تمر علينا الذكرى السادسة على "مذبحة ماسبيرو" التي استشهد فيها 29 مواطنًا مسيحيًا مصريًا، برصاص مجهولين وتحت عجلات مدرعات تخص بعض وحدات الجيش، في مساء يوم 9 أكتوبر 2011. تمر علينا والجُّرْح يزداد ألماً، إذْ لم يُدَنْ أحدٌ أو يُقدَّم للعدالة حتى الآن رغم مرور الأعوام الستة.

هؤلا الأحباء الذين كانت كل جريمتهم أنهم خرجوا في مظاهرة سلمية يطالبون فيها بحقوق المواطنة المهدورة، كردةِ فعلٍ على عدة حوادث ارهابية متكررة عليهم وعلى مملتكاتهم وكنائسهم. وكانت الحادثة الأخيرة التي خرجوا على إثرها ساخطين، إذْ كان قد بلغ السيل الزُّبَى، نتيجة اعتداء بعض المتطرفين المحسوبين على التيار الإسلامي على كنيسة بقرية المريناب بمحافظة أسوان.

 

بداية الأحداث وتطورها

للتذكير، تجمّع حشدٌ كبيرٌ من الشباب القبطي الغاضب في منطقة "دوران شبرا" بدعوات قادها "اتحاد شباب ماسبيرو"، ثم انطلقت المظاهرة في شارع شبرا، وكان مخططٌ لها أن يصل الشباب إلى مبنى اتحاد الإذاعة والتليفزيون المصري "ماسبيرو"، ليقدموا مطالبهم ويُسمِعوا صوتهم للتلفزيون الرسمي للدولة وللعالم، في ظل حالة من التعتيم الإعلامي غير المبرر على سلسلة جرائم الاعتداءات الأخيرة ضد الأقباط منذ قيام انتفاضة 25 يناير 2011 وحتى تلك اللحظة.

لم يملكوا إلا صوتًا يعلو بالهتاف، ولافتاتٍ تندد بصمت أجهزة الدولة تجاه إرهابهم من التيار الإسلامي المتسلّف و"المتأخْون". وليس كما ادّعى عليهم إعلام الدولة الرسمي -كما سيأتي فيما بعد- زورًا وبهتانا أنهم يحملون أسلحةً، وهو ما لم يحدث ولم يستطع أحد بالتبعية أن يثبت هذا الإدّعاء.

 

الإعلام.. المُحرِّض الأول

صدق أو لاتصدق، المُحرَّض الأول على تلك المذبحة بحق المتظاهرين من الشباب القبطي كان من تلفزيون الدولة الرسمي، وبالتحديد مقدمة النشرات الإخبارية المذيعة "لاشا مجدي"! الإعلام المعروف دوره في كل العالم، وفي أدبيات العمل الإعلامي هو كشف الحقائق و"إعلام" الناس بها، ومن هنا اُشتقتْ اللفظة لُغويًا.

"رشا مجدي" ضللتْ المشاهدين وحرّضتْ ضد الأقباط في أثناء المظاهرة مساء 9 أكتوبر ، حيث قرأتْ خبرًا عاجلاً على القناة الأولى للتليفزيون الرسمي، ظهر مكتوباً على الشاشة يقول نصا: "المتظاهرون الأقباط يُطلقون الرصاص والمولوتوف على قوات الجيش أمام ماسبيرو".

وتابعت: "استشهاد ثلاثة ضباط من الجيش بيد المتظاهرين الأقباط" وهذا افتراءٌ كبير لم تحدث. وجاء مانشيت جريدة "الأهرام" الجريدة القومية "الرسمية" الأولى صبيحة اليوم التالي للمجزرة بالبنط العريض وباللون الأحمر يقول حرفياً: "عنف ودماء في مظاهرات الأقباط بعد البداية السلمية" والعنوان الفرعي: "وفاة 24 جنديًا ومتظاهرًا وإصابة 213 في ماسبيرو" من دون تحديد.

 

ستة أعوام والجناة لم يُقدموا للمحاكمة

لا نريد أن تتحول تلك الجريمة البشعة التي لن تسقط بالتقادم، إلى مظاهر احتفالية نتذكر فيها الشهداء ونصلي من أجلهم، ثم نذهب إلى بيوتنا. لا مَفَرَّ من أنْ يُقدم كل من اشترك أو ساند أو تواطأ إلى العدالة، ليأخذ جزاءه من جهة، ويأخذ المجتمع حقه من جهة ثانية، ونضمن -بالمحاكمة العادلة- أن لا تتكرر مثل هذه الجرائم طالما كان المنفذون والمحرضون طُلَقاء.

فبطبيعة الحال لن يتقدم "مجند" بدبابته ليدهس بها متظاهر، ما لم يكن قد تلقَّى "أمرًا عسكريًا" مباشرًا من قائده. فأين هم القادة الذين أعطوا أوامرَ بالقتل؟ لماذا لم يُقدم اللواء "حمدين بدين" قائد الشرطة العسكرية والقيادات الأدنى للمحاكمة، أو لأخذ شهادتهم على أقل تقدير.

 

ولماذا لم يُساءل المشير "حسين طنطاوي" رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، والحاكم الفعلي للبلاد آنذاك؟

يبدو أن تلك القضية تحمل ألغازًا وخبايا إن أُميطَ اللثام عن أسرارها وسُبرتْ أغوارها، ربما تطول شظاياها قيادات سابقة وحالية في السلطة.

  • ناشط حقوقي مصري