شهدت السنوات الأخيرة جدلاً حاداً بشأن مفهوم الدولة المدنية وخصوصا في ظل الحرب السورية وما رافقها من تداعيات كثيرة جعلت من العلمانية والمجتمع المدني ضرورة ملحة وحيوية للخروج من هذا الكمين التاريخي. ولكن هذا ليس بالأمر السهل، فأصحاب فكر الإسلام السياسي يرفضون رفضاً قاطعاً مبدأ الديمقراطية والعلمانية، ويوافقون على استخدام مفهوم الدولة المدنية ظناً منهم بأنها لا تتعارض مع التعاليم الدينية ولا علاقة لها بالفكر والإلحاد.

 

الضياع التاريخي

ومن هنا أتطرق الى العلاقة بين الدولة المدنية والعلمانية، هل من قاسم مشترك بينهما؟ هل يكملان بعضهما البعض؟ ومن هم العلمانيون؟ هم المدنيون في التعريف الكنسي في مقابل رجال الأكليروس (أي رجال الدين)، ولهذا عُرفت الدولة العلمانية على أنها النموذج المقابل للدولة الدينية بالمفهوم الكنسي الذي ساد في العصور الوسطى، واستعمل البعض كلمة العلمانية على أنها فصل الدين عن الدولة أو فصل الكنيسة عن الدولة. وتطرف البعض في تعريف العلمانية فذهب الى أنها النموذج المضاد للدين والتدين، كما عرّفها البعض على أنها الموقف المحايد من الدين فوقعوا في خطأ جسيم مما سبب حالة من اللغط عند العامة التي وصفتها بالهرطقة وما زالت الأراء المغلوطة تستولي على عقول شريحة كبيرة من الناس.

 

المدنية لإدارة التنوع

ونظراً للظروف المختلفة في منطقتنا ومجتمعاتنا الشرقية، يبقى النموذج الأنسب في التعبير عن الدولة غير الدينية هو الدولة المدنية، فهي الدولة التي يتولى فيها شؤون البلاد أهل الاختصاص في الحكم والإدارة والسياسية والاقتصاد وليس علماء الدين أو رجال الدين، وكذلك هي الدولة القائمة على مبدأ المواطنة الحقة بغض النظر عن الدين أو المذهب. وهذا ما يميز مجتمعاتنا المشرقية بطبيعة الحال التي تتميز عن بقية الدول العربية بالتنوع، فالتنوع الديني لا يحكم الا من خلال مدنية علمانية وان اختلفت طرق تطبيقها عن المتعارف عليه في المجتمعات الغربية. 

 

الإنهيار الحتمي للدولة الدينية

ومن هنا نقف نحن أمام حقيقتين يجب الانطلاق منهما عند التفكير بشكل الدولة المثالية في بلداننا المشرقية فيما يتعلق بالعلاقة بين الدين والدولة وهما حقيقة شكل هذا المفهوم في وقتنا الراهن، وحقيقة بنية الدولة المعاصرة التي أخذت شكل الدولة المدنية من جميع الوجوه والتي أصبحت واقعا لا يمكننا الهروب منه.

وعليه فإن كل تفكير بإنشاء دول على أساس ديني هو أمر متناقض مع التاريخ ومع جوهر الدولة المعاصرة، وإن حصل وتمّ بناء دولة دينية بالقوة المسلحة فإن عمرها لن يطول وستزول بعد أن تخلف وراءها كارثة اجتماعية وإنسانية وأخلاقية كبيرة وهذا ما اثبتته التجارب التي عصفت بمنطقتنا في السنوات الأخيرة.

 

لا تتناقض مع الدين

أكرر السؤال، ما المقصود بالدولة المدنية في مفهومها الذي نحتاجه اليوم؟

الدولة المدنية هي تلك الدولة التي تنشأ وفق معايير المواطنة المعاصرة بوصفها ثمرة عقد وطني واجتماعي تم بناؤه بتوافق حر ومتكافئ، بالإضافة إلى معايير المحافظة على الحق الطبيعي والحق الاجتماعي للأفراد والتعددية الدينية واحترامها، والتخلي عن تعبير الأقليات والأكثرية التي تنسف مفهوم المواطنة.

والمقصود بالدولة المدنية هنا هي الدولة التي تحافظ على حق الانتماء الديني، فليست متناقضة مع الدين كما يظن البعض، بل متناقضة مع الدولة الدينية بمعناها القديم التقليدي أو بمعناها الإيديولوجي، وهذه الجزئية هي سبب اللغط وسوء الفهم عند الناس. 

 

علاقة الدولة المدنية بالإستبداد

والسؤال الذي يطرح نفسه ويجب توضيحه لتفادي اللبس، هل أن الدولة المدنية في حال وقعت ضحية صراع داخلي على السلطة وتحولت إلى دولة استبدادية سالبة للحق الذي أشرت إليه، تبقى دولة مدنية؟ الجواب كلا، ولهذا فالدولة المدنية هي نقيض للدولة الاستبدادية، سواء أكانت دينية أو علمانية متطرفة لأن كلي الدولتين تقعان في تناقض مع الحق المدني المتمثل بحق المواطنة، وهذا من شأنه أن يفتك بالعلاقة القائمة في المجتمع التعدّدي، فتصبح في المجتمع فئة ضد فئة ومذهب ضد مذهب وطائفة ضد طائفة. ولهذا ففي الدولة المدنية ليس التسامح منة من فئة تجاه فئة أخرى، بل هو جزء لا يتجزأ من بنية الدولة التشريعية وحق لجميع المواطنين على السواء.

 

هي الحل للصراعات الدينية

إن الدولة المدنية هي دولة التسامح بالضرورة، ودولة التسامح هذه تقضي على أي نوع من أنواع التفاوت على أساس الدين والعرق والمذهب، وبالتالي تقضي على أي شكل من أشكال الصراع على أساس ديني أو مذهبي وبخاصة شرط التعصب الديني الذي ينشأ من خطر التفاوت {الديني المذهبي} وتغذية أيديولوجيا تطيح بحقيقة التسامح داخل الدين نفسه في كثير من الأحيان.

من هذا المنظور فقط تكون الدولة المدنية في بلداننا التي تشهد الآن صراعات مغلفة بغلاف أيديولوجي زائف، سياسياً كان أم دينياً، هي الحل الأمثل والصحي لاستعادة الحياة الطبيعية ولبناء مجتمع يحترم حريّة الأفراد في العبادة وممارسة الشعائر الدينية وبناء دور العبادة من دون خوف ومنة من أحد.

  • أستاذة جامعية سورية مقيمة في الولايات المتحدة وكاتبة في "اليوم الثالث"