لم يكد لبنان أن يحصل على استقلاله في العام 1943 وجلاء الجيوش الغربيَّة بشكل كامل عن أراضيه أواخر العام 1946 حتى وجد، ومحيطه العربي، نفسه أمام التحدي الخارجي الأقسى: إنّها نشأة دولة إسرائيل في العام 1948 التي أتبعت بهزيمة الجيوش العربيَّة وموجة اللجوء الفلسطيني التي ناهزت المائتي ألف لاجئ.

آنذاك كانت النخبة اللبنانيَّة تعتبر نفسها وريثة رواد النهضة العربيَّة، وكانت مدركة لأهميَّة دورها ليس فقط في بناء المدينة بل في معالجة القضايا الإقليميَّة وحتى العالميَّة. بتعبير آخر كانت النخبة اللبنانيَّة تتماثل ونظيرتها الفرنسيَّة بأنها تمثّل قوّة المفكرين وكأنها تلك السلطة العليا الماسكة بأمور "البوليتيك" (أو الفلسفة السياسية) (Le Politique) وليس بمعنى السياسة (La Politique).

بتعبير آخر كانت النخبة اللبنانية، وبالأخص المسيحية، تعيش حالة من التفاؤل الشديد فيما خصّ لبنان ككيان ومشروع ورسالة حضارية في محيطه وفي العالم. وكان هؤلاء يرون أن - وبعد أن بات لبنان لأول مرة في تاريخه سيدًا وحرًا ومستقلًا، فلا احتلال عثماني ولا انتداب فرنسي – الاستقلال، على كونه خاتمة جميلة لنضال اللبنانيين التاريخي، إلا أنه ليس إلا محطة في مسيرة لبنان نحو ترسيخ شخصيته وبلورة رسالته تجاه العالم.

وسط هذه الحالة من التفاؤل والحماسة، أتى حدث ضياع فلسطين ونشأة إسرائيل صدمة سلبية أدركت النخبة اللبنانية بعمق أبعادها وتداعياتها ليس فقط على كيانها الوليد – الذي كان يصفه مؤسس الندوة اللبنانية ميشال أسمر بالحلو والمنمنم – بل على بلدان الفضاء العربي ككل.

وعليه كان من الطبيعي أن تتصدى هذه النخبة اللبنانية لمسألة نشأة الكيان الإسرائيلي بما يحمله من مشروع وعصبيّة صهيونية، وطبعًا كان عليها أن تقرأ وتحاول معالجة أزمة اللاجئين الفلسطينيين الموجودين على الأراضي اللبنانية.

 

مفكرو الندوة اللبنانية: حبشي وصدقة

سوف أبدأ مع مفكري الندوة اللبنانية الذين يشكلون عصب النخبة اللبنانية والمسيحية بالتحديد آنذاك.

قد تكون عبارة الفيلسوف المصري-اللبناني رنيه حبشي أبلغ تعبير عن موقف الندوة اللبنانية ونخبتها من الكيان الإسرائيلي. ففي مقابلة لي مع الأستاذ الكبير ناصيف نصار، نقل لي عن رنيه حبشي الموقف التالي: "من الأفضل لنا أنْ نتقيَّأ كل الغرب على أن نبلع العظمة الإسرائيلية". (Vomir tout l’Occident plutôt qu’avaler l’os israélien).

ففي محاضرة للمتخصص في الشؤون الفلسطينية نجيب صدقة في العام 1947 من على منبر الندوة اللبنانية رأى أن المسألة في فلسطين هي قضية شعب وليس أرضًا تابعة لبريطانيا أعطتها للصهاينة. فبحسب العقلية الاستعمارية آنذاك، إن الأراضي العربية انتقلت ملكيتها عند هزيمة السلطنة العثمانية من هذه الأخيرة إلى كل من بريطانيا وفرنسا. وبالتالي يحق لبريطانيا أن تفعل ما تشاء بهذه الأرض. بالنسبة لصدقة الأمر مختلف تمامًا. ففلسطين ليست أرضًا مملوكة من بريطانيا، بل إن ملكيتها تعوج "لأهلها الفلسطييين الأصليين". والبريطانيون ليسوا هنا إلا بوكالة من عصبة الأمم بهدف مساعدة هؤلاء السكان الأصليين على إقامة "حكم وطني مستقل". غير أن البريطانيين بالنسبة لصدقة حولوا الأمر إلى "مسألة تجارية" بحيث صاروا يساعدون المنظمة الصهيونية على إقامة "وطن قومي لليهود" لاستقبال ملايين اليهود من أرجاء العالم كافة. وبالتالي إن القضية الفلسطينية عند صدقة هي واضحة: إنها النضال من أجل التخلص من الانتداب البريطاني بهدف تحقيق الاستقلال لفسطين العربية ومحو أي أثر لوطن صهيوني". وكل حل لا يتوافق مع إعادة فلسطين لأهلها الأصليين ليس مقبولًا. غير أن صدقة يدرك أن الصهاينة في فلسطين لديهم من العلم والثقافة والقوة العسكرية والعلمية والإعلامية والمالية والعلاقات الدولية (الجدية خاصة مع بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية) ووحدة الموقف ما يجعلهم في موقع قوة واضح، ومن مواجهتهم أمرًا صعبًا.

ثم ينتقل صدقة إلى عرض الخطر الاستراتيجي التي تمثله إسرائيل ليس فقط على لبنان بل على كل المحيط العربي. مستحضرًا مقولة بن غوريون: "من الفرات إلى النيل"، يحاول صدقة أن يلفت الجمهور إلى طموح الصهاينة بالتوسع الدائم. عليه، فإن إسرائيل لا تشكل فقط هذا الخطر العادي، بل إنها خطر وجودي على كل الدولة المحيطة بها حدود لبنان الجنوبية حتى بلاد ما بين النهرين.

في محاضرته "معضلات وقوى" يعتبر سعيد عقل أن الخطر الذي تشكله إسرائيل على لبنان لا يمكن لهذا الأخير أن يقابله إلا بالعمل الجاد "على إزالة إسرائيل من الوجود".

       

شيحا واستشراف خطر الصهيونية

من الواضح أن ميشال شيحا – معلّم الكل كما كان يصفه مؤسس الندوة اللبنانية ميشال أسمر – كان الأكثر تبصرًا لمخاطر نشأة إسرائيل على لبنان ومستقبله. ففي كتابه الصادر عن دار الندوة اللبنانية لبنان في شخصيته وحضوره يعتبر شيحا أن إسرائيل هي "القوة الأكثر عنصرية والأكثر إمبريالية على وجه المعمورة". يتفق شيحا تمامًا مع نجيب صدقة في اعتبار هذا "الجار" (voisin) شديد الخطورة على لبنان. لكن شيحا يذهب أبعد في تحليل الفوارق البنوية بين لبنان وإسرائيل، يقول: "لبنان ببنيته هو كيان قائم على التنوع والتعايش بين مختلفَين دينيًا وثقافيًا، في حين أنَّ إسرائيل تقوم على فكرة أنَّ أساس هويَّة المواطن الإسرائيلي هي انتمائه للدين اليهودي، مع طموح أنْ تصبح "عاصمة اليهوديَّة العالميَّة" (Métropole du Judaïsme universel). كان يريد شيحا من اللبنانيّين أنْ يكونوا على يقين بأنَّ التحديَّات المتأتّية من هذا الجار الجنوبي ليس بالسهلة. وعليه باتت أخذ الحيطة من إسرائيل المهمّة الأولى التي يجب على اللبنانيين التعامل معها. لكنّ شيحا يبدو متشائمًا إذ يعلن: "لن نجد الراحة بعد اليوم، أقلّه لن نجد ديمومة راحة". وكأنَّه يريد القول أنّ لبنان من الآن فصاعدًا سيكون دومًا على حافة الخطر. فطبيعة إسرائيل القائمة على "الهجرة الممنهجة" وعمليَّة "الإسكان المتسارع" يجعل منها في حاجة دائمة إلى الغزو والتوسّع بحيث تؤمن لشعبها "المجال الحيوي" الضروري لعيشه. وبالتالي إنَّ النتيجة المباشرة لهذا الواقع هي وضع الحدود الجنوبيَّة للبنان في خطر دائم. إضافة إلى هذا ستلعب إسرائيل "عامل تفرقة" على المستوى الإقليمي ذلك أنَّها سترسم شرخًا ما بين يهود هذه المنطقة ومواطنيهم في مختلف الدولة العربَّية بما فيها لبنان. وقد يكون لهذا السبب أن قام شيحا بالتمييز الواضح بين "اليهوديَّة" و"الصهيونيَّة". فبهدف طمأنة يهود لبنان يقول شيحا: "نحن ندافع عن أنفسنا ليس بوجه اليهودية بل بوجه الصهيونية". فلبنان القائم على التعددية الدينية والطوائفية وحيث هناك توازن دقيق بين الأقليات الحاصلة على حقوقها، لا يمكنه إلَّا أنْ يدافع عن أبنائه اليهود. وإن لم يفعل فإنَّه، بالنسبة لشيحا، سيذهب بخلاف "سبب وجوده، ومبادئه المؤسسة، وتقاليده الفكرية والدينية والسياسية".

 

رباط والقانون الدولي

بعد هزيمة الجيوش العربيَّة أمام الجيش الإسرائيلي في العام 1948، لم تعد إسرائيل مشروعًا، بل باتت واقعًا على لبنان التعامل معه. إضافة إلى هذا وجد لبنان نفسه أمام عشرات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيّين المطرودين من بلداتهم في فلسطين. كان على الندوة أيضًا أن تقارب موضوع اللجوء علميًا، فما كان من ميشال أسمر إلا أن طلب من فؤاد كرم وإدمون رباط لتوضيح هذه المسألة للرأي العام الندوي واللبناني (Témoignage sur le réfugiés palestiniens). يحاول رباط في مقدمته أنْ يستخلص النتائج السياسيَّة والاستراتيجيَّة على لبنان وعلى الدول الناطقة بالعربيَّة لأزمة اللجوء. برأيه إنَّ هذه الأزمة لهي الأكثر قلقًا حاليًّا بالنسبة للدولة العربيَّة. واصفًا ما يقوم به الصهاينة من تهجير بحق الفلسطينيين بما يتعدَّى الجريمة التي مورست من قبل الفاشيَّة والنازيَّة بحقّ الأرمن واليهود ما بين 1915 و 1945، يرى ربّاط أنَّ الحلّ الوحيد فيما خصّ أزمة اللجوء هي في الاستعانة بالقانون الدولي من أجل عودة الفلسطينيّين إلى الأراضي التي هُجّروا منها. إنَّ الفلسطينيّين لهم الحق البديهي للعودة إلى وطنهم والعيش هناك بحرية وكرامة كما كانوا يفعلون سابقًا. بنظره إنَّ محك فعاليَّة الأمم المتّحدة إنَّما يتوقَّف على مسألة عودة اللاجئين الفلسطينيّين إلى أرضهم.

من ناحيته، يوضح فؤاد كرم، العامل في ملف اللجوء الفلسطيني ميدانيًّا، كيف أنَّ الحدود اللبنانيَّة كانت الأولى التي تلقَّت الأعداد الأولى من اللاجئين الفلسطينيّين. ومن أصل حوالي 800 ألف لاجئ فقد كانت حصة لبنان حوالي 150 ألفًا حيث 50 بالمئة من بينهم يعيشون في مخيّمات، و25% يعيشون في العراء التام. ورغم كلّ الجهود التي تقوم بها المنظّمات الدوليَّة والأفرقاء المحليَّة اللبنانيَّة فإنَّ الحالة التي يعيشها اللاجئون من "يأس"، "وجوع"، و"عراء"، و"إحباط"، و"شعور بالإهمال"، تشكّل حالة من الخطر الشديد على مستوى "النظام العام". ويخلص كرم إلى الخلاصات نفسها التي وضعها الكونت برنادوت، مندوب الامم المتّحدة آنذاك إلى فلسطين، والتي تقول بأن لا حلّ لمسألة اللاجئين إلَّا ذلك الذي يقول بحقهم في العودة إلى فلسطين.

  • أستاذ جامعي وكاتب في موقع "اليوم الثالث".