تتصاعد وتيرة السجال في الشارع السوري وعلى مواقع التواصل الاجتماعي حول الشكل الدستوري المستقبلي والدستور الجديد وتتمحور حول سوريا العلمانية. الموضوع لا ينحصر بمن أيد ومن عارض بل الأهم هو إيجاد مصطلح أو شكل للعقد الاجتماعي القادم الذي من شأنه أن يوحد الشعب السوري.

 

ضبابية مفهوم العلمانية

نحن اليوم نعاني من غياب واضح لدور النخب الفكرية في الحياة العامة إما بسبب إبعادهم عمداً، أو بسبب تفضيلهم الإنزواء في أبراجهم العاجية لكن في الوقت نفسه علينا الإعتراف أن الغوص في موضوع العلمانية ليس بهذه البساطة والسبب أن مستوى الجهل بهذا المصطلح كبير. إذ كيف سنقنع الجميع أن العلمانية ليست كفراً، وأن ممارسة الشعائر الدينية ليست نقيضاً للعلمانية. كما أن اللافت هو مناداة الشرائح الدينية بالديمقراطية مع تحفظ البعض على موضوع العلمانية بل ومحاربته احيانا اما عن جهل او عن قصد.

 

بين العلمانية والدين

وما يجهله البعض هو ان العلمانية كايديولوجيا تقبل التخصص الوظيفي للدين، وفي هذه الحالة يزول سوء الفهم لأن هذا نموذج معتدل يتناسب مع طبيعة مجتمعنا. فعندما يتم فصل السلطة الدينية عن السلطة التنفيذية هذا يعني حماية للطرفين، وعلى الأخص حماية السلطة السياسية من سيطرة رجال الدين.

ان الدولة بالمطلق ترتكز على ثلاثة اقانيم، الأرض، الشعب والنظام السياسي . فيما يتعلق بالشعب السوري، فهو بمعظمه علماني بحكم التنوع المذهبي لكن هناك من يحاول اثبات العكس لتمرير نوايا خفية، كطرح أسئلة من نوع، كيف نكون علمانيين وقد خرج من مجتمعنا كل هذا التطرف والإرهاب؟! وهذا تساول مشروع والحديث عنه يطول.

كما أن العلمانية لا تمنعنا من إظهار الرموز الدينية. هذه المغالطة للأسف يقع فيها من يقوم بالخلط بين اللادينية والعلمانية، حتى في فرنسا عندما اعتمد قانون منع المظاهر الدينية كان مجرد التفاف على العلمانية لدواع أمنية لا أكثر.

 

علمانية خاصة بسوريا

العلمانية كمفهوم قام عليه النظام السياسي في سوريا لم نطوره ولم نستفد منه لأن النظام السياسي لم ينجح تماما في تعميم هذه العلمانية، فهل نحن بحاجة لتطوير نظامنا السياسي ليتبنى صراحةً العلمانية على غرار الدستور الفرنسي؟ هذا أمر يتمناه معظم السوريين الراغبين برؤية بلدهم محصن من التطرف والتكفير، ولكن علينا الأخذ بعين الاعتبار ان الدساتير وحدها لا تحصّن، فمثلاً دمر نظام العدالة والتنمية علمانية أتاتورك!

إن تبني الدستور بشكل واضح وصريح لعلمانية الدولة هو أمر له سلبيات. ففي سوريا المستقبل التي قد ينص دستورها على علمانيتها لا يوجد مؤسسات دينية مثلا لا تسدد فواتير الكهرباء والماء، فالقضايا الدينية تكون مسيرة من جهات مستقلة.

ان الوصفات المعلبة في العلمانية قد تؤدي إلى نتائج معاكسة لما يسعى إليه مفهومها الأصلي ان كانت تفتقد للوعي. والحل يكون بتطبيق علمانية سوريا تتناسب مع طبيعتنا المجتمعية لا تستثني أحداً وبالأخص أن المؤسسة التشريعية في سوريا أثبتت عجزها عن مواكبة ارادة المجتمع. كما أن العلمانية المنشودة يجب ان تخضع لقوانين وضعية وصولاً لـسوريا العلمانية في ظل مواطنة صحيحة.

  • أستاذة جامعية سوريا مقيمة في الولايات المتحدة وكاتبة في "اليوم الثالث"