جمع بين مسيحيي لبنان وسوريا بنظامها الحالي سوءُ تفاهمٍ تكرَّس في الحرب اللبنانية وخاصةً بعد افتراق الخيارات على مفصل التحول في موقع مصر في العام 1978، وجوهر سوء التفاهم هذا يكمن في ما منع حتى العام 2005 من بناء أي طرفٍ مسيحي لبناني وازن علاقةً إيجابية مع سوريا، والمتمثل في قراءة المسيحيين اللبنانيين لدورهم على أنهم "أم الصبي" ورعاة مشروع وطن للحريات والحفاظ على التنوع وسيادته. بكلامٍ آخر تصرفوا كمسؤولين عن البلد الذي قادوا تأسيسه وليس كمجموعة لبنانية تريد مجرد مواقع وحصص في الدولة، الطرح الذي كان له لو طُبق أن يبني قاعدة تفاهمٍ قوية مع دمشق وبقيَ مدار نقاشٍ وخلاف كبير في الأوساط المسيحية من الحرب وحتى انسحاب القوات السورية: هل نتعاطى في الداخل ومع دمشق من منطلق الحفاظ على ما نراه ثوابت سيادية ووطنية، أو نتحالف مع سوريا من أجل تمتين حضورنا في النظام السياسي من منطلق الواقعية السياسية، ونخفف عن أنفسنا عبء المواجهة وتكاليفها؟

قُدمت لهم المغريات والتنظيرات الكثيرة، لكن كانت الغلبة لمقاربتهم الأولى بغالبية تياراتهم وقواهم السياسية، وخاصةً بعد فشل رهان القوات اللبنانية على الطائف وإدخال قائدها سمير جعجع إلى السجن وبالتالي انضمامها إلى العماد ميشال عون في معركة الرفض لتداعيات الطائف. اختاروا طبيعتَهم بما حملوه من قيمة مضافة إلى هذا الوطن نتيجة تاريخهم الطويل وعلاقتهم الثقافية والفكرية مع غرب التقدم والحداثة وأدَّت بهم إلى حمل مشروع النهضة اللبنانية والعربية.

 

سوء التفاهم التاريخي

هذا في سوء التفاهم على صعيد الخيارات السياسية. لكن في العمق، سوء تفاهم تاريخي بين الجانبين نتيجة أقدارِ الجغرافيا وحركة التاريخ. المسيحيون والموارنة يقودون تأسيس لبنان الكبير من أجل أن يكون لهم في هذا الشرق وطنٌ ويقبضون على الدور السياسي الريادي فيه، بالتحالف مع فرنسا، وفي دمشق حكمٌ وأنظمة نواتها الشعور العروبي، تواجه الإنتداب وتنظر إلى الدول الجديدة على أنها "مُقتطعة" منها. وزاد من البعد في المقاربات والرؤى تعاقب أنظمة عسكرية سلطوية في دمشق، في مقابل تأسس لبنان على قاعدة الديموقراطية والحريات السياسية، مهما كانت تشوهاتها وعلّاتها و"الإتهامات" الموجهة إليها.

عاملان جوهريان في السياسة والتاريخ أسسا لعلاقةٍ قوامها الإفتراق والصدام وسوء الفهم. "إيدك عن لبنان" أغنية "حربجية" كانت تعبيراً عن هذا الشعور المسيحي الوجداني الذي ترسّخ على إيقاع الرصاص والقذائف، وأيضاً عبرَ خطابٍ فكري وإعلامي زاد من ترسيخ صورة "العدو" في العقل المسيحي اللبناني على أنه "السوري" الذي يريدُ السيطرةَ على لبنان وابتلاعَه واستخدامَه.

 

الصراع ليس قدراً

لكن في المقلب الثاني لهذه الصورة السيئة لعلاقات مجتمعين مشرقيين مترابطين ودولتين تجمعهما الجغرافيا، أنَّ الصراع ليس قدراً ولا عدمياً يتواصل إلى ما شاء الله، ولا يزول بزوال مبرراته وموجباته. فسوريا التي كان للقوى المسيحية – وغير المسيحية - الرئيسية الدوافع للصدام معها نتيجة هيمنتها أو "وصايتها" على لبنان، انسحبت وانكفأت إلى حماية نظامها من الهجمة الأميركية عليه وفي داخل أروقته، في حين واصلت تركيبة قوى 14 آذار الرهان على إسقاط النظام، وامتدّ الرهان إلى الحرب السورية التي سقطت فيها خيارات هذا الفريق ورهاناته على مسرح التحولات الدولية والصعود الروسي وأحكام الجيوبوليتيك والإنكفاء الأميركي عن دولةٍ ترسّخ فيها النفوذ الروسي منذ العام 1957 وليس لواشنطن مصلحة استراتيجية فيها.

يُدرك العارفون بخيارات العمود الفقري للمنظومة المسيحية السياسية والعسكرية خلال الحرب أنهم طمحوا إلى، وعملِوا، على محاولة كسر إرادة سوريا في لبنان، لكن لم يُعرف أنَّ هذه المنظومة وفي أوج صراعها مع دمشق كانت تسعى إلى إسقاط النظام. أقصى خطوات القوات اللبنانية والجيش اللبناني كانت التحالف مع صدام حسين والحصول على المال والسلاح الوفير، وهذا ما يقال إنَّ السوريين كانوا يقلقون منه وركزوا عليه في متابعاتهم الأمنية وحواراتهم، بحسب مواكبين لمسار العلاقات المسيحية – السورية. أما خطابات بشير الجميل المتضمنة تلميحاً إلى "السرور" بصدامات حافظ الأسد مع "الأخوان المسلمين"، والغضب الذي كان يصبُه العماد ميشال عون في أيام المنفى مستخدماً وقائع أحداث حماة وغيرها فلا تخرج عن السياق الزمني والتاريخي لحالة الصراع لا التي يُنتظَر فيها أن يكون خطابها مبنياً على الورود والنفاق، وإلا أصبحنا أمام قراءة "سلفية" سياسية تنزع الخطاب الإعلامي من أعوام 1979 و2002 وغيرها، وتستخدمه بحرفيته بعض القوى المسيحية راهناً لتبرير خطابها التعبوي المستمر ضد سوريا، ومن أجل شدِّ عصب في صدامٍ انتهت موجباته منذ زمن بعيد.

هل نعرف سوريا فعلاً؟

كتب مرةً المفكر نبيل خليفة في كتابه "الإستراتيجيات السورية والإسرائيلية والأوروبية حيال لبنان" أن على المسيحيين اللبنانيين ألّا ينظروا فقط إلى سوريا من وراء هضبة حريصا، بل وكأنهم في دمشق نفسها ليستطيعوا قراءة العقل السياسي لحاكمها ونظرته تجاه لبنان. لكن الواقع ودوافع تأمين مصلحة المسيحيين تستوجب ما هو أكثر، إلى قراءة سوريا من داخلها وعلى وقع مجريات انفجارها في العام 2011، ليبنوا سياسات تحقق مصلحتهم وتحافظ على ثوابتهم.

فعدا إنتاج علاقة لبنانية – سورية سليمة، تتجاوز موروثاتُ الماضي وهواجسه والبحث عن المصالح المشتركة، وخاصة لجهة ملف النازحين الذي يريد البعض استخدامه في الصراعات اللبنانية الداخلية، هناك سوريا أخرى يجب أن تقرأها كل القوى المسيحية، والشباب منهم في صورةٍ خاصة. فسوريا المنفجرة eclatée هذه هائلة التنوع بحراكها الإجتماعي -عدا جغرافيتها التي عرّفتنا الحرب الدامية عليها- بحيوية نخبها ولو تحت القبضة السلطوية، بصراع مُدنها وريفها، بتحالف طبقة التجار السُنّة مع نظامها الأمني ذات التأثير العلوي والذين منعوا انتقال الصدام إلى دمشق وساعدوا فعلياً حافظ الأسد في الثمانينات، بإدارة نظامها لإسلامها الديني تارةً بالتهادن وتارة بالقسوة، والأخطر إنتاج هذا الإنفجار الوحش التكفيري الذي عبثَ بتنوع سوريا ومن ضمنه حضورها المسيحي الفاعل. هذه "السوريا" يصبحُ التعاطي معها انطلاقاً من قراءات الماضي "السلَفية" فقط من أجل إنتاج أجيالٍ جديدة مشحونة بالتعبئة على قاعدة "إعرف عدوك السوري عدوك"، ضرباً لمصالح لبنان ومصالح مسيحييه الذين لم يقاتلوا في الحرب ويناضلوا في السلم لهواية الصراع.

