سنة 2010 قدم المخرج السوري نجدة اسماعيل أنزور وعضو مجلس الشعب الحالي، مسلسله "ما ملكت أيمانكم"، معالجا فيه ظاهرة الجماعات الدينية في المجتمع وتأثيرها على الشباب والنساء، وصولا إلى تنفيذ العمليات الانتحارية. وكان ذلك كافياً بالنسبة للمؤسسة الدينية في سورية، ممثلة بوزارة الاوقاف وبعض رجال الدين، بأن يرفعوا الصوت عاليا ضد العمل الدرامي، كونه يشوه صورة الاسلام الحقيقية، واعتباراً منهم أن التنظيمات التي تحدث عنها تمثل قيم الرحمة والمسامحة وليس كما قدمها. بعد سنة واحدة، اندلعت الازمة في سورية، وخرج "المارد" من التيارات الاسلامية بمختلف وجوهخا، الاخوانية والوهابية وغيرها، ضمن تنظيمات مسلحة، ليرتفع من جديد التساؤل حول دور هذه الجماعات.

 

الجماعات الدينية النسائية

يعد الموضوع الاكثر جدلاً في المجتمع، حول دور النساء في نشر مفاهيم هذه التنظيمات، والانقسام حول خطورتها أو أهميتها، وقد تعددت هذه التنظيمات بحسب تعدد المدارس الفكرية والتيارات الدينية في سورية.

  • القبيسيات:

يعود اطلاق صفة "القبيسيات" على الجماعة التي أسستها منيرة القبيسي، التي تتلمذت على يد مفتي الجمهورية الراحل أحمد كفتارو، الذي يتبع الطريقة الصوفية – النقشبندية، كما أصبحت على تواصل فكري مع الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي الذي اغتيل في تفجير داخل المسجد سنة 2012. وعملت مؤسسة الجماعة على التواصل مع كافة الجماعات الدينية في سوريا وبناء علاقات تواصل مستمرة معهم، وكان التواصل الاهم مع "الاثرياء" من دمشق، حيث أصبحت الجماعة ممولة من قبل رجال أعمال وتجار يقدمون الاموال، تحت ستار دعم للرسالة والدعوة وليس بهدف الربح المادي. تهتم الجماعة بالنساء فقط، بهدف التأثير على العائلة. وقد انضم لهن الكثير من النساء، ومنهم أميرة جبريل شقيقة أحمد جبريل ( الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ). وأساس الدعوة والتعليم والتدريس هو ضمن "حلقات"، فاللقاء هو للتعريف بالدين والقرآن الكريم وقراءة كتب دينية محددة، انطلاقاً من أنَّ الهدف هو أن تبقى المرأة المسلمة ضمن حدود الدين وأن يكون أي عمل مهني أو دراسة اكاديمية بهدف نشر هذه الدعوة. وتحرص الجماعة على منع النساء والفتيات من العمل في المجال السياسي والحزبي، والاهتمام فقط بشؤون الدين. كانت الاجتماعات في البيوت حيث تجتمع النساء، من المقبلين على الدعوة مع "الانسة" و"الحجة" وهم الاعلى رتبة، إلى أن سمحت لهن الحكومة سنة 2006، بطلب من المؤسسات الدينية، بالتدريس في الجوامع. انتشرت الجماعة من دمشق إلى مختلف أنحاء العالم، فهم في لبنان اسمهن "السَحَريات" نسبة إلى سحر حلبي وفي الاردن "الطباعيات" نسبة إلى فاديا الطباع. مع دخول البلاد في أزمتها وحربها، انتقد مؤيدو "الثورة السورية" الجماعة النسائية، والتي وصفوها بأنها أداة بيد أجهزة الدولة الامنية، وقد عقدت الجماعة لقاءات مع الرئيس السوري بشار الاسد وعين لاول مرة منهنَّ معاونة لوزير الاوقاف وهي الدكتورة سلمى عياش. فيما يصف آخرون بأن العلاقة التي ربطت الجماعة مع الدولة السورية استطاعت أن تضبط الشارع الدمشقي لمنع انجراره مع الجماعات المسلحة.

