في هذا المقال سنطرح وجهات نظر شخصيات حقوقية ورجال دين حيال ملف خطف الأقباط.

 

الأسئلة الشائكة

أولى الأسئلة المطروحة هو لماذا لم تُصدّق مصر حتى الآن على الاتفاقية الدولية للحماية من الاختفاء القسري؟

ولماذا يبدو الإعلام المصري غائبا عن مثل تلك القضايا؟ وماذا عن المنابر الإعلامية المسيحية ودورها السلبي في تناول هذه القضية؟ وهل نحن في حاجة إلى عودة "جلسات النصح والإرشاد" المُعطَّلة من قبل وزارة الداخلية المصرية بشكل غير قانوني؟

                                   

الشيخ "محمد عبدالله نصر" يرى أن قضية اختطاف القبطيات هو نتيجة للتمييز ضد المرأة في مصر، ونظرة المجتمع المصري المماثلة لكل المجتمعات الشرقية العربية التي يوجد فها تمييز ضد المرأة بغض عن انتمائها الديني. فالمرأة تُهان وتغتصب، ويتم التحرش بها، بالرغم من أن 60% من الأسر في مصر العائل لها هي المرأة.

 ويقول "صبري عبد الحفيظ" الصحفي في مجلة الإذاعة والتلفزيون المهتم بقضايا الحقوق والحريات، إن أزمة اعتناق الفتيات والنساء القبطيات الإسلام وتزويجهن من رجال مسلمين في مصر ثغرة في جسد الوحدة الوطنية تنفذ منها الفتنة الطائفية. وتشير دراسات حقوقية إلى أن النزاع على المرأة هو سبب مباشر لنحو 90% من الحوادث الطائفية التي شهدتها مصر خلال السنوات العشر الماضية.

 

 

"الخجل" الإعلامي تجاه الخطف

على الرغم مما تمثله القضية من خطورة، إلا أنها لا تحظى بالاهتمام الإعلامي، ربما يرجع ذلك إلى أنها ليست ضمن أولويات السلطة في مصر. ويظهر أن الإعلام والسلطة يرفعان شعار "إبعد عن الشر وغنيله".

شهدت مصر عديد من حالات تحول رجال من المسيحية إلى الإسلام، والعكس، إلا أن المجتمع المصري بشقيه المسلم والمسيحي، لم ينتفض من أجل استعادتهم، ولكن عندما يتعلق التحول الديني بالمرأة تندلع الاحتجاجات من الجانبين، وتتطور بسرعة شديدة إلى فتن طائفية يراق فيها الكثير من الدماء وتحرق منازل وكنائس.

 

لم تعرف مصر هذا النوع من الفتن الطائفية إلا بعد تصاعد التشدد الإسلامي في مصر، وصعود السلفيين في أعقاب سقوط نظام حكم الرئيس الأسبق مبارك. لم يكن الإعلام المصري ليهتم بأزمة القبطيات المختفيات، إلا مع إندلاع أعمال عنف ويقف عند حد متابعة أحداث العنف ومجريات التحقيقات بالنيابة العامة، وانتهاءً صدور أحكام قضائية بحق الجناة في أعمال العنف، وليس في جريمة الاختطاف، ونادرا ما تعمق الإعلام في الظاهرة بإجراء تحقيقات استقصائية أو مقابلات مع أسر الضحايا، أو محاولة فهم أسبابها وعلاجها، على الرغم من وجود العديد من الحالات التي تقدرها مؤسسة "ضحايا الاختطاف والاختفاء القسري" بنحو 500 حالة، إلا أن الرأي العام لم يتعرف على ظروف اختفاء 7 حالات على الأكثر.

 

تناول الإعلام هذه الأزمة للمرة الأولى، مع اختفاء وفاء قسطنطين زوجة أحد قساوسة البحيرة عام 2004، ولزم البابا الراحل شنودة الثالث صومعته في دير وادي النطرون، احتجاجاً على تخادل الحكومة في البحث عن قسطنطنين وإعادتها إلى أسرتها.

وفي وقت انتظرنا فيه أن تفلح ثورة 25 يناير في إخماد فتنة اختفاء القبطيات، سكبت عليها المزيد من الزيت، لاسيما في ظل إطلاق حرية العمل للإسلاميين المتشددين، الذين أسس بعضهم كيانا لدعم المتحولين من المسيحية، عرف باسم "إئتلاف دعم المسلمين الجدد"، ولعب دوراً في عمليات إشعال "فتنة اختفاء القبطيات".

 

أسباب التغاضي الإعلامي

يرجع عدم تعاطي الإعلام المصري مع عمليات الاختفاء القسري بالكثير من التعمق، إلى عدة أسباب.

