توسع النقاش في الحرب السورية حول معنى الطائفية واتخذ اشكالاً مختلفة حتى بات الإتهام بالطائفية امراً شائعاً، وأصبح يُنظر إلى الأشخاص ليس فقط من زاوية الأداء السياسي فحسب وإنما من منظور الطائفة التي ينتمون إليها. ليس المقصود هنا بكلمة "الطائفية" الانتماء لطائفة لكن التمسك بمصالح طائفة معينة في مواجهة طوائف أخرى، والتعصُّب لطائفة ضد طوائف أخرى حيث يصبح هناك فئات اجتماعية لها تاريخها الخاص في معاداة الآخرين .

 

الإيديولوجيا الوهابية عززت الطائفية

ولا شك أن جذور هذه الظاهرة كانت موجودة سابقاً لكنها لم تكن بارزة للعيان. فقد طفت على السطح مع توسّع دور المجموعات السلفية الوهابية التي شكلت القاعدة المفصلية لهذه الحرب القذرة، وأدت بالتالي إلى ارتدادات لدى فئات أخرى ضمن المجتمع باتت ترى الأمور من منظور طائف، واستمر الخلط لدى العديد بين الطائفة والطائفية،علماً ان الطائفة هي وجود وكيان موضوعي ضمن المجتمع وليست حالة طارئة، اما الطائفية فهي الجسم الغريب المبني على اساس ايديولوجي قوامه الإقصاء والتكفير.

 لا أود البحث في مسألة الطوائف التي تقوقعت على ذاتها بعد التصدع الكبير الذي طال المنطقة وجعلها تنغلق على ذاتها في مواجهة توسع الأصولية التي أنتجتها فتاوى ابن تيمية، مع الإشارة إلى أن الغريب في الموضوع ان هذه الفتاوى لاقت ارضية وتربة خصبة لتمددها.

وهنا السؤال الذي يُطرح نفسه بشدّة لماذا تم خرق هذا التعايش التاريخي أي لماذا اخذ الصراع شكل حرب بين الطوائف؟

 

دور القراءة الغربية

لتوضيح هذه النقطة اعود الى بعض مناهج البحث الغربية التي انطلقت باحثة عن مصطلحات معينة لفهم طبيعة هذا الشرق في ظل رياح الفوضى العارمة. وكان مصطلح القبيلة حاضراً وكأنها الكلمة المفصلية وربما جرى تفسير الكثير من الأحداث انطلاقاً من ذلك، لكن كان مصطلح الطائفة والأقليات الذي اتحفظ دائماً عليه قائماً، وجرى تحليل كثير من الوقائع انطلاقاً من هذه النقطة. 

 

الإستخدام السياسي للدين

الواضح في مسار التطور التاريخي عموماً أن الدين كان دائماً يتقلص من إيديولوجية تريد الهيمنة وإنتاج دولة إلى معتقدات وعبادات أقرب لأن تكون شخصية او فردية يمارسها الفرد ويتوارثها الأبناء وهذا ما كان يجعل التمايز بين الأديان والطوائف شكلياً ومن ثم كان التعايش أمراً طبيعياً. لذلك لم يكن الاختلاف الديني أو الطائفي هو الذي فجّر الصراعات في المنطقة لكن التدقيق في الصراعات التي حدثت على أساس طائفي أو ديني، سوف يثبت أن هنالك سبباً مادياً هو الذي أفضى إلى انفجار الصراع، إذ تؤدي المصالح الشخصية والسياسية إلى تحريض يتخذ شكلاً دينياً أو طائفياً يؤدي إلى إحتراب، ولكن طبيعة الأشياء تثبت انه سرعان ما ينتهي.

 

أداة في يد الخارج ونخب حزبية

أي متابع لمجريات الحدث في السنوات الأخيرة على الساحة السورية، سوف يخلص الى ان الصراع اتخذ أبعاداً طائفية بسبب تدخلات دول اقليمية وتوظيف قوتها الناعمة والخشنة بما يخدم مصالحها ضمن سياق طائفي. وهي عملية ليست ذاتية أي انها ربما لا تنبع من شخصية الأفراد، بل تحرّكها اسباب إما اقتصادية أو سياسية، بحيث يسمح لهؤلاء الأفراد الإنسياق نتيجة تحريض معين او بسبب ظروف يعيشونها. وبالعودة الى التاريخ نجد أن الطائفية ليست بظاهرة جديدة على المجتمع السوري فالعثمانيون هم اول من قسم هذا المجتع على اسس طائفية ومن ثم اصبحت الولاءات بحسب العشائر والمناطق والطوائف.

وفي هذا السياق اذا بحثنا عن المصالح لدى الفئة المحرِّكة للمجموعة، نجد ان استخدام الطائفية هو لخدمة مصالح الفئة المحركة، بينما ينتمي اليها اشخاص وينخرطون في صراعات ليس لهم مصلحة فيها. فمثلاً هناك تحولت أحزاب الشيوعية والقومية في المشرق، وهي مفترض انها تضم الفئات المهمشة التي كان بأمكانها ان تصبح قوة تغيير هائلة، اضحت تخضع لسيطرة أيديولوجية طائفية في بعض الدول ولمصالح فئات بورجوازية هدفها تحسين وضعها في الوطن.

 

آفاق ما بعد انتهاء الحرب

لذلك  نجد تحولاً لشكل الطائفية كأيديولوجية محورها العداء للآخرين الى مضمون. وبعدما كانت تلك الأيديولوجية تسير نحو التلاشي اصبح يُعاد إنتاجها والـتثقيف بها، ومثال على ذلك افغانستان وباكستان خلال حقبة الثمانينيات وكيف لعب المال السياسي وغسيل الأدمغة بعقول البسطاء من اهل الأرياف وجعلهم يتحولون الى الوهابية، وهذا السيناريو تكرر على الأرض السورية.

نحن اليوم نقف على مشارف انتهاء الحرب في سوريا في مرحلة مفصلية ودقيقة،  سوف تتحدد فيها ملامح هوية جديدة لجيل بأكمله، مما يجعل فترة ما بعد الحرب اكثر تعقيداً ضمن منظومة الولاءات المتواجدة على الأرض.

  • أستاذة جامعية سورية مقيمة في الولايات المتحدة وكاتبة في "اليوم الثالث"