 

  • الأخوات السوريات

وهي تابعة لجماعة الاخوان المسلمين، وهدفها ضم النساء إلى "الاخوان". بدأ عملها في الخمسينات بعد لقاء جمع بين أمينة الشيخة والقيادي الاخواني مصطفى السباعي، ومع توجه الاخوان المسلمين إلى العمل المسلح ضد الدولة السورية في الفترة بين السبعينيات والثمانينيات، وتمكن الاجهزة الامنية والعسكرية من القضاء والسيطرة على هذا التوجه، دخلت الحركة في حالة من التشتت وانعكس ذلك بدوره على "الاخوات". وقد شكلت الحرب السورية نافذة ليعيد التنظيم هيكلة كوادره، خاصة مع بدأ ظهور معالم دوره الاساسي والمحوري في الحراك، إذ كان يخفي دوره ويظهر وكأنه جزء من الكل، ولكن الاحداث أظهرت دور "الأخوان" الحقيقي على الارض، لتعود "الاخوات" إلى العمل وخاصة في مجال العمل ضمن جمعيات "الاغاثة الانسانية"، فكانت فرصة لتعود النساء إلى العمل السياسي الحقيقي تحت عباءة المساعدات الانسانية. وانتخبت ست نساء في مجلس شورى الإخوان في انتخابات عام 2014، وتم تعيين اثنتين منهن في الهرمية القيادية بالتنظيم.

والفرق بين "القبيسيات" و"الاخوات"، أن الاولى تبتعد عن العمل السياسي فيما الثانية هي جزء من الحركة السياسية للتنظيم.

لا يمكن انكار دور المرأة في مختلف التنظيمات، فعلى الرغم من كون المرأة لدى معظم هذه التيارات هي ذات (عقل ناقص)، إلا أنهم يدركون أهميتها في العائلة والمجتمع وقدرتها على التأثي. ويقول يوسف العييري، وهو مؤسس تنظيم القاعدة بالسعودية، في رسالة عنوانها (دور النساء في جهاد الأعداء) "سبب مخاطبتنا في هذه الورقات المرأة هو ما رأيناه بأن المرأة إذا اقتنعت بأمر كانت أعظم حافز للرجال بأدائه، وإذا عارضت أمرا كانت من أعظم الموانع له".

 

علمانية ناقصة

تتجه الدولة السورية نحو مرحلة جديدة في مخاضها الدموي في اتجاه الحل السياسي. وإن كان بعيداً في الافق، ولكنه يشمل بالدرجة الاساسية دستور الدولة كونه العقد الاجتماعي الذي يجمع علاقة المواطنين تجاه بعضهم من جهة، وتجاه دولتهم من جهة ثانية. نحن هنا أمام صياغة سؤال أساسي: أي سوريا نريد لأولادنا؟

إزاء ذلك، تُثار مخاوف عديدة من وجود "هدنة" مع التنظيمات الدينية في سورية، حيث تحت هدف تفكيك التيارات الدينية وضبطها، تصبح هذه التيارات جزءاً "علنياً ومشروعاً" ضمن مؤسسات الدولة. فالاخوان المسلمين وإن كانوا في العلن تنظيما غير رسمي، ولكنهم استطعوا ان يتغلغلوا داخل المؤسسات الحزبية والمؤسسات الرسمية وبشكل خاصة وزارة التربية والاوقاف، وحتى ضمن المنظمات الدولية العاملة في سوريا، ليشاركوا بالتأثير بالقرارات.

وأظهرت السنوات السبعة الاخيرة، مدى تأثير المال والدعم الخليجي على الجماعات الدينية في سوريا، في مدى تقديمها ودعمها لبناء المساجد ومعاهد تدريس القرآن والمشايخ والدعاة، لتصبح أداوت لها في تحولها إلى العمل المسلح.

البعض يرى أن هناك مبالغة في التقديرات عن دور هذه الجماعات، فهي في معظمها محافظة على قيم الدين وليست ضمن الحركات التكفيرية، فيما يتخوف قسم آخر من كونها يمكن أن تكون ممراً لمن لم يستطع أن يربح بالسلاح ان يتجه نحو استهداف المجتمع والدولة من الداخل. و

هنا يطرح التساؤل الاهم، ما هو دور الاحزاب العلمانية والجمعيات الثقافية والحركات الشبابية، هل هي غائبة أم يتم تغيبها؟ فهل يمكن أن يتم إنشاء فريق شبابي علماني تابعة لاحدى الوزارات كما هو حال الفريق الديني الشبابي؟

 

تساؤلات المستقبل

قد تكون عبارة "إعادة الاعمار" هي الاكثر جاذبية وحماسة للقول إن مستقبل سوريا سيكون "مميزاً"، ذلك ان المراقبين ينظرون بعين السوق الاقتصادي والتاجر وصاحب المشاريع المعمارية. ولكنهم يغلقون العين الثانية، فإعادة الاعمار هي جزء من اعادة هيكلة الاقتصاد السوري بشكل كامل وليس فقط بناء مناطق مهدمة، على ان تكون ضمن ورشة عمل على المستويات التعليمية والثقافية والاجتماعية كافة وغيرها من القطاعات. ويبقى سؤال الدستور وقوانين الاحوال الشخصية ومصادر التشريع من الاموار الهامة التي تعطي، لربما، صورة عن أي دولة ومجتمع نعيد إنتاجه بعد هذه الحرب.

  • صحفي سوري يراسل "اليوم الثالث"