كم نفتقد اليوم أصحاب رؤى. فهؤلاء إما انتقلوا إلى عالم آخر وإما يتأملون ماضيهم محاولين تسليم الامانة لجيل على قدر مسؤولية التجذّر والانفتاح في آن. قد يكون الأب الماروني يواكيم مبارك، إبن كفرصغاب، وذلك الرسول المسيحي المنتفح دومًا على الآخر. متجذر في مسيحيته ولبنانيته، والمنفتح حتى الشهادة على الإسلام وعلى العرب وعلى الغرب في آن، شكل مبارك نموذجًا متقدّمًا ليس فقط في التعمّق بالتراث الماروني المادي والروحي والثقافي، بل كان من أبرز من كتبوا في الإسلام وحاوروا المسلمين في سبيل حضارة مشتركة تنطلق من موقع لبنان المشرقي.

 

لبنان نموذج لقاء الحضارات

ينطلق مبارك في فكرته المشرقية من لبنان، هذه المساحة حيث تحقّق، بنظره، التلاقي بين الإسلام والمسيحية. فإذا كان الإسلام والمسيحية يتبادلان نظرات بعيدة من خلال شواطئ المتوسط، فإنهما في لبنان شكّلا نموذج حضاري يتخطى التلاقي إلى "الإندماج المتآلف النامي". فلبنان في نظر مبارك هو الحصيلة التنبّؤيّة لتاريخ طويل من القرون وبادرة التآلف للشعوب المتوسّطيّة، "إنه الابن البكر للتعايش السلميّ بين الإسلام والمسيحيّة". من هنا يرى أنّه يجب أن تُعاش في لبنان مجموعة العلائق الإسلاميّة المسيحيّة لا للبنان فحسب، بل أيضاً لسائر العالم. ويجب أن يكون ذلك موضع تفكيرٍ وتنظيم.

لا بل حاول الأب مبارك أن ينطلق من موقع لبنان المشرقي هذا ليجد حلًا للمسألة الطائفية. غاية مبارك هنا ليست حصرًا إلغاء الطائفية، بل هي عمقًا محاولة لتطوير العلاقات الإسلامية-المسيحية، بما يمثّل هذا التطوير من جواب على الأزمة القادمة التي سيشهدها العالم في العلاقات بين الأديان والثقافات والحضارات. وكأن مبارك يحاول تفادي منظومة صراع الحضارات قبل عقود من إطلاق هنتنغتون لمقولته التي حكمت السياسة العالمية منذ تسعينيات القرن الماضي حتى يومنا هذا والتي تقول: لا تعايش بين الديانات، ولا بين الحضارات ولا بين الثقافات، بل مواجهة، ومواجهة دامية. وبالتالي كل محاولة للتوفيق بين الإسلام والمسيحية، أو بين الإسلام والغرب هو من باب العبث. قرأ ذلك مبارك باكرًا، وحاول أن يجعل من لبنانه المشرقي الصغير نموذجًا في التعايش المسيحية والإسلام بوجه نموذج صدام الأديان والحضارات. من هنا سؤاله المحوري: ما هو السبيل لجعل هذا التعايش اكثر كمالًا؟

 

 

التمييز بين المقدس والمدنس

أما الجواب عن هذا السؤال فيكمن في رؤية المُحاضِر أنّ رأس قضايا الحوار الإسلاميّ - المسيحيّ في لبنان وهدفه الأكبر، هو أن يتوصّل اللبنانيّون، على مستوى الفكر، وبالارتكاز على الدستور اللبنانيّ الحالي، إلى "تمييز أكثر عدالة بين الروحانيّ والزمنيّ، بين المقدّس وغير المقدّس، بين المدنيّ أو السياسيّ والدينيّ، بغية سَكْبه فيما بعد، في الأفكار والعادات وأخيراً في الأنظمة، [...] إنّ العنصر الروحيّ والقدسيّ أو الدينيّ لا يمكن اتخاذه أساساً متيناً لإقامة ديمقراطيّة حديثة" (من محاضرة له في الندوة اللبنانية عام 1965). وبالرغم من تقدير الأب مبارك النسبيّ للطائفيّة أو للنظام الطائفيّ الذي يتّسم بالتسامح والاحترام المتبادَلَيْن بين المسيحيّة والإسلام،، فإنّه يرى أن على هذا النظام أن يفسح المجال لنظامٍ آخر، خاصّة عندما يحين الوقت ويصبح في الإمكان مباشرة تعاون بسيط لا يشوبه أيّ تمييز بين الطوائف، إذ ذاك يبهت لون التسامح إزاء التفهّم العميق، ولا يعود الاحترام المتبادل سوى جمودٍ مضرّ. وعلى لبنان الذي استطاع في قلب الشرق الأوسط أن يكون نقطة التقاء لشعوب ومِلَل وأديان، كان ولا يزال حصناً منيعاً لها، أن يكون اليوم مسرحاً لعمل أحسن، لا سيّما عندما يتحوَّل الحصن إلى وطن مشرَّع الأبواب، وتغدو نقطة الالتقاء نقطة إشعاع.

