لا ينفك الرئيس عون يفاجئنا مثبتًا أنَّه لطالما كان ولا يزال من نسيج مختلف عن أهل السلطة في لبنان. غير أنَّ هذه المرة لم تكن المفاجأة من موقعه العسكري أو السياسي بل من موقع الأكاديمي.

ففي المؤتمر حول الديمقراطية عقد في جبيل بتنظيم من المركز الدولي لعلوم الإنسان وبالتعاون مع جامعة البلمند كان للرئيس عون، الراعي والمشارك في هذا المؤتمر، مداخلة فنّد فيها سيستام القيم الديمقراطية راسمًا للبنان رؤية ثورية.

 

محدودية الواقع اللبناني

في الواقع تأتي هذه المداخلة العزيرة المعاني ضمن سياق أطلقه الرئيس عون في كتابين له، الاول بعنوان هذه "رؤيتي للبنان"، والثاني "ما به أؤمن" والذي يرسُم فيه مسارًا للبنان المستقبل يقوم على فكرة الدولة العلمانية.

يبدأ الرئيس عون بربط الديمقراطية بسيستام متكامل من القيم تبدأ بالمساواة وصولًا إلى حقوق الإنسان ومرورًا بالعدالة والمواطنة والحرية. لكن هذا السيستام المتكامل في حال تطبيقه لن يصبّ بحسب العماد الرئيس إلا في بحر الدولة العلمانية، إذ يقول الرئيس عون: " لا مناص في النهاية إذا أردنا تحقيق المساواة والاقتراب من مفهوم الديمقراطية الحقيقي من الوصول إلى الدولة العلمانية في لبنان".

يدرك الرئيس عون تمامًا محدودية الديمقراطية في لبنان، إذ يقول: "هناك هوّة في لبنان على صعيد الحكم الديمقراطي بين المبدأ والواقع". فالديمقراطية اللبنانية "توافقية" أجمعت عليها كل مكوّنات الشعب اللبناني. هنا لا يسعى الرئيس عون إلى إطلاق حكم عليها. فهي عنده ليست لا أفضل ولا أقل شأنًا من انظمة ديمقراطية أخرى. إنها ديمقراطية تتناسب وواقع لبنان التعددي.

 

خطوات عملية لتحقيق العلمانية

لكن يجب ألا تتوقف الامور عند هذا الحدّ في لبنان، بل يجب، بحسب الرئيس عون، أن يتمّ ردم الهوّة. لهذا نجده يطرح في محاضرته الخطوات العملية التالية:

 

أولًا إنه الوعي. إذ رفع درجة وعي المواطنين ولحقوقهم الأساسية لهو أمر أساسي في تطوير الديمقراطية اللبنانية. وهذا الوعي لا يتمّ إلا من خلال التربية على الديمقراطية في المنزل والمدرسة والشركات والجمعيات والأندية والنقابات والشركات.

ثانيًا، إنها العدالة الاجتماعية التي تقوم على مبدأ تكافؤ الفرص بين الجميع وتوزيع عادل للثروة. ثالثًا، إنه المجتمع المدني إذ إن نجاح الحكم الديمقراطي كما يقول الرئيس عون يستلزم شراكة دائمة بين الشعب وممثليه، ويحصل ذلك عبر جمعيات المجتمع المدني التي يجب أن تمثّل شريكًا حقيقيًا لأهل السلطة.

المحاسبة تأتي في المرتبة الرابعة: يقول الرئيس عون: لا ديمقراطية من دون محاسبة. فهذه الأخيرة هي ضمانة الديمقراطية. ذلك ان هذه الأخيرة لا تمارس فقط بالانتخابات بل بلعب المواطن دوره في متابعة المسؤول بعد الانتخابات ومساءلته ومحاسبته في حال أخطأ أو أفسد أو أساء استعمال مركزه. وأخيرًا تأتي المرحلة الأخيرة التي تقضي بتحويل الديمقراطية إلى ثقافة ونهج حياة يُكتبان ويُعاشان في مختلف أوجه الحياة اليومية لكل المواطنين. وهذه الثقافة يجب أن تتمحور حول الأسس الثلاثة التالية: أولًا، احترام معتقد الآخر، أي احترام وضمان حرية الضمير؛ ثانيًا، احترام الحق بالاختلاف، وبالتالي تكريس مبدأ المواطنة المنفتحة على التعدد الديني والثقافي؛ وثالثًا، الحق بالتعبير عن الرأي بحريَّة. ويلخّص الرئيس عون هذه المبادئ بالمعادلة التالية: ثقافة ديمقراطية تقوم على "احترام المبادئ الإنسانية على المستوى الفردي والعائلي والمجتمعي وعلاقات الدول ببعضها البعض".

 

إخراج العلمانية من بازار المزايدة السياسية

في ختام مداخلته، يستعيد الرئيس عون مسألة المحاسبة ومكافحة الفساد المستشري في لبنان ليقدّم الطرح الأجرأ فيما خصّ مستقبل النظام السياسي في لبنان فيقول: " إذا تعزز نظام المحاسبة ونجح في مكافحة الفساد وتراجعت الطائفية السياسية، [يجب أن يكون ذلك] لمصلحة نظام علماني قادر على تحقيق تطلعات الشعب اللبناني والمساواة في الحقوق والواجبات والازدهار الاجتماعي والاقتصادي وعلى تحقيق رسالة لبنان في التعايش والسلام وجعلها رساله ونموذج للعالم أجمع".

لقد عرف تمامًا الرئيس عون أين يجب أن يطرح رؤيته البعيدة للبنان: إنه المنبر الأكاديمي. فطرح كهذا ليس للمزايدة أو للمتاجرة السياسية، وهو ليس مطروحًا لإفحام خصم هنا او لمناكفة خصم هناك. إنه طرح للبنان المستقبل، وهو يجب أن يتم مناقشته ومتابعته وفق المعايير العقلانية والأكاديمية وليس للمزايدات السياسية على الطريقة اللبنانية السمجة. طرح يقول بالديمقراطية ونظام المواطنة وسيستام متكامل لقيم المساواة والحرية والعدالة الاجتماعية والتعدديّة، وهي كلها بحال طبقت ستأخذ لبنان ليكون "دولة علمانية" قادرة على دخول عصر الحداثة وما بعدها، وتحقيق الازدهار والامن والاستقرار لشعبه، لا بل أكثر من ذلك، ليجعل من لبنان وشعبه نموذجًا كونيًا في نجاح العيش المشترك ضمن دولة علمانية ديمقراطية إنسانية.

 

صانع المستقبل

هذا هو الرئيس عون، فهو ليس قائدًا للتحرير فحسب، ولا مطلقًا في 7 أيار 2005 لمسيرة "التحرّر" من الاستبداد الداخلي الممثل بطبقة سياسية من أفسد ما يمكن. إنه هنا راسمَا لمستقبل لبنان الجميل، لبنان العلماني. فهيَّا إلى العمل.  

  • أستاذ جامعي متخصّص في التاريخ وكاتب في "اليوم الثالث"