إنَّ محاربة الخطاب الديني المتطرف هي الجرعة الأولى لعلاج سرطان التطرف الذي بات ينتشر كالنار في الهشيم وخصوصاً في داخل مجتمعاتنا الشرقية، ذلك أنَّ تكفير الآخر وإقصاءه باتَ ظاهرة شائعة فيما يتعلق بالدين ويتفرع منه الإقصاء الإجتماعي والسياسي وحتى الثقافي، وما يوحّد بينهم هو الإستقطاب وأحادية التفكير.

 

حركة نخبوية محصورة؟

إن محاربة الخطاب الفكري والديني المتشدد بات اليوم بمثابة فتح ابواب جهنم ويحرك هذا المستنقع الآسن الذي تفوح منه رائحة التكفير والتحريض على الكراهية والعنف ونبذ التسامح وقبول الآخر. فقد كثر الحديث في الأعوام الأخيرة عن حركة لتجديد الخطاب الديني، ولكن للأسف الشديد بقيت هذه المحاولات محصورة في الإعلام وداخل قاعات المؤتمرات على الرغم من إستقطابها شخصيات دينية وعلمانية ولكننا لم نلمس اي نتائج مثمرة في هذا المضمار على الأرض.

إن هذه المعضلة ليست بالحديثة، فقد شُغل بها العديد من المفكرين عبر العصور وأذكر منهم على سبيل المثال الفيلسوف الشهير "ابن رُشد"، وكانت النتيجة ان احرقت كتبه ونُفي. وهذا كان في الماضي الغابر، اما اليوم فيبدو أنَّ الأمور تسير نحو الأسوأ في ظل وجود عشرات التيارات المتطرفة والآلاف من صفحات الفكر الأصولي والمواقع الإلكترونية التي تروّج للأصولية وتحرض على الجهاد وقتال الكفار.

 

بين مسؤولية المؤسسة الدينية والإعلام

ومما لا شك فيه أنَّ المراكز والمؤسسات الدينية ليست الوحيدة المسؤولة عن مراقبة الخطاب الديني وتجديده، فدور وسائل الإعلام هو الأبرز والأقوى وخصوصاً في ظلّ البرامج الدينية التي أصبحت تحتل مساحة واسعة على شاشات الفضائيات العربية. وعندما ننظر الى الأزهر اليوم ودوره الرائد والكبير في العالم العربي والإسلامي نتساءل ما هو التغيير الذي لمسناه في السنوات العشر الأخيرة فيما يتعلق بالخطاب الديني وطريقة تعاطيه العام مع المتغيرات والتحولات التي شهدها العالم العربي؟ الم يكن كل ذلك يستدعي وقفة فكرية ومراجعة للأداء الخاطىء؟

نحن اليوم نواجه منظومة شائكة ومعقدة جداً لأن المُشكلة اعمق مما نتصور. فعلى الرغم من مرور مئات السنين على وفاة ابن تيمية، لا يزال البعض يحتكم الى فتاويه وفكره السلفي الإقصائي كمرجعية، وهذا الفكر شكل الحاضنة الأولى لهذا التطرف والإرهاب الذي نعاني منه اليوم.

وعندما تتصدر وسائل إعلام بعينها عناوين تحض على الفتنة وتحرّض على خطاب الكراهية ونبذ الآخر المختلف تُصبح الأمور غاية في التعقيد، لأن هذه الفضائيات اولاً واخيراً مُرخصة ومُمولة من دول عربية المفروض أنها تحارب الإرهاب على أرضها ولكنها لا ترى حرجاً في تصديره الى الآخرين، وما شهدناه في سورية هو المثال الأكبر على ذلك.

 

السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف يُمكننا الحصول على خطاب ديني معتدل ضمن أجواء مشحونة بالكراهية والحقد الأسود وخصوصا في ظل وجود شريحة كبيرة من البسطاء والأميين ومحدودي الثقافة التي تقتات على هذا الفكر المتطرف وتروّج له؟! إن العصر الذي نعيشه اليوم بات ينبذ هذا الخطاب الديني القديم الذي لم يعد يواكب طبيعة الحياة المُعاشة ووتيرة التقدم السريع فنحن نسابق الزمن والبعض يريد العودة بنا الى عصور قديمة، وهنا يكمن التعجيز مع وجود فئات كبيرة من البشر تعيش بيننا ولكن في عقلية العصور الغابرة وتقتات على فكر أكلَ الدهر عليه وشرب.

 

ورشة شاملة

لعل التعويل الأهم هنا يتمثل في تركيبة التعليم بمعنى تحديث المناهج التعليمية والتأسيس لثقافة التعايش المشترك بين المذاهب والديانات المختلفة، بالإضافة الى مراقبة برامج التعليم الديني في داخل المدارس والمؤسسات الدينية وتنقيتها من الشوائب التي تحض على العنف والتطرف او تستند الى نصوص ومفاهيم دينية منحولة وخاطئة.

ختاما اعود واركز على الحيّز الإعلامي الذي يبقى الركن المهم ان لم يكن الأهم فالإلتزام بالمعايير الإخلاقية والإبتعاد عن الخطاب التحريضي ضد الآخر المختلف وتكفيره هو حجر الأساس في مكافحة هذا الأخطبوط. انها مسألة ثقافة وتربية ومجتمع واخلاق تبدأ من الاسرة وتتشعب وتكبر لتصل الى المنظومة التعليمية بمناهجها وقيمها وُصولا الى الاعلام.

طبعا الحديث يطول اذا اردنا التطرّق الى امور الفقر والبطالة ودورها، وهذا ليس موضوع بحثنا هنا وفي النهاية اقول نحن نحتاج الى "الانسنة " في الخطاب الديني كما في ثقافتنا وطريقة تفكيرنا وتنقية.

  • أستاذة جامعية سورية مقيمة في الولايات المتحدة وكاتبة في "اليوم الثالث"