هيمن الإسلام السياسي على مشهد الحياة العامة في العالم العربي بشكل خاص وفي معظم مناطق الشرق الأوسط ‏بشكل عام وذلك على مدى سنوات طويلة ‏وحتى وقتنا الحاضر، لكن تطرف الأصوليين هو الذي ادى الى تراجع هيبته والدعم له في هذه البقاع من العالم . و‏إذا القينا نظرة عامة على الوضع السياسي والأمني في الدول العربية كافة فإننا نجد بان هناك بعض الأنظمة ما زالت ضعيفة أمام الحركات الإسلامية ‏كما نجد هناك أمثلة أخرى لانظمة استطاعت السيطرة عليها كما هي الحال ‏في سوريا.

إشكالية الإسلام السياسي ودوره في خلق الإحتراب الداخلي

إذا راقبنا وضع سوريا بعد رحيل الاستعمار الفرنسي، فاننا نلاحظ بانه قد واجه مرحلة مستمرة من عدم الاستقرار اتسمت بالانقلابات المستمرة حتى بداية سبعينيات القرن العشرين.

بالمقابل كان المسلمون السنة المدينيون ولسنوات طويلة يحتلون مناصب متقدمة في المدن الكبرى في سوريا بسبب تفضيل السنة في ظل الحكم العثماني خلال تلك الحقبة، كما ساهموا مع إخوانهم في المواطنية المثقفين المسيحيين السوريين وغيرهم في جميع المكونات، في تطوير مبادئ القومية العربية وكانوا حاضرين بقوة في الحكم بعد رحيل الإستعمار. ولكن بعد حدوث سلسلة من الانقلابات وجدوا أنفسهم على عتبة سياسية ليست واضحة المعالم حيث أصبح المؤهلون للقيادة السياسية هم ضباط الجيش. هنا نشأت الإشكالية وبدأت المنظمات الاسلامية المتشددة تسعى الى البلبلة وعلى رأسها تنظيم "الاخوان المسلمين" الذي اتخذ طريق الاغتيالات والتصفية الجسدية لكوادر سياسية وضباط وكذلك في تنفيذ تفجيرات طالت المدنيين في أنحاء سوريا .

 حملة الإغتيالات استهدفت مسؤولين وضباطاً علويين ومن مذاهب مختلفة في اواخر السبعينيات، ووصلالى اوجه عندما تم إغتيال أكثر من 60 ضابطا في حلب كانت الغالبية العظمى منهم تقريباً علويون. وبذلك تمكنت هذه الجماعات الاصولية الإسلامية من خلق جو انعدام الأمن في البلاد وكانت هذه الموجات من العنف غير مسبوقة في تاريخ سوريا الحديث، فكان لا بد من اجتثاثها والتعامل معها على أساس انها حركات ارهابية متطرفة تسعى الى زرع الفتنة والتفرقة داخل الوطن الواحد.

 

دور الحرب السورية في تعزيز التطرف

مما لا شك فيه ان الحرب السورية كان لها تأثير مباشر في تأجيج الحركات الإسلامية المتطرفة، حيث لم يكن لديها مخطط سياسي واضح سوى أسلمة الدولة واحلال نظام الخلافة الإسلامية وخصوصاً مع ما يعرف بحركات "الربيع العربي" التي اتسمت بطابع راديكالي إقصائي. لكن التجربة العسكرية والإيديولوجية للحركات الإسلامية المتطرفة مثل جبهة النصرة وحركة أحرار الشام لم تكن قادرة على إقناع الشارع ولم يوافقوا على تقاسم السلطة السياسية في إطار اتفاق وطني شامل. وذلك لانها حركات جهادية سلفية كانت تحاول بشتى الطرق والوسائل إقامة مشروعها الإسلامي المتطرف وتطبيق الشريعة الإسلامية في انحاء الدولة الإسلامية المزمع انشاؤها، واغفال الموزاييك الديموغرافي الذي ميز سوريا عبر تاريخها حيث لا يمكن لاي مشروع اسلامي إقصائي ان يمر عبر بوابتها. ومن هنا بدأت تنهار منظومة الاسلام السياسي في سوريا في ظل غياب مشروع وطني جامع والتعامل مع بقية الطوائف على أساس التكفير والذمية والعنف غير المسبوق .

الآن بعد سنوات من العنف غير المبرر وبعد استقرار ساحات المعارك الجهادية في معظم مناطق الشرق الأوسط، لم يتبق سوى عدد قليل من المنتسبين إلى تنظيم "الدولة الإسلامية" بينما هرب معظم المقاتلين الأجانب واختفى آخرون بعدما انتهت المصالح المشتركة بين تلك المنظمات المتطرفة والمنخرطين فيها، كما اصبحت خياراتها محدودة بالإضافة الى إعتمادها بقدر أكبر على تمويلها الذاتي بعد تلاشي مصادر التمويل الإخرى التي كانت متاحة في الفترات الماضية.

 

لا بديل للدولة المدنيّة

ومن كل ما تقدم اخلص ان الاسلام السياسي قد تراجع في سوريا وبشكل ملحوظ، ولا يمكن بأي حال من الأحوال ان يقدم نفسه كبديل عن الدولة المدنية الجامعة. فالشارع السوري اسقط هذه المنظومة وتعامل معها بوعي وحكمة خلال سنوات الحرب، واليوم نعول اكثر من اي وقت مضى على هذه الطبقة الواعية المثقفة التي سوف تقود البلاد الى بر الأمان.

  • أستاذة جامعية سورية مقيمة في الولايات المتحدة