مدير تحرير مجلة بيروت آنذاك الصحافي محي الدين نصولي يستذكر في محاضرة له "من وحي مقترحات برنادوت" سعي هذا الأخير إلى إحقاق الحقّ بالنسبة للفلسطينيين متَّهمًا إسرائيل باغتياله بسبب المقترحات التي قال بها والتي كانت تخالف التوجهات الصهيونية (الاغتيال تمّ في 17 أيلول 1948). للتذكير فقط فإنَّ برنادوت اقترح في تقريره: اولًا: العودة الكاملة للائجين الفلسطينيّين إلى أرضهم، ثانيًا: تفهّم خسائرهم، وثالثًا: العمل على حلّ سلمي للصراع العربي-الإسرائيلي على أساس الدولتين المستقلّتين.

 

النصولي والإنقسام العربي

لكن النصولي لا يقف هنا، بل إنه يذهب إلى انتقاد أداء العرب فيما خصّ القضية الفلسطينيَّة. فبصفته إعلاميًّا ذهب محي الدين نصولي إلى باريس حيث عقدت مباحثات في قصر شاييو للتباحث في المسألة الفلسطينية. وقد لاحظ نصولي هناك ان أعضاء البعثات العربية لم يكونوا على مستوى هذا الحدث. فهؤلاء لم يقوموا بأي اقتراح حلّ للمسألة الفلسطينية ورفضوا التفاوض في أي اقتراح بما فيه اقتراح الكونت برنادوت، وبالتالي رفض العرب مشروع الدولتين بحجة أنّهم متمسّكون بحلّ واحد أحد ألا وهو "دولة عربيَّة واحدة في فلسطين". يصف العروبي نصولي العرب بأنّهم كانوا في مؤتمر قصر شاييو منقسمين على أنفسهم، غير واقعيّين، يتصرّفون وكأنَّ دولة إسرائيل غير موجودة في حين أنَّها كانت وجدت على أرض الواقع. لم تستطيعوا الاتفاق حتَّى على الحدّ الأدنى من الحقوق لا على المستوى العسكري ولا على المستوى الدبلوماسي، ولا على مستوى ملف المفاوضات بمواجهة إسرائيل. من هنا دعوة نصولي العرب إلى التحلي ببعض الواقعية.

في كلمات تلخّص حرقة نصولي يقول: "لقد كان موقفنا سلبيًّا في قصر شايو، فنحن رفضنا جميع الاقتراحات التي عرضت علينا لحل قضية فلسطين، ولم نتقدم بعروض من شأنها أن تفصح عما نريد، حتى أن صديق العرب ظفرالله خان رئيس الوفد الباكستاني كان برمًا بموقفنا الغامض كل البرم، وكان يبدي أسفه وهو يرى الانقسام في الجبهة العربية، ويتألَّم أنْ يجد رجال الوفود العربيَّة لا يحافظون على المواعيد التي كانت تضرب لبحث قضيَّة فلسطين، وتوحيد وجهات النظر بشأنها، هذه المواعيد الني كان معظم رجال الوفود العربيَّة يدلفون إليها متأخرين أو لا يحضرون البتة. رفضنا مقترحات برنادوت دفعة واحدة، واستمسكنا بإقامة دولة عربيَّة موحَّدة في فلسطين، وكان من الطبيعي أنْ نستمسك بنظريَّتنا السليمة هذه لو كنَّا يدًا واحدة في الميدان العسكري، ولو وحَّدنا قيادة جيوشنا السبعة، ولو كنَّا جادّين في الحرب، [...]. كانت أنباء القتال تصلنا إلى قصر شايو، فنقوم نقعد، ونبقى في مكاننا لا نبرحه، وننعت دولة إسرائيل بالمزعومة، ونحن نطلق التصريحات لمناسبة وغير مناسبة، ونتعامى عن رؤية الحقائق، وندور في حلقة مفرغة، حتى إذا تعبنا وأتعبنا العالم، ارتضينا بالقرار الذي اتخذته منظمة الأمم المتحدة في 11 كانون الأول 1948 في قصر شايو، والذي يقضي بتأليف لجنة التوفيق الثلاثيَّة. [...] لقد اختلفنا ونحن نحارب واختلفنا ونحن نفاوض، واختلفنا حول مصير اللاجئين، وحول كلّ شيء وعلى كلّ شيء، وذهبنا فرادة إلى رودس والناقورة، واتّسعت هوَّة الخلاف فيما بيننا، حتى كادت الجامعة العربيَّة تتصدّع وحتَّى كدنا لا نتفاهم، واللغة العربيَّة لغتنا، والتاريخ العربي تاريخنا، والآمال العربيَّة هي آمالنا جميعًا، فهل نيأس من الجامعة العربيَّة، ومن حاضرنا ومستقبلنا، ونترك الفرصة لليهود أنْ يتحكّموا في مصيرنا ونحن نعدّ أربعين مليونًا وهم لا يعدّون أكثر من أربعة عشر مليونًا انتشروا في العالم، وجمعتهم رابطة واحدة هي رابطة الصهيونيَّة ورابطة إقامة وطن قومي يرتكز إلى الدين والعنصر في فلسطين".

