لعبت النخب المسيحية المشرقية عبر تاريخها دوراً ريادياً في حركة التنوير والإصلاح على الرغم من كل ما تعرضت له من تنكيل وخصوصاً خلال الإستعمار العثماني لمنطقتنا. واليوم وعلى ضوء ما يجري من حروب عبثية ونزاعات مركزها الأساسي هو هذا الشرق، فإنه من المتوقع وبحسب الكثير من الدراسات الديموغرافية أن تُفرّغ المنطقة من المسيحيين مع الوقت كما حصل في العراق وقبلها فلسطين وما يجري حاليا على الساحة السورية، في حال استمرّت القوى التي تحكم عملية تهجيرهم أو إرغامهم على الهجرة من أوطانهم التي لا يعرفون سواها أوطانًا لهم بحثًا عن ملاذات آمنة، وعلى الرغم من ان ظاهرة الهجرة ظاهرة عامة ولا سيما في ظل العنف المتصاعد في السنوات الأخيرة وتشبث المسيحيين المشرقيين بتجذرهم في أوطانهم الطبيعية، بفعل ما تعرضوا له من ضغط وترويع أضعاف ما تسجله نسب نظرائهم من أبناء الجماعات الدينية والإثنية الأخرى في المشرق.

 

سياق التهجير المسيحي

وفي مطالعة شاملة ودقيقة لتاريخ منطقتنا نرى أنه قد حصلت في المنطقة عملية طويلة ومعقدة لتهجير المسيحية من موطنها الأصلي، عبر النظر إليها على أنها لا تنتمي إلى البيئة المشرقية وتغذية التعصب والنعرات ضدها، وهي منظومة اشترك في إنتاجها أبناءُ الشرق والغرب على حد سواء ولكل منهما منظومة دوافع وأسباب مختلفة.

ومما لا شك فيه ان الموجة الراهنة من هجرةٍ وترحيل للمسيحيين تشكل جزءًا من الصراع بين الأطراف المختلفة وربما أحد اهدافه، إذ تم استضعاف المسيحيين وصنفوا "كأقليات دينية" أو استخدموا كأوراق سياسية في صراع الطوائف السياسية واضطروا إلى النزوح والهجرة اكثر من مرة.

وكما كان تهجير المسيحيين عملاً مسيّساً، كان الخطابُ عن هجرتهم في كثير من الأحيان مسيّساً ايضاً. وقد اشتركت الأطراف السياسية الإقليمية بالإضافة الى المنظمات الدولية في هذا التسييس، فتم إستخدام المسيحيين كوقود المحرقة وجعلت وضعَهم جزءًا من تصورات سياسية لإعادة رسم الخريطة الديموغرافية كما هو الحال بالنسبة الى الدعوة إلى منطقة حكم ذاتي او فيدرالية .

 

مشروع الدولة الوطنية

وعلى الرغم من ذلك فقد تكون بداية الدولة الوطنية في المشرق العربي في الربع الأول من القرن العشرين وربما سائر النصف الأول منه أقربَ إلى فكرة المواطنة والاندماج الوطني، ولكن انبعاث العصبيات الطائفية كانت من اهم العوامل التي أدّت إلى اهتزاز مكانة المسيحيين وتراجع دورهم النخبوي.

ومن هنا علينا أن نعيد النقاش حول الوجود المسيحي في المنطقة إلى فكرة الدولة الوطنية ومفهوم المواطنة فيها، والنظر فعليًا إلى المسيحيين المشرقيين بصفتهم أقليات وليسوا مواطنين وهو أمر يتعدى النقاش حول دين معيّن إلى روح فكرة الدولة الحديثة وحقوق المواطنة الكاملة بغض النظر عن الهوية الدينية والمعتقد واللغة والانتماء السياسي. فسيبقى السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه، هل أقمنا فعلًا دولة مواطنة حقة؟

 

غياب العقد الإجتماعي

لقد لعب المسيحيون في المشرق بعد سقوط العثمانية في بلادنا أدوارًا بالغة الأهمية اقتصادية وثقافية واجتماعية وفكرية وسياسية، ولكنّ الدول نفسها التي أدوا فيها هذه الأدوار فشلت في طرح سياسة عقد اجتماعي يستند إلى المواطنة الحقّة وليس إلى مبدأ الرعية، ويقوم على أسس حديثة لإدارة التنوع تكون ركيزة لأي عملية مشاركة سياسية بين مختلف المكونات وتفضي إلى تحقيق الديمقراطية ودولة القانون. كما فشلت الدول في المنطقة في تعميم ثقافة المواطنة .

 

المشروع الكبير

وفي جميع الأحوال تتعالى المواقف الرسمية والشعبية التي تحث المسيحيين على التمسك في بلدانهم. ولعل افضل مثال نسوقه في هذا الصدد هو القيادات الكنسية في المشرق وبعض التنظيمات السياسية المسيحية الداخلية التي تحاول ردع عمليات الهجرة والتقويض منها، لكن الأهم هو وضع ركائز ثابتة لاستمرارية وجودهم وحملهم مشروعاً وطنياً استراتيجياً.

  • أستاذة جامعية سورية مقيمة في الولايات المتحدة وكاتبة في "اليوم الثالث"