 

الفصل بين السيادة وإسقاط النظام

العامل الثاني في إعادة إنتاج قراءة مسيحية لبنانية جديدة للعلاقات مع سوريا الحاضرة، هو فصل مسألة "السيادة" وتحقيق مصلحة لبنان عن الإنخراط في "ألعابٍ" سوريةٍ داخلية، ومميتة. إنَّ لبنان، عدا أي قوة طائفية أو سياسية فيه، وعدا عن بُعد المصلحة، أعجز عن الدخول في رهاناتٍ سوريّة داخلية لا تفيده أصلاً وتحمل معها ارتدادات صراعات الداخل السوري عليه. فهذا التنوع والطبقات المُكثفة لديناميكيات في سوريا كافٍ بقطع أيِّ يدٍ تمتد على هذا الداخل الحامل معه إرثاً من انقلاباتٍ كثيرة ومن صراعات اتجاهاتٍ فكرية، فضلاً عن النزاع الكبير قبل الإستقرار الذي أرساه حافظ الأسد حول موقع سوريا بين المحاور العربية المتنازعة، من مصر إلى العراق والسعودية.

وهذا "الفصل" بين خيار السيادة ورهان إسقاط النظام في سوريا، هو جوهر خطوة العماد ميشال عون إلى التصالح مع سوريا بعد العام 2005 وبدءاً من مؤتمر باريس في 21 تشرين الأول 2004، متصالحاً مع الماضي لكن من دونِ أنْ يأسر نفسه في شرنقةٍ تؤدي إلى الجمود وبالتالي فقدان المبادرة والوصول إلى خسارات متتالية على صعيد قراءة التحولات في جوارنا.

 

"العدو" البديل والحقيقي

هذا إذا استثنينا مسألة النظام البديل في سوريا الذي كان يمكن أن يحكمها لو قُيضَ للإنتفاضة المنزلقة إلى حرب تكفيرية واستخداماتها الإقليمية، أن تنتصر. في ذاكرة الشباب المسيحي اللبناني صدامات مع خصمٍ عرفوه، لكنه نظام دولةٍ مبني على إيديولوجية بعيدة عن التوظيف السياسي للدين لا بل يحاربها، وللأجيال الطالعة أنْ تقرأ عن مواجهات "الأخوان المسلمين" مع البعث منذ ستينات القرن الماضي والسعي لإقامة نظام إسلامي، وأن يتطلعوا إلى تجربة "الأخوان" حين سيطروا على مصر وحاولوا حكم سوريا بالتضامن مع تركيا العثمانية، ليعرفوا أن الخيارات ليست دائماً بين أحلامٍ وردية ب"ديموقراطية" ليبرالية وبين نظام سلطوي، بل غالباً ما أنجبت الصراعات العربية وحوشاً أقساها ذلك الذي يتلطى بثوب الدين والتطرف، وتمثل بالتالي "العدو" الحقيقي.

 

إن بناءَ سياسات تستند إلى تحقيق المصلحة اللبنانية، ومن ضمنها المكون المسيحي، لا يمكن أن يتم عبر التعبئة التي تمارسها قوى حزبية مسيحية و"التجمد" في الماضي من دون قراءة الحاضر والتطلع إلى مستقبل لا مصلحةَ فيه إلا بالإستقرار للبنان وحماية حرياته وتنوعه وخصوصية نظامه الديموقراطي، وتتحقق فيه علاقة سوية بين لبنان وسوريا.

لنقرأ سوريا ومجتمعها جيداً قبل أن نبني سياساتٍ لعلاقات لبنانية سورية، ونصوغ مقاربات في عقل المكون المسيحي في صالحه وصالح لبنان...

  • صحافي وباحث سياسي، رئيس تحرير موقع "اليوم الثالث" ومنسق الأبحاث في "معهد الدراسات المستقبلية".