 

يذهب مبارك أبعد من هذا حين يعبّر، وهو العارف والدارس للإسلام، عن اقتناعه بأنّ الإسلام على "أتمّ الاستعداد ليخطو هذه الخطوة الحاسمة نحو التمييز الدقيق بين الروحانيّات والزمنيّات. ولقد اتّجه نحو ذاك على صعيد المبادئ نفسها، فبالأولى أنْ يتّجه على صعيد التطبيقات الاختباريّة". كما يعتقد أنّ الإسلام مستعدّ للانسياق في تطوّر المجتمعات المتعدّدة العناصر وإنشاء نظامٍ سياسيّ للدول لا يكون فيه العنصر الدينيّ عقبة في سبيل التقدّم أو سبباً لسيطرة فئة على أخرى. لا بل إنّ مبارك يذهب إلى أبعد من ذلك إذ يرى "أنّ الإسلام مستعدّ لكي يحوِّل نظام الحضارة الإسلامية ويسمو به إلى مناخ أمّة إسلاميّة تتعايش مع غيرها من الأمم. وبإمكاني أن أبرهن أنّ هذا الاتّجاه هو في صلب التيّار الإسلاميّ نفسه، وفي سياق تطوّره التاريخيّ في أصحّ معناه، وخاصّة في طبيعة جذوره العميقة[...]".

 

أفكار متجددة للعلمانية

يحاول هنا مبارك ان يجد حلًا وسطًا يُخرج لبنان المشرقي، وبالتالي العلاقات الإسلامية المسيحية من الطائفية من دون أن نذهب إلى العلمانية الشاملة على طريقة فرنسا. كانت صيغته تتجسّد في المعادلة التالية: لا فصل ولا دمج بين الدين والدولة، بين الدين والسياسة، بل تمييز واضح بينهما بما يمكّن اللبنانيين من ان يجدوا "في حريّة المعتقدات الكاملة وفي استقلال السلطة المدنيّة بالنسبة إلى السلطة الدينيّة، مثالَ توافقٍ من الداخل بين نظام الحاضرة الزمنيّة والنظام الروحيّ الذي منّت به السماء".

 

وللوصول الى هذا الهدف يقترح الأب مبارك عدّة أفكار، منها:

  • إنشاء مجلس إسلاميّ - مسيحيّ، لضمان احترام التمييز الشرعيّ ما بين الروحانيّات والزمنيّات من جهة، ولإحلال الانسجام اللازم بين الزمنيّات والروحانيّات من جهة أخرى. ويمكن تأليف هذا المجلس من أشخاص يتّصفون بالحكمة والنيّة الحسنة، ويُجمع عليهم الرأي العامّ المشترك عند المسيحيّين والمسلمين.
  • إنشاء مجلس ملّي مشترك تحت شعار الاتّفاق الوديّ والتعاون الإيجابيّ يكون من علامات الأزمنة الجديدة، ويمثّل أرفع مقامٍ معنويّ، كما يكون مرجعاً أعلى للأمّة عندما تَصْطَدِم بضميرها، فيُطْلِعها، هكذا، الإسلام والمسيحيّة معاً على الطريق السويّ.

هذا على مستوى النُظُم، أمّا على مستوى الفكر العقلانيّ والنقد التاريخيّ، فيدعو الأب مبارك العقول اللبنانيّة لكي تَتَلاقى، وأنّ هذا اللقاء بين العقول وتجمّع الإنتاج الفكريّ يجب أن يَتمّ في داخل الجامعة اللبنانيّة. إذ قد حان الوقت لأن تُنشأ في قلب هذه الجامعة معاهد حقيقيّة للبحث، تكون بمثابة الإطارات الصالحة لعملٍ وَضَعْناه تحت شعار الفكر الفلسفيّ والنقد التاريخيّ.

ويعتقد أنّ الجامعة اللبنانيّة لا تتمّ رسالتها الخاصّة إلاّ يوم تنشئ مثل هذه المعاهد (كليّات خاصّة بالعلوم الدينيّة، الإسلاميّة والمسيحيّة)، فـ "تتحقّق هكذا في لبنان هذه الرسالة الضروريّة، رسالة الالتقاء والمقابلة النَزيهة بين المسيحيّين والمسلمين، على صعيد إيمان كلّ منهم". ويدرك الأب مبارك أنّ عملاً كهذا بحاجة إلى كثير من الوقت والتحضير والتمرّس بالطرائق الفلسفيّة والنقديّة الصارمة.

 

المصالحة بين الدين والدولة

وعليه، يبدو لبنان المشرقي بنظر الأب يواكيم مبارك ضرورة للمسيحية وللإسلام. لا بل هو فرصة لهما ليثبتا للعالم أنهما يمكن لهما ان يعيشان سويًّا مشكلين حضارة مشتركة تكون مثالًا كونيًا على العيش معًا وعلى الحوار بين الثقافات والحضارات والأديان. نموذج تتمّ فيها المصالحة بين الدين والدولة ليس بفصلهما وبوضعهما موضع العداء تجاه بعضهما البعض، بل مصالحة عن طريق التمييز الواعي بينهما بحيث يتمّ المحافظة على موقع الدين الإيجابي في الدائرة العامة من دون ان ينخرط مباشرة في العمل السياسي، وبحيث تبقى السياسة، على أرضيتها، منفتحة على القيم الثورية والإنسانية والمعنية والأدبية التي تبشّر بها المبادئ العليا للدين.

لا يزال الأب مبارك ينتظرنا للإجابة على اقتراحه.

  • أستاذ جامعي متخصص في التاريخ وكاتب في "اليوم الثالث"