لـمقاربة هذه الـمسألة الدقيقة، أودّ أوّلاً أن أتناول أزمة القيم الأخلاقيّة من خلال بعض التساؤلات والـملاحظات مستندًا، ولو باقتضاب، إلـى أقوال بعض الـمفكّرين:

          الأزمة الأخلاقيّة ليست وليدة زمنٍ مُعيّن. من يطّلع عن كثب على الدراسات الأخلاقيّة منذ الفلاسفة القدامى حتّى أيّامنا هذه، مرورًا بتعاليم الأديان، يكتشف أنّ القيم الأخلاقيّة كانت دومًا في أزمة. إليكم ما قال الفيلسوف الروماني شيشرون (106 ق.م.-43 ق.م.) في خطابه أمام مـجلس الشيوخ الرومانـي متّـهمًا القنصل كاتالاينا الذي كان يُعدّ مؤامرة للإطاحة بالـجمهوريّة الرومانيّة آنذاك: « إلى ما متى يا كتالينا ستستغلّ صبـْرنا ؟ كم من الزمن سنبقى ألعوبة جنونِك ؟ إلى مـتى ستتمادى في وقاحتك الـجامـحة ؟ ثـمّ أضاف في آخر خطابه قائلاً: ما هذا الزمن ! ما هذه الأخلاق ! » (O tempora ! o mores!)    

 

مسؤولية الإنسان       

في القرن الثامن عشر، وفي غمرة عصر الأنوار الناضح بالتسامـح والـحريّة واحـترام الإنسان، اعتقد فولتير في كتابه  مقالة في التسامح بأنّ التعصّب سيزول مع زوال الأديان. كان يقول: « لا يـمكن أن يـخطر على بال اللامتديّنين أن يبيدوا بعضهم بعضاً، لأنّـهم استناروا بقيم عصر الأنوار وتدرّبوا على الاحترام والتسامح ». إلاّ أنّ التاريخ كذّب فولتير وأظهر هشاشة هذا القول. فالرعب الذي ساد إبّان الثورة الفرنسيّة، والثورة البولشفيّة، والـحركات النازيّة والفاشيّة، والـحربان العالـميّتنان والـملايين الذين قتلوا من قبل بول بوت رئيس وزراء كمبوديا، وملايين الأرمن الذين قتلوا على يد السلطنة العثمانيّة، وملايين الفلسطينيّين الذين شرّدوا في العالـم من قبل ما يُسمّى بالشعب الـمختار بتعهّد من وزير خارجيّة بريطانيا بلفور)[1]، هذا الرعب ارتبط أيضًا بالإلـحاد والعلم والآلة الحربيّة. ولعلّ الفيلسوف فريدريش نتيشه كان أوّل من قال بوضوح في أواخر القرن التاسع عشر، وكأنّه يتنبّأ بـما سيحدث: « قرن من البربريّة يلوح في الأفق يكون العلم في خدمته ». الـمشكلة ليست في القيم وحدها، الـمشكلة في الإنسان وطموحاته الـتي لا تعرف حدودًا.

      

هذا يعني أنّ الإنسانيّة ليست على حقّ حين تفتخر وتتباهى بتاريـخها العلميّ الـحديث. لا شكّ أنــــّها توصّلت إلى إنـجازات رائعة في الـمجالات الـتقنيّة والإلكترونيّة، إلاّ أنّـها أظهرت عجزًا كبيرًا في تنظيم العلاقات بين الناس، لا بل أسـهمت وسائل التواصل العالية في تقطيع الأوصال بين الشعوب. ما حصل منذ مطلع القرن العشرين وما يـحصل الآن من حروب ودمار، ليس سوى دليلٍ واضح على هـمجيّة الإنسان ووحشيّته. الأزمة ليست أزمة قيم أخلاقيّة فحسب، بل أزمة إنسان، أزمة في بنية الإنسان، أزمة في مفهوم الرقيّ والتطوّر...

         

بين الدين والفكر الإلحادي

وفي سياق آخر، ربّ قائل: ماذا عن الأديان؟ أوليست هي الـملاذ الوحيد الذي يضمن للإنسان حياة شريفة وراقية؟ ما نراه من تقاتل وصراع باسـمـها يزيدنـا قناعة بأنّ الفكر الأحاديّ والإقصائيّ، سواء أكان دينيًّا أو إيديولوجيًّا لا يقل خطورة عن فكر الذين يرفعون شعار الإنسان في مكان ما إلى حدّ القدسيّة، ويـمعنون في التنكيل به في مكان آخر. ما يُعـبّر عنه اليوم بالتعبير اللاتيني التالي: intra muros, extra muros، )داخل الأسوار وخارج الأسوار(، أي تـُحترم القوانين والقيم في الدول الغنيّة (كالاتـّحاد الأوروبّي وأمريكا الشماليّة) وتُداس في باقي الدول، بسبب النظرة الفوقيّة السائدة حتّى اليوم، وبسبب عدم النضج في هذه الـمجتمعات.

أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية