أين هم العلمانيون؟

 

في صيف العام 2015، خرج حراك شعبي-مدني من بيروت كانت أبرز شعاراته "إسقاط النظام الطائفي"، و"إقامة الدولة العلمانية". وقد تزامن هذا الحراك مع تصاعد مطالبات الكثير من المثقفين اللبنانيين بضرورة أخذ لبنان نحو مزيد من النهج العلماني. لكن بقي السؤال الكبير: هل البنى المجتمعية في لبنان مهيئة وراغبة بهذا التحوّل من الطائفية إلى العلمانية؟  

 

الإنتخابات وتجديد شرعية النظام

وقبل أسبوعين من الانتخابات أعلن الرئيس ميشال عون في ندوة اكاديمية له في مركز علوم الإنسان في جبيل أنه "لا مناص في النهاية إذا أردنا تحقيق المساواة والاقتراب من مفهوم الديمقراطية الحقيقي من الوصول إلى الدولة العلمانية في لبنان".    يبدو أن الإجابة عن مسألة العلمانية أتت من خلال انتخابات نوّار 2018. فمن أصل حوالي ثلاثة ملايين وثمانمائة ألف ناخب لبناني، صوّت حوالي 49% منهم (علمًا ان الأصوات التي جاءت معارضة للأحزاب التقليدية اللبنانية تعادل حوالي ثمانين ألف صوتًا)، لمصلحة استمرار النظام الطائفي. لكن هنا علينا أن نقف عند واقع المقيمين اللبنانيين. فإذا احتسبنا ان هناك حوالي تسعمائة ألف لبناني في الاغتراب لم يصوّت منهم إلا حوالي الخمسة والأربعون ألفًا، يمكننا القول إن ما تبقّى فعليًا من الناخبين اللبنانيّين المقيمين في لبنان هو حوالي الثلاثة ملايين لبناني. وإذا أخذنا الرقم الصادر عن وزارة الداخليَّة والبلديَّات بأنَّ عدد المقترعين هو حوالي مليون وثمانمائة ألف مقترع، تصبح نسبة اقتراع اللبنانيّين المقيمين حوالي الستّين بالمئة (60%).

كيف نقرأ سياسيًا هذه النسبة؟ بكلّ بساطة، لقد أعطى الشعب اللبناني من جديد شرعيّة شعبيّة للنظام الطائفي بنسبة تعادل الستين بالمئة وهي نسبة لا بأس بها بالمعيار الديمقراطي. وعليه يبدو من الواضح أنَّ النظام الطائفي اللبناني لا يزال يتمتّع بشرعيَّة شعبيَّة لا بأس بها.

 

العلمانيون ليسوا قلّة

السؤال الذي يلي هذا الواقع: أين هم العلمانيّون؟ هل هم أقليَّة نخبويَّة تكلّم نفسها من برجها العاجي؟ أم هم كثر ومتواجدون في كلّ مكان؟ طبعًا الإجابة صعبة. لكن يمكن لنا من خلال احتكاكنا اليومي بأفراد وأناس ومفكّرين وناشطين أنْ نقول أنَّ العلمانيين في لبنان ليسوا بقلّة. نعم: إنَّهم موجودون وهم كثر. طبعًا هم ليسوا الأكثريَّة، ولكنّهم هنا، ومنهم من هو فاعل وناشط، ومنهم من هو يائس ومتقاعس. هم في الجامعات والمدارس مدراء وأساتذة ودكاترة وطلابًا. هم في الأحزاب الطائفي منها والعلماني، نعم لا تتعجَّبوا. وهم في الجمعيَّات والمؤسَّسات ومراكز العمل، الحكومي منها والخاص. إنَّهم في كلّ مكان، وهم على درجات في علمانيّتهم، ولكنَّهم هنا. الندوات والمناظرات والكتب والمقالات عن العلمانيَّة موجودة وهي تكاثر مضطرد.

 

أسباب ضعف تأثير العلمانيين

لكن يبقى السؤال: أين هي قوّتهم الفاعلة؟ لماذا هم غير مؤثّرين في الحياة العامّة اللبنانيَّة لا سيَّما الوجه السياسي منها؟ التفسيرات كثيرة: منها أنّهم غير منظّمين في إطار موحّد، وللصراحة هذا أمر طبيعي لأناس غير مؤدلجين، فكرهم علماني ليبرالي حرّ . فليس هناك من عقيدة أو إيمان أو عصبيَّة تجمعهم: ما يجمعهم بكلّ بساطة هي طريقة تفكير، هي نهج حياة ولكن يمكن أنْ يختلفوا على الكثير من النقاط والسياسات. كلّ منهم يتحرّك على هواه، أو لا يتحرّك بتاتًا. من التفسيرات أيضًا أنَّ البُنى الاجتماعيَّة اللبنانيَّة لا تزال دون العقلانيَّة الحديثة، ولهذا من الصعب لها أنْ تكون على ذات موجة العلمانيّين. ويتعزّز هذا الواقع المجتمعي والثقافي المتخلّف بسبب تصاعد التيارات الدينية الأصوليَّة لاسيّما الإسلامي منها في الفضاء العربي بما ينعكس أيضًا راديكاليَّات طائفيَّة أخرى غير إسلاميَّة. من التفسيرات أيضًا أنَّ العلمانيين أنفسهم ليسوا واثقين بإمكانيَّات التغيير لا في لبنان ولا في المجتمعات العربيَّة ذات الغالبيَّة المسلمة. لا يجب أن ننسَ أنَّ الحروب اللبنانيَّة التي دامت من العام 1969 وحتى العام 1990 لم تؤدّي إلَّا إلى تدمير القوى التغييريَّة والحداثويَّة لمصلحة الميليشيات وقوى التطرّف الديني والطائفي لا سيما الإسلامي منه. لبنان بعد العام 1990 أسوء بكثير من لبنان قبل العام 1975. حتى اولئك الذين كانوا من عتاة المعارضين لجمهورية 1943 أقرَّوا بعد 1990 أنَّ ما نحن فيه اليوم لأسوأ بأضعاف مما كان عليه لبنان قبل الحروب. وعليه، ذكرى الحروب التي لا تزال حاضرة بقوّة في وجدان العلمانيّين لا تشجّعهم على الإيمان بإمكانيَّة التغيير في مجتمعاتنا العربيَّة، خاصة في مجتمعنا اللبناني، ولا تجعلهم على استعداد للمغامرة بالاستقرار الحالي، على هشاشته، من اجل مشاريع تغييريَّة لا يمكن أنْ تتحكّم بنتائجها ضمن المعادلات المجتمعيَّة والإقليميَّة والدوليَّة الحاليَّة.

ثم هناك أمر آخر: نحن لا نزال نعيش أحداث ما عُرف بــ"الربيع العربي" الذي شهدته المجتمعات العربيَّة. ما كانت النتيجة حتى اليوم؟ دمار غير مسبوق، تفكّك لدول ومجتمعات أساسيَّة في المنطقة، عودة للدكتاتوريَّات العسكرية، صعود للتشنج الديني والمذهبي بين المسلمين أنفسهم، سنة وشيعة، وبينهم وبين الجماعات الطائفيَّة الأخرى، انهيار الكثير من أشكال التعايش بين هذه الجماعات، تهجير، قتل، تشرّد، تصاعد التيَّارات التكفيريَّة الإسلاميَّة، اقتصادات مدمّرة، ولا تتوقّف لائحة المأساة الحيَّة التي لا نزال نعيشها حتى اليوم. فمن يجرؤ ضمن هكذا أجواء انْ يغامر بتهديد الستاتيكو الموجود المتمثّل بهذا التوازن وهذا الاستقرار؟

 

علمانية "من تحت"

قد يكون التوازن بين الكتل السياسية الطائفية الناتج عن هذه الانتخابات بما يمكن ان يؤمنه من استقرار في لبنان، فرصة للعلمانيّين ليحاولوا تحقيق بعض الخروقات العلمانيَّة، مثل إقرار قانون مدني للأحوال الشخصيَّة، أو إقرار تدريس مقرّر التربية على المواطنيَّة في المدارس والجامعات، أو إقرار قوانين تعزّز المساواة بين الرجل والمرأة من حيث الحقوق المدنيَّة، ونشر الوعي والعقلانية من خلال التفكير النقدي الإيجابي، وغيرها وغيرها من الخطوات التي يمكن لها أن تمهّد لعلمانية "من تحت" تحضّر مجتمعنا، لربما في يوم ما يمكن ان تصل هذه العلمانية إلى "فوق". الأهمّ أنه على العلمانيين مهمّة ألا ييأسوا بل أن يعملوا ضمن الواقع بأمل ووضوح وصدق، وإن استطاعوا ان يتنظموا، فذلك يمكن أن يجعل لهم شأنًا عظيمًا.

هذا هو التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة.

  • أستاذ جامعي متخصص في التاريخ وكاتب في "اليوم الثالث"