 

توينبي ودور الوساطة اللبناني

قد يكون المؤرخ أرنولد توينبي أحد أكثر المحاضرين الذين ادركوا محورية الدور الذي يجب أن يقوم به لبنان على المستوى العالمي بدور الوساطة بين الولايات المتحدة والدول العربية (لاسيما مصر وسوريا) من أجل أن ينقذ نفسه من نتائج الصراع العربي-الإسرائيلي المدمرة عليه. كم هنا اقترح توينبي على اللبنانيّين في محاضرة له في العام 1956 بعنوان (Liban expression de l’histoire)، أنَّ الطريقة الوحيدة التي يمكن للبنان أنْ يبعد بها الخطر عنه هو بأنْ يقوم بدور الوسيط بين الولايات المتحدة الأميركيَّة والدول العربيَّة من أجل إيجاد حل للقضيَّة الفلسطينيَّة. فلبنان هو البلد العربي الوحيد القادر على إقناع الولايات المتحدة الأميركية بأنْ تأخذ منحى مختلفًا فيما خص القضيَّة الفلسطينيَّة، وبالتالي الضغط على إسرائيل من أجل تقديم التنازلات اللازمة لحل القضيَّة الفلسطينيَّة. إنَّ كلّ مصير لبنان إنَّما يتعلَّق على النجاح في لعب هذا الدور. وكلّ تقصير أو فشل بهذا الأمر إنَّما سيضع لبنان على خط الصدع التراجيدي بين معسكري الشرق والغرب.

 

كمال الحاج: المسلمون والمسيحيون معاً ضد الصهيونية

كمال الحاج بدوره، وفي محاضرة له بعنوان "الطائفية البناءة" ألقاها من على منبر الندوة اللبنانية في شباط من العام 1960، اعتبر أنّ الخطرين الأكبرين الذين يتهدّدا لبنان إنما هنا الشيوعيَّة والصهيونيَّة. فالأولى هي خطر على لبنان التعايش الإسلامي المسيحي بما هي من إلحاد. أما الثانية فخطرها بالنسبة للحاج أكبر من الشيوعيَّة لأنّ الصراع معها إنما هو صراع حياة أو موت. بالنسبة للحاج إن الصهيونيَّة هي "أخطر قوميَّة دينيَّة عرفتها الإنسانيَّة"، فهي رجعيَّة من حيث التاريخ لأنَّها تريد استيعاد أرض الميعاد التي تمتدّ من الفرات إلى النيل"، وهي تكذيبيَّة لكلّ من رسالة المسيح ورسالة محمّد من حيث الدين. إنَّ كلّ همّ الصهيونيَّة إنَّما ينصبّ على إضعاف الشعور القومي عند الغير، والقضاء على جميع الأديان الأخرى. من هنا يعتبر الحاج أن الصراع بين الصهيونيَّة من جهة، وبين الإسلام والمسيحيَّة من جهة ثانية إنّما هو ديني في جوهره وليس فقط صراع على الأرض. إنّ هذا أحد أهمّ عناصر تمسّك الحاج بالطائفيَّة، لأنها إلغائها برأيه قد يتسبّب بإضعاف المسيحيَّة والإسلام من قلب المسيحي والمسلم على السواء، وهذا ينسجم تمامًا والهدف الصهيوني في ضرب الدينين معًا. إنَّ التحدي الاهم برأي الحاج هو إقامة "حضارة جامعة بين القرآن والإنجيل" بحيث يكون المسلمون والمسيحيون في لبنان على مستوى المعركة الحضاريَّة ضد الإلحاد وخاصَّة ضدّ الصهيونيَّة: بالنسبة للحاج إذًا هي معركة حضارة، معركة تاريخ عملاق، معركة الإنسان المؤمن بالله، ومعركة لبنان جنة الله على الأرض".