ذلك أن المجتمع المصري يتسم بطبيعة ذكورية، ويحمل الأنثى المسؤولية عما تتعرض له من انتهاكات أو جرائم تقع بحقها، حتى لو كانت جرائم اختطاف أو اغتصاب، وعادة لا يتعاطف مع مثل تلك القضايا. وعلى الرغم من أن الإعلاميين يشكلون جزءاً من النخبة الثقافية المصرية، إلا أن النزعة الذكورية تسيطر على بعضهم.

وترتبط جريمة الاختطاف أو الاختفاء القسري للفتيات بقضية الشرف والعار، وترفض الغالبية العظمى من الأسر التعاطي مع وسائل الإعلام، خشية وصم العائلة كلها بالعار، وتفضل أسر الضحايا أن تنغلق على نفسها.

 

إلى ذلك لا تحظى مثل تلك القضايا بالاهتمام الكافي من السلطة السياسية أو الأمنية وترفض الاعتراف بها، على الرغم من أنها تمثل نحو 90% من الأسباب المباشرة في الحوادث الطائفية التي شهدتها مصر خلال العشرة أعوام الماضية، بدءاً من فتنة وفاء قسطنطين مروراً بفتنة كاميليا شحاتة وفتنة عبير، وانتهاء بفتنة سارة.

 وتكتفي التحقيقات الخاصة بالنيابة العامة أو تقارير لجان تقصي الحقائق بالتعرض للآثار الجانبية التي تظهر عادة لهذا المرض، ومنها الاشتباكات ذات الصبغة الطائفية الناتجة عن التطاحن حول أحقية المسلمين أم المسيحيين في حيازة الفتاة أو المرأة. كما تزاحم الأحداث السياسية اليومية وانتتشار حالة الفوضى، وارتفاع معدلات الجريمة والإرهاب وعملية التحول السياسي، جزءاً من الاهتمام الإعلامي بقضايا المرأة عموماً وبخاصة التحرش والاختطاف والأسلمة.

 

تتعامل بعض وسائل الإعلام بتوجس مع تلك القضية، فثمة صحفيون يعتقدون أن إثارتها تساهم في إيقاظ الفتنة الطائفية، ويعتقد آخرون أن المنظمات التي تدعم الضحايا وتدافع عنهم ترتبط بجهات خارجية تعمل على الإضرار بمصر، وبالتالي لا يظهر بعض الصحفيين حماسة لإثارة القضية وتسليط الأضواء عليها.

 

الإعلامية الدكتورة "دينا عبد الكريم" ترى أن هذه القضية، الأخطر والأقسى وسط كل التجارب الإنسانية المؤلمة فهي جريمة مكتملة الأركان يشترك فيها المجتمع بصمته البغيض، والأجهزة الأمنية بتخاذلها الذي يصل إلى حد التواطؤ أحيانا، وأحيانا الأسرة رغم كونها ضحية، إلا أنها تنتبه متأخرة لبعض المقدمات، وأحيانا الكنيسة حين تعامل هذه القضية كقضية جانبية وسط مئات القضايا التي تعانى منها.

 وتشير عبد الكريم إلى أن الإعلام الحكومي يستحيل أن يتناول قضية اختفاء فتاة قسريا واختطافها، فهو يعكس صورة المجتمع المتماسك حتى وان كنا على شفى الانهيار، بينما الإعلام الخاص ترد إليه الأخبار عن طريق استغاثات مباشرة. أما القنوات الدينية المسيحية، فتتناول الخبر باجتهادات متفرقة فردية، تزيد المواطن المصري المسيحي حنقا على أوضاعه في وطنه، لكنها لا ترقى لدرجة تحريك الرأي العام حول القضية، ولا تصل بها إلى المسؤولين إلا نادراً. رغم أن هذه القنوات على اتصال بمصادر الخبر، وتملك معلومات وافية لا تعرض بمساحة كافية.  وتضيف عبد الكريم أن القنوات الدينية الإسلامية لا تتناول القضية من الأساس وليس لها نهج تقويمي لمرتكبي هذه الجرائم، بل بعضها يذهب إلى أقصى من ذلك ويتناول القضية على أنها نصر لمرتكبيها، وتقول إن هذه القضية وصمتنا عليها تشعرني باختفاء الإنسانية.

 

 

رأي رجال الدين المسلمين

ويقول الشيخ نصر في مصر انتشرت ظاهرة خطف القاصرات بشكل عام، وبالنسبة للأقباط فهي واضحة لأن الكثافة العددية للأقباط في مصر أقل، والدولة في هذا الموضوع ترتكب التمييز ضدهم، ويتساءل:

"لماذا لم يُخطف الرجال كما تُخطف النساء والفتيات"؟ ويضيف أنه وصل الأمر لخطف قبطيات