هل فشل مشروع دولة لبنان؟ كم مرّة طُرح هذا السؤال وكم تفاوتت الإجابات عليه. منهم من قال باستحالة التجربة. ومنهم من قال أن لبنان ليس مشروعًا فاشلًا بل يستحق المحاولة. آخرون قالوا بأنّ لبنان الدولة والوطن والشعب لم يتحقق بعد، لكنّه في طور التحقّق.

 

الصراع بين الوجدان والوجود التاريخي

المطران حميد موراني أحد هؤلاء المفكرين المسيحيين الكبار الذين قالوا بتشكل الهوية التاريخية للبنان. قد تكون أهم أفكاره حول هذا الموضوع قد وردت في كتابه الصادر العام 1998 عن دار النهار بعنوان في هوية لبنان التاريخية.

تميّز المطراني موراني بالمنهجية التي اتبعها في تحليل تكوّن لبنان التاريخي، إذ نراه يحلّل هذا التكوّن، من جهة، بخلفية لاهوتية، ومن جهة أخرى، بخلفية فلسفية هيغلية.

المشكلة اللبنانية بالنسبة لموراني تتجسّد بالصراع ما بين "الوجدان اللبناني" و"وجوده التاريخي". الصراع في لبنان هو صراع بين "الوجدان اللبناني"، و"التاريخ اللبناني". إنه هذا الصراع الذي يقول به هيغل في كتابيه "فلسفة التاريخ" و"فينومولوجيا الروح" ما بين الأطروحة "أ" (Thèse A)، والأنتي-أطروحة "ب" (Antithèse B)، التي يولد منه خلاصة أو كما نقولها بالفرنسية (Synthèse C)، هذه الخلاصة التي تتحوّل بدورها إلى اطروحة يتمّ مقابلتها بأطروحة أخرى لينتج صراعهما خلاصة جديدة. وبالتالي إلى الصراع في لبنان بحسب موراني سيولّد، على الطريقة الهيغلية خلاصة، يسميها موراني: التقاءً. هذا الالتقاء إنما يتجسّد في تكوّن تاريخ إنساني وجداني للبنان. إنه الالتقاء بين وجدان الأشخاص في لبنان مع وجدان بلدهم لبنان. أنه التقاء الفردانية بالإنسانية، والطائفية بالوطنية. وعليه لا يرى موراني في الازمات التي يمرّ بها لبنان معنىً سلبيًّا، ولا برهانًا على فشل التجربة اللبنانية، بل هي أزمات "إنطلاقيَّة" تساهم في تكوّن الوجدان اللبناني وتصالحه مع تاريخ لبنان.

ضمن هذه الرؤية يحاول موراني مقاربة ومعالجة مسألة الطائفيَّة في لبنان. فجماعات لبنان ما قبل الاستقلال كانت ذات وجدان طائفي، غير أن الاستقلال جعل اللبنانيّين ينتقلون من مرحلة تاريخيّة كانت دعائمها الأساسيّة والظاهرة طائفيّة منكمشة إلى مرحلة تقتضي تكوين جهود الأمّة حول مصير جديد أبعد من حدود الطائفيّة، فكان على اللبنانيّين أن ينتقلوا بحياتهم وتفكيرهم من المجتمع الدينيّ إلى المجتمع السياسيّ. كما كان عليهم أن يختبروا على حسابهم كيف تتكوّن الأمم وكيف تستقلّ. فمن يتأمل سَيْرَ تاريخ لبنان منذ الاستقلال يجد أنّ القطاع الاقتصاديّ قد تجدَّد بسرعة، أمّا الهيكليّات السياسيّة والدينيّة، فبقيَت في المرحلة الأولى وراثيّة تقليديّة، وضعيفة الفاعليّة. ويبرّر موراني الأمر بأنّ الوعي السياسيّ ككلّ مرحلة تاريخيّة وجدانيّة بطيء السرعة والتجدّد، لذا تلازمه الأزمات العنيفة والارتباك الشديد، لكنّ هذا الوعي موجود. كما يُلاحظ أن الهيكليّات الاقتصاديّة والسياسيّة والدينيّة أخذت تلتقي اليوم وتتفاعل وتتصارع، وفي هذه النقطة ولادة وجدان تاريخيّ جديد"، وفي هذا الوجدان التاريخي اللبناني الجديد تتجسّد "الوحدة اللبنانية". ويخلص موراني للقول بأنه لا يوجد أي مبرّر للخوف من الازمات التي تَلِدُ بين اللبنانيّين وحولهم في الخارج، فكل ازمة إنما هي ترسّخ الشعور بأنّ التاريخ اللبنانيّ "بدأ يجد ذاتيّته".

 

السلبية في الميثاقية اللبنانية

هذا في المقاربة الفلسفية لتكوّن ذاتية لبنان ووجدانه. أمَّا في المقاربة اللاهوتيَّة، فينطلق موراني من فعل الاستقلال عينه بما هو من نتيجة للميثاق الوطني.

بخلاف الكثيرين، لا يرى موراني أنّ الميثاق الوطنيّ كان مرحلة جديدة من تاريخ لبنان، ولا كان عصره عصراً ذهبياًّ، بل كان ضرورة في وقتها "يجب أن تجوز لا أن تدوم". فما هو الميثاق؟ "إنّه الاتفاق الحرّ الذي تعهّد به المسيحيّون للمسلمين بأنّهم لن يطالبوا في ما بعد بحماية أجنبيّة، كما تعهّد المسلمون للمسيحيّين بدورهم بأنّهم يتنازلون عن أيّ انضمام عربيّ. فالميثاق الذي يكون بالنسبة لتاريخنا أوّل فعل حرّ كامل، ليس بالحقيقة إلاّ فعلاً سلبياًّ، أي فعل حريّة تريد أن تكون حرّة، وتنفي في الوقت عينه الأسس التي تقوم عليها الحريّة. إنّ الميثاق حريّة لأنّه كرّس استقلالنا، وهو أيضاً إنكار للحريّة، طالما يقف المسيحيّ إزاء المسلم، لا ليلتقي به ويكون معه، بل ليراقبه ويحدّ من حريّته،كما يتّخذ المسلم الموقف عينه، فيراقب المسيحيّ ويحدّ من حريّته. والواحد ينظر إلى الآخر نظرة غير واثقة ومطمئنة". ويتساءل موراني، ما هو هذا الاستقلال، وأين هو لبنان في هذا الميثاق الذي يتنازل فيه المسيحيّ عن حماية الغرب، ويتنازل فيه المسلم عن نزوعه إلى الشرق؟ وهل بهذَيْن الـ"لائَيْن" تتكوّن ذاتيّة لبنان؟

مستعيدًا مقالة جورج نقاش التي قال فيها "أن نفيين لا يصنعان امة" (Deux négations ne feront jamais un nation)، يصوّر موراني اللبنانيين عند نيلهم استقلالهم وكأنهم طالبوا بهذا الاستقلال لا لبناء حريّتهم وذاتيّتهم، بل ليحدّ كلّ منهم حريّة الآخر، وهذا في نظر موراني لهو "خطيئة في التاريخ". هنا تبدأ المعالجة اللاهوتية لهذه الخطيئة الأصلية في بناء الكيان اللبناني. فالميثاق-الخطيئة إنما هو تكريس لوضع يقيّد فيه اللبنانيّون حريّة بعضهم بعضاً، بدلاً من أن ينفتحوا على حريّة بعضهم بعضاً بعطاء لا يداخله خوف. هذا هو صراع اللبنانيّين التاريخيّ، إنّه صراع مع "جذور الخطيئة العميقة، ومع تعطيل النفوس والحريّات". فكلّما كان تاريخ اللبنانيّين إلتقاءً خارجيًّا بين حريّات تقيّد الواحدة منها الأخرى، كان من الطبيعيّ أن يزداد مع الزمن هذا الالتقاء الخارجيّ، وكان من الطبيعي أن تتمكّن الأزمات في النفوس، ويشتّد النفور، فيتحوّل ذلك الالتقاء الخارجيّ إلى صراع عنيف. فالثورة نَتَجَت من كيان اللبنانيّين السلبيّ الذي يجعل المسلم والمسيحيّ "لا حريَّتَيْن تتعاونان بل تتنافيان".

 

الحل اللاهوتي

ما هو الجواب اللاهوتي لهذه الخطيئة؟ إنه، بحسب موراني، انفتاح النفوس على الإحساس بالقيمة، وهذا يقضي بأنْ يُجهِد المسيحيّ نفسه ليكون مسيحياًّ، فيكتشف إذ ذاك عند المسلم قِيَماً دينيّة وإنسانية لا يجدها في ذاته. وكذلك الأمر عند المسلم. ويطلب موراني إلي اللبنانيّين الانتباه إلى موقف روحيّ يتطلّب منهم الاجهاد الذاتيّ وإصلاح النفس، وهو موقف التوبة. كيف تتجسّد هذه التوبة؟ إنما يكون ذلك بأن تعترف حريّة المسيحيّ بخطيئتها لحريّة المسلم وتناديها. وتعترف حريّة المسلم بخطيئتها لحريّة المسيحيّ وتناديها. فـ"لا تحرّر من التفريق الطائفيّ إلاّ بالتوبة ولا معنى لتاريخ اللبنانيّين إلاّ في هذا المعنى اللاهوتي".

 

التوبة اللبنانية

كان الموراني مقتنعًا بالسيرورة اللبنانية وهي سيرورة تتخللها ازمات انطلاقية يتكوّن من خلالها الوجدان التاريخي اللبناني ويلتقي اللبنانيون في وحدة وطنية عابرة للطائفية، وحدة تقوم على القيمة المشتركة بين المسيحية والإسلام، إنها "التوبة"، والتي تتجسّد باعتراف كل من طرفي الميثاق بحرية الآخر. قد تكون التوبة التي اقترحها موراني ضرورية اليوم من أجل الانطلاق مجددًا في سيرورتنا التاريخية اللبنانية، لتخطي ازماتنا نحو بناء مشروع لبنان، هذا المشروع الحضاري الإنساني الذي بحال نجاحه قادر أن يشكل نموذجاً مشرقياً وعالمياً في آن.

  • أستاذ جامعي متخصص في التاريخ وكاتب في "اليوم الثالث"