 

شارل مالك: خطر الإستيطان اليهودي

يأتينا شارل مالك من خارج الندوة اللبنانية، وهو الذي كان يشاهد بأمّ العين ماذا كان يقوم به اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة وفي أروقة الامم المتحدة في نيويورك بهدف دعم المشروع الصهيوني. من هنا كان تقريره في 5 آب 1945 الهام الذي نشرته النهار النهار فيما بعد (2002). في هذا التقرير الموجّه إلى وزارة الخارجية اللبنانية يحذّر فيه مالك من أنَّ "العهد اليهودي آت حتمًا إذا ظلّ العالم العربي على تأخره وتفككه الحضاريين".

في هذا التقرير يعتبر مالك أن مآل العالم العربي إنّما يتوقّف على "القضيَّة الفلسطينيَّة" التي هي بنظره "أخطر قضيَّة عربيَّة على الإطلاق". بالنسبة له إن الوضع العربي في فلسطين هو مرآة صادقة للوضع العربي عامة. و"ما النكبة الفلسطينية إلا صورة جليَّة للنكبة العربية". لقد رأى مالك في العام 1945 أن دولة إسرائيل "ليست مستقرًّا للقوة اليهوديَّة الغازية، بل هي مرتكز تجمّع لها، وتربة لنموّها، ونقطة لإنطلاقها عبر حدودها وتوثّبها على الأقطار العربيَّة المتاخمة لها: سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وعسكريًّا". لقد كان واضحًا لمالك أن الحركة الصهيونية، بطبيعة حالها، حركة "ديناميكية" وثابة، و"السياسة الصهيونية في صلبها سياسية توسعية طموحة". وبالتالي إن فلسطين وحدها لن تكفي حاجات اليهود ولا نهم قادتهم، وبالتالي إن النتيجة الحتمية للإستيطان اليهودي سيكون تهديدًا مباشرًا لحدود الدول العربيَّة المحيطة.

حتى ان مالك يقول إنَّ "العالم العربي هو المدى الحيوي للصهيونيَّة". وبالتالي على العالم العربي ان يواجه هذا الواقع، ولكنه لن يستطيع المواجهة "بعين التفكّك واللامبلاة والسياسات المرتجلة والدفاع الفاتر"، بل بأنْ ينتفض حضاريًّا ويخرج من حالة "الانغلاق على النفس" و"الجفجفة من الحضارة الغربيَّة" و"النشوة بالماضي الميت" ما يعيقه عن واجبات اليوم مهمات الغد. وبالتالي قبل أن يذهب هذا العالم العربي إلى مواجهة إسرائيل، عليه أن يعيد النظر بمنظومته الفكريَّة أو ما يسمّيه مالك "نظم حياته في السياسة والاقتصاد والثقافة والاجتماع والدين"، وأن يبدأ ورشة إصلاح حقيقية تذهب أبعد من "الترقيع". فإنْ لم ينجح العرب بذلك فلا مصير لهم إلَّا "الاستعمار والاسعباد من قبل اليهود".

 

مفكرون رؤيويون

كم كانوا رؤيّويين هؤلاء الآباء المؤسّسين للبنان. وكم كان العرب واللبنانيّون غافلين عن تنبيهاتهم بضوضاء التصاريحات الشعبويَّة الفارغة. طالما لم نصبح أوفياء لهذه الوصايا الأبويَّة الداعية للتجدّد والجرأة والنهضة الحضاريَّة في تجديد منظومتنا الفكريَّة العربيَّة بما يستتبعها من تجديد في بنياتنا الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة والدينيَّة، طالما سنبقى مهزومين حضاريًّا.

إنَّ هزيمتنا ليست أمام إسرائيل، بل هي أمام أنفسنا، أمام التحدّي الحضاري الذي يواجهنا. فإمّا أنْ ننهض حضاريًّا وإلَّا سنبقى عبيدًا مهزومين.

  • أستاذ جامعي وكاتب في موقع "اليوم الثالث".