نأتي إلى المقال الثالث والأخير من هذه السلسلة، وقد خصصناهُ لحوارٍ كاملٍ مع أحد المهتمين بالشأن الثقافي المصري، وهو الدكتور "أشرف راضي" الكاتب والمثقف.

وقد حملنا إليه ما في جعبتنا من تساؤلات تتماس مع واقعنا الثقافي ومشاكله، وإلى نص الحوار:

 

تداعيات الصراع بين الفكري التقليدي والثقافة الحديثة

  • في ظل دعوات السيد الرئيس المتكررة بضرورة تجديد الخطاب الديني كخطوة في مواجهة التطرف والإرهاب، ما الدور الذي يمكن أن تساهم به وزارة الثقافة بهيئاتها المختلفة في مواجهة "الفكر التكفيري/الإقصائي" الذي يُمثِّلُ أرضيةً خصبةً للتطرف والإرهاب؟

عند استحضار الثقافة في علاقتها بالتطرف والإرهاب، لابد من التمييز بين ثلاثة مستويات أساسية لما نقصده بالثقافة، وهذا مدخل مهم لتحديد البيئة والإطار الذي تعمل من خلاله وزارة الثقافة..هناك أولاً مفهوم الثقافة بالمعنى العام والشامل والذي يشير إلى كل ما يرتبط بالنشاط الذهني في المجتمع، أو ما يعرف بالبناء الفوقي في بعض مذاهب التحليل الاجتماعي، تمييزا له عما يعرف بالبناء التحتي المرتبط أساساً بالإنتاج المادي للمجتمع.

والثقافة بهذا المفهوم الواسع هي معطى من المعطيات الأساسية للمجتمع، تتشكل من خلاله الأفكار والقيم والتصورات عن العالم، وتتأثر بالعديد من العوامل التي تساهم في صنع هذه الأفكار والقيم والتصورات، ويعد الدين السائد أو الديانات السائدة في المجتمع مكوناً رئيسياً من مكونات هذه الثقافة إذ يلعب دوراً محورياً في تشكيل القيم والتصورات عن العالم. الثقافة بهذا المعني قد تكون هي المشكلة وهي المعوق للتقدم، ومن ثم فإنها تكون هي ذاتها بحاجة إلى الإصلاح والتغيير. وعنيت مدارس التحديث المختلفة بهذا البعد من أبعاد الثقافة.

ويمكن الحديث في هذا الصدد عن ثقافات فرعية داخل المجتمع، سواء ارتبطت هذه الثقافات بقوى اجتماعية محددة أو بمهن محددة أو بمستوى التنمية في المجتمع، كالحديث عن ثقافة الريف والحضر أو الثقافة التقليدية والثقافة الحديثة التي ترتبط بالتعليم والتفاعل مع المجتمعات الأخرى والتيارات الفكرية في العالم، أو الحديث عن ثقافة الفلاحين والعمال والموظفين.

 

لكن يظلّ البعد الأهم في هذه النقطة في الحالة المصرية، في رأي كثير من الدارسين وعلى رأسهم الدكتور جابر عصفور ومن قبله طه حسين ولويس عوض وأنا أؤيدهم، أن المشكلة الرئيسية في مصر تتعلق أساساً بالصراع بين الثقافة التقليدية التي يغلب عليها التفكير التقليدي المرتبط بالدين وتحديدا بهيمنة التصور التقليدي للدين، الذي يتصور أن هناك طريقاً واحدة صحيحاً للإيمان وبين الثقافة الحديثة، وهي ثقافة وافدة إلى المجتمع تحمل قيما مغايرة تشكلت في سياق تجربة المجتمعات الأوروبية في عصر الأنوار والحداثة والمرتبطة بتحول اجتماعي جذري في المجتمعات الأوروبية مع الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية ونشأة المدن ونمو حركة التجارة والتبادل.

المشكلة الرئيسية في مصر أن الفكر التكفيري والإقصائي، والذي يشكل أرضية خصبة للتطرف والإرهاب، ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالثقافة التقليدية، وأن هذه الثقافة التقليدية لجأت إلى الفكر التكفيري والإقصائي في معركتها ضد الثقافة الحديثة والوافدة.

 

أين السلطة من الصراع الثقافي؟

هناك رأيان في موقف وزارة الثقافة التي هي المعبر عن موقف السلطة الحاكمة في هذا الصراع بين الأصالة والمعاصرة وبين الوافد والموروث أو بين الثقافة والثقافة الحديثة: يذهب الرأي الأول إلى أن السلطة تقف موقفاً وسطاً بين التيارين، أو أنها تسعى من خلال مثقفيها إلى محاولة التوليف بين الثقافتين، وقد ترجح أحيانا كفة احد التيارين في مواجهة التيار الآخر حسب موازين القوى في المجتمع. ويذهب الرأي الآخر إلى القول إن السلطة منحازة، بل إنها في تحالف وثيق مع الثقافة التقليدية، وأن هذا الأمر مرتبط بالعلاقة الوثيقة بين السلطة السياسية والمؤسسة الدينية في خبرة المجتمعات العربية والإسلامية، حيث الاختلاط والخلط بين الدين والسياسة قوي ومتين، وحيث تخدم السلطتان الدينية والسياسية الطبقات الاجتماعية صاحبة الثروة والنفوذ.

 

لكننا لسنا أمام كتل جامدة، وإنما الصراع ذاته بين الثقافة التقليدية والثقافة الحديثة قائم داخل كل معسكر. وقد تخلي بعض القوى مساحات بعينها للقوى المغايرة فنكون أمام المشهد الراهن للثقافة في مصر، حيث الصراع بين التقليدي والحديث مستمر وقائم منذ نشأة الدولة المصرية الحديثة، ولم يحدث أن شهدت تركيبة السلطة السياسية والاجتماعية ذلك التحول الجذري الذي يحسم هذا الصراع. ومن ثم كثيراً ما يتم إجهاض التراكم الحادث نتيجة لسياسات التحديث الاجتماعي والثقافي في المجتمع لصالح الثقافة التقليدية. وبالتالي، يكون من الصعب تصور دور حيوي وفاعل لوزارة الثقافة، أو حتى السياسات التعليمية طالما لم يتم حسم هذا الصراع.

 

  • هل أنتَ راضٍ عن أداء المؤسسات الثقافية بوجهٍ عامٍ، وعن دورها المُتوَقَّع في استخدام أدواتها المختلفة لمحاصرة الفكر الإرهابي بوجهٍ خاصٍّ؟

على رغم وجود قطاعات داخل الدولة وأجهزتها وداخل وزارة الثقافة ترغب وتسعى لتفعيل الأدوات والسياسات المختلفة للتعامل مع قضية التطرف والإرهاب، إلا أن هذه القطاعات لم تكن نتيجة لانتصار تيار الحداثة داخل السلطة السياسية وإنما تسعى لتمرير خطابها عبر الحديث عن إصلاحات جزئية. لكنها كثيراً ما كانت تخسر معركة حرية الإبداع والفكر في مواجهة المؤسسة الدينية المتحالفة مع السلطة السياسية، ومع مؤسسة القضاء على النحو الذي رأيناه في كثير من المعارك في مصر في العقود القليلة الماضية، بدءاً بمعركة كتاب الشعر الجاهلي لطه حسين وكتاب الإسلام وأصول الحكم للشيخ علي عبد الرازق، وصولا إلى معارك قضايا ازدراء الأديان التي نشهدها اليوم في ساحات القضاء المصري، مروراً بمعركة رواية وليمة لأعشاب البحر التي أصدرتها وزارة الثقافة ثم صادرتها.

 

بين النقل والعقل

الإشكالية الأساسية هنا تتعلق بالموقف من قضية النقل (الوحي والتعاليم الدينية التي يقوم على تفسيرها رجال دين في مؤسسات دينية كالأزهر والكنيسة) والعقل الذي هو نتاج للمؤسسات الثقافية الحديثة المتمثلة في التعليم المدني الحديث. ومن المؤسف حقاً ما نراه من اختراق لأنصار النقل للمؤسسات التعليم المدني وهيمنته القوية على هذه المؤسسات، كما رأينا في معركة نصر حامد أبو زيد، وما نراه من حصار لفكرة الحرية الأكاديمية التي تقوم عليها المؤسسات الجامعية الحديثة.

المشكلة الثانية أنه جرى حصار الفعل الثقافي في حدود النخبة المتعلمة، التي لم تعد قادرة على مواكبة الأفكار الثقافية في العالم، نظراً للبون الشاسع الذي نجم عن ثورة المعلومات والتقدم الهائل في العلوم والتكنولوجيا. وأصبح العجز الثقافي أحد أوجه القصور الرئيسية في المجتمعات العربية التي تتناولها تقارير التنمية البشرية الصادرة عن الأمم المتحدة. أما جموع الجمهور فقد تركت نهبا لمؤسسات الثقافة التقليدية وأهمهما المساجد وخطبة الجمعة، التي أصبحت ساحة للصراع بين السلطتين الدينية والسياسية في الآونة الأخيرة، والتي كثيرا ما تستخدم لشن هجوم على وزارة الثقافة ومنابرها.

 

مسايرة السلطة للتشدد الفكري

  • هل تتفق معي أن أغلب المسئولين في وزارة الثقافة لم يبرحوا أبراجهم العالية منذ زمنٍ طويلٍ؟ وهل حان الوقت لذلك؟

ليست القضية إذا قضية الأبراج العاجية التي يسكنها المسؤولون في وزارة الثقافة أو أساتذة الجامعة، أو في قدرة هؤلاء على النزول من أبراجهم العاجية أو عدم قدرتهم على ذلك. وإنما لا بد من وضع القضية في سياقها الأعم وأن نطرح السؤال عن حقيقة رؤية السلطة للثقافة وللدور الذي يمكن أن تلعبه الثقافة. اعتقد أن هذا هو جوهر المشكلة التي نواجهها في مصر.

فالحقيقة أننا أمام سلطة سياسية لا تقيم للثقافة ولا للمثقفين وزناً ولا ترى لهم دوراً أو أهمية حتى في معركتها هي في مواجهة الجناح المتطرف والعنيف في المؤسسة الثقافية التقليدية، والتي تفضل في كثير من الأحيان ممالأته على تقديم تنازلات على صعيد العمل الثقافي والفكري. وهذا في رأيي ناجم عن الطابع الاستبدادي للسلطة السياسية التي كثيرا ما تقدم المثقفين قرابين للتقرب من المؤسسة الثقافية التقليدية.

 

  • كيف تُقيِّم أداء وزير الثقافة الحالي "حلمي النمنم" منذ بداية اختياره وحتى الآن؟

لم يختلف دور وزير الثقافة الحالي عمن سبقه من وزراء الثقافة السابقين. فهو محكوم كغيره من الوزراء بالسياسة العامة للسلطة الحاكمة. ولكن يظل السؤال حول المساحة التي تتيحها السلطة الحاكمة للوزير للتحرك وما إذا كان الوزير يستغل هذه المساحة، وحول حدود الصلاحيات التي يكفلها له المنصب وفي حدود الموارد المالية والبشرية المتاحة له. ويظل السؤال حول التصور المتعلق بالمهمة الرئيسية لوزارة الثقافة في هذه المرحلة.

 

  • كيف يمكن -عمليًا- استلهام فكرة "الثقافة الجماهيرية" للراحل العظيم "د. ثروت عكاشة" بنهجٍ مُعاصرٍ لتعود الثقافة إلى قاعدتها الجماهيرية، وتخرج من أفق النخبة الضيق؟

المشكلة الأساسية المتعلقة بفكرة "الثقافة الجماهيرية" أنها لم تخرج من حيز الفكرة إلى حيز التنفيذ والفاعلية والتأثير، على الرغم مما أفرزته هذه الفكرة والتصور من مؤسسات وهياكل اقرب ما تكون إلى الجثة الهامدة، فضلاً عن تدخل المؤسسات الأمنية في نشاطها وعملها. وبالتالي، أصبحت هذه المؤسسات أسيرة الأفق الضيق للنخبة.

  • أبرام لويس ناشط حقوقي مصري يراسل موقع "اليوم الثالث"