

ميشال حايك والكنيسة

ويبقى أنّ تكملة رسالة المسيح هي الكنيسة، أقلّه لأنّ عمودها الفقريّ ودستورها أساسهما المحبّة. أوليست هي المؤسّسة الوحيدة الّتي لا ترفع إلّا شعارَ المحبّة ولا تنادي إلّا بها. هنا يبتعد الأب حايك عن جَلْد الذّات وتهشيم الصّورة البهيّة للكنيسة، ويخالف بعضًا مِن مسيحيّي جيلنا الّذين يفتّشون عن الزّوءانة في تلّة القمح فيسمّرون عيونهم على مجرّب واحد من بينِ ألف مكرّم. يكفي الكنيسةَ أن ترفع شعار المحبّة وتنادي به على أجراس كنائسها حتى لا يكون لها شبيه. حتّى وإن هي أخطأت وشذّت فعلاً عن تعاليم يسوع، إلّا أنّ ما صَلَّب تعاليمها إلّا تعاليم المحبّة، وما تبشير كهنتها إلّا ومرتبط أبدًا بالمحبّة. الكنيسة لا تمجّد لا المفكرين ولا الفلاسفة ولا الزيران أو القادة والفاتحين، هي لا ترفع القرابين على مذابحها إلّا تكريمًا للّذين افترشوا واعتمروا والتحفوا وانتقلوا بالمحبّة.

كما أنّه يلخّص  مهام الكنيسة بالتّالي: " إنّها مشروع محاولة تقريبيّة لكي يعيش أهل الأرض بأخلاق السّماء". الكنيسة إذًا هي السّكّة والرّابط الّذي سوف ينقلها وينقلنا من اورشليم الأرضيّة الى اورشليم السّماويّة.

 

صليب الشرق المسيحي

وكعادته يعرّج على الشّرق الّذي يمثّل أصل المسيحية ومسقط رأسها ومنزلها وساحة منازلاتها المستمرّة. الشّرق مقدّس كونه البداية والعودة إليه حتميّة في النّهاية. ألَم يقُلِ الآباءَ القدماء بأنّ " الفردوس الأرضيّ كان في الشّرق مع آدم الّذي أُخرِج عُنوة من الباب الغربيّ ليعود مع آدم الجديد أيّ المسيح فيزهر في الشّرق ومنه؟ "... من الشّرق انطلقت المسيحيّة فأنارت العالم. المبشّرون الحُفاة العراة ذهبوا من هنا فقطعوا البحار وقاسوا قيظ الصّحاري لكي تصل المسيحيّة إلى كلّ الأرض. على رقابهم هم أعملت السّيوف وعلى جلودهم قطعت السّياط وهم يسيرون في اتّجاه قبلة الملكوت ورجاؤهم الأسمى أن يكونوا على صورة معلّمهم الفادي، أن يكونوا شهودًا على تحقيق نبوءته لهم بأنّهم سيعيَّرون ويضطَهَدون لأجل اسمه. باسمه يصلبون ويجوعون كلّ يوم في سهول نينوى وعلى تخوم انطاكيا وفي ماردين ومعلولا وفي القدسين وفي قطاع غزة، كلّ هذا وهم لا يشتكون لأنّهم يشتهون حياة المسيح، نسيبُ الدّم... والقدوة والمثال.

وهل من مسيحيّ ما زال يُصلَب جسديًّا وروحيًّا إلّا في شرقنا هذا؟ وهل تُحرَق أو تُفجَّر المعابد إلّا في شرقنا؟

مع كلّ هذا الشقاء يَعتبر الأب حايك أنّ العزائم تأتي على قدر أهل العزم، لذلك يحمّل الشّرق المجرّح أحمال الغرب المغترب عن المسيح، حقيقة الشرق هو أنّه هو الّذي يموت فيما الغرب يكتفي بمساعدته على دفن موتاه، هذا إن عَدَل.مسيحيو المشرق الّذين بقَوْا مازالوا على نمط الحياة هذا منذ تمَّ تسميتهم كذلك في انطاكيا في الجيل الأوّل مناقضين حظّ إخوتهم الغربيّين الّذين حالفتهم وعود الزمان فعاشوا ترف الأمبراطوريات المسيحيّة.

 

واجبات المسيحيين المشرقيين

كذلك يُلقي على منكبَي المسيحيّة المشرقيّة أَحمالَ الرّسالة كلّها وعَوَض أن يُعذرَ تلكُؤها ربطًا بالتّاريخ الأليم وبالجغرافيا والجوار القاسي والقاني، يطلب منها مجهودًا أكبر، وكأنّها وحدها من يختصر تسمية الكنيسة المجاهدة... دعوتُه هي للتّقيّد برسالة إنجيلنا والإنفتاح على كلّ العالم ورذل التّقوقع والإنعزال. فالمحافظون يمكنهم أن يَجْنحوا صوب سلفيّة معيّنة تصير رجعيّةً فتوقف تقدّم الحياة وتبقيهم متباكين على أطلالها.

بالملخّص، هو يطالبهم بأن يُبقوا جبالهم منارات تجذب العالم من بحار الرّمل والملح. يشدّ على أيديهم لكي تكون بلدانهم مفتوحة لجميع الأرض كونهم تميّزوا ففطروا في جوار مهد إبن الله. باسم المسيحيّة فليتكلّموا بجميع لغات الأرض، هم أبناء العهود القديمة العبرانيّة والسريانيّة واليونانيّة الّتي اجتمعت في لغات كنائسنا وصلوات نسّاكنا من المحيط إلى الخليج.

 

أختم كلامي بوصيّة الأب ميشال الحايك لأبناء جيلنا المسيحيّ المشرقيّ. يقول: "عبثًا نبحث عن رسالة في أسلوب غيرِ أسلوب الإنجيل. رسالتنا هذه لأجلِها كنّا بالأمس، وإذ لم نرعاها حقّ رعايتها، عوقبنا على إهمالها، ولأجلها نحن اليوم باقون وهي السّبب الوحيد لإستمرارنا."

  • ناجي حايك طبيب وناشط سياسي ألقى هذه الكلمة في ندوة حول كتاب المونسنيور ميشال حايك "المسيح سيد التاريخ"، في ندوة على هامش أنشطة معرض الكتاب الذي تنظمه الحركة الثقافية في أنطلياس.