السؤال المفصلي الذي يطرح نفسه بقوة اليوم هو مستقبل العلمانية في سورية في ضوء الكثير من التغيّرات التي تحدث في المجتمع والتي تشكل مخاوف ومعضلات كثيرة لدى الكثير من الشرائح الإجتماعية. ومن أهم هذه التغييرات واقع التعليم وما الت اليه الامور في ظل الحرب والفوضى.

 

الربط بين الدين والتربية

مما لا شك فيه أن سورية ليست دولة دينية، بل هي بلد الموزاييك والتنوع الديني والمذهبي والقوانين المدنية السورية التي تنظم الحياة العامة في البلاد ليست قوانين معتمدة على الشريعة الإسلامية غالباً. ولكن هذا النصف المشرق ما يلبث أن يتحول إلى نصف مظلم عندما يتعلق الأمر بالمناهج التدريسية المدرسية والجامعية، فكيف يمكن اقحام الفقه والشريعة في اساس علمانية الدولة؟

نعم لسورية صفة علمانية لكن هذه الصفة اليوم على المحك لتشكل اكبر تحدٍ يواجه مستقبل سورية التي أرادت أن يكون لها موقعا بين الدول الحديثة في القرن الواحد والعشرين. والمعضلة المطروحة اليوم مرتبطة بنوع التعاون اساساً بين الجامعات والاوقاف، فهل المطلوب من الطالب الذي يلتحق بالجامعة ان يحصل على شهادة ايمان من وزارة الأوقاف؟

إن وزارة الاوقاف اليوم باتت على ما يبدو تسرح وتمرح وتريد العودة الى عصور خلت وتدعو الى معاداة التطور العلمي التنويري للاحتفاظ والابقاء على فكر ابن تيمية والقبيسيات والداعيات والمعلمات والتنظيمات السرية التي باتت تجاهر بهويتها اليوم لتأ خذ مكانا لها في سورية بعد الحرب. فعندما توقع جامعة البعث بروتوكول تعاون مع مديرية أوقاف حمص ما الذي نفهمه من هذه الخطوة وما هو السبب لذلك؟

 

خطورة إحياء الفكر المولد للتكفير

بالعودة الى العصور الغابرة وبحسب كتب التاريخ تداعى القضاة الأربعة الممثلة للمذاهب الاسلامية الأربعة إلى الوقوف موقفا واحدا ضد مخاطر ومفاسد وضلال ابن تيمية، فصدر مرسوم قلاوون الخاص بحبس ابن تيمية مدى الحياة بسبب ضلاله وفتاويه ومفاسده الدينية وهذا موثق ومعروف ومنع المرسوم من تداول أفكاره وكتبه وبقي في سجنه حتى مات فيه كما هو معلوم للجميع.

وبعد ذلك بقرون أحيت الوهابية تراث ابن تيمية كي تبرر سفكها للدماء تحت ذريعة فتاويه، لاهداف سياسية غير معلنة تحت غطاء ديني.

ونحن الآن في القرن الواحد والعشرين ومع الأسف هناك من يريد تجديد فكر وتراث ابن تيمية بثوب الاعتدال! لكن مع الأسف الشديد القضاة الأربعة من علماء ذلك الزمان كانوا أكثر إدراكا ووعياً وبصيرة لمخاطر ابن تيمية من بعض العلماء والشيوخ في قرننا هذا.

ذلك ان بعض علماء وشيوخ القرن الحالي يرونه مثالاً يحتذى به يحاولون الدفاع عنه بقولهم إن هذه الفتاوي التكفيرية ليست له وعندما تطالبهم بحذفها أو البراءة منها يطأطؤون رؤسهم خجلا وتهرباً، فأي نفاق وانحطاط أكثر من هذا؟! ويريدون اليوم اقحام هذه الفتاوئ وهذا الفكر الظلامي في المناهج التدريسية، هل هذه هي علمانية سورية التي ننادي بها للخلاص؟

 

إحياء الفكر الديني لضرب فكرة العلمانية لمستقبل سوريا؟

هل هذا انحطاط بالرؤى وعدم إدراك للمخاطر المتمثلة بفكر ابن تيمية على الأوطان أم هناك سبب مجهول آخر غير معلن نجهله؟ عندما بدأ التَّرويج لفكرة سورية العَلمانيَّة بالتزامن ظهرت هذه الافكار والبدع لتنال منها وتقضي علئ الدعوات المتزايدة لها وكان هناك خطة ممنهجة للقضاء على الفكر العلماني. وهذا العبث الرسمي بملامح الهويَّة السًّوريَّة لم يكن سذاجةً أو غباءً بل محاولة ذكية لتشتيت السُّوريين ليغنيّ كلٌّ منهم على ليلاه وتزيد الهوة والضياع.

بناء على كل ما تقدم وعلى هذه الاستراتيجية العجيبة التي وصلنا اليها اليوم، لا يمكننا القول إن المجتمع السُّوري كان في يوم من الأيَّام مجتمعاً إسلاميّاً خالصاً وإن استطاعت التَّنظيمات الإسلاميَّة المسموحة والممنوعة اجتذاب فئات اجتماعيَّة عريضة، كما لا يمكن الادِّعاء أنَّه مجتمع عَلماني. من هنا كيف باستطاعتنا التوصل الى نموذج موحد لمفهوم الدولة الحديثة في ظل غياب هوية جماعية وضياع وتشرذم ختى داخل المنظومة التعليمية؟

وبما أنَّ الفجوات والشُّقوق كبيرة اليوم من خلال وضع غير مستقر مشحون بالعصبيات، كان من الطبيعي أن تنهار جميع الرَّوابط التي قد تجمع بين الفئات الاجتماعية في سوريا. فكيف سيتم الاتفاق على دستور جديد للبلاد في ظل هذا التخبط والتشرذم؟

حالياً يمكننا القول إنَّ لكلِّ عشرة أشخاص في سورية انتماءهم الخاص الذي يميزهم كبصمة الإبهام. والمحزن أنَّه حتَّى الحلقات المشتركة مفقودة ولا وجود لمحاولة جادَّة أو فعَّالة لوضع أسس جديدة لمجتمع جديد تجمعه هويَّة وطنيَّة قائمة على احترام الآخر مهما كان عرقه أو طائفته أو توجهه السِّياسي. فضلاً عن كون المؤسَّسات الرَّسميَّة والأهليَّة المعنيَّة بإعادة تكوين هويَّةٍ وطنيَّةٍ جامعة كلُّها مغيبة ومعطلَّة وهذا ما تثبته ازمة المناهج التريسية الجامعية وطريقة العبث بها.

 

صراع الهويات تقسيمي

إن هذا يعني أن التَّقسيم إن لم يحدث على أرض الواقع حتَّى الآن إلَّا أنَّه حصل على مستوى الهوية ونخشى ان يكون ما خفيَ أعظم. فكيف السبيل الى انقاذ المجتمع من خلال انقاذ منظومة التعليم وتوحيدها لانقاذ ما تبقى من هوية جامعة تحت لواء العلمانية؟!

  • أستاذة جامعية سورية مقيمة في الولايات المتحدة وكاتبة في "اليوم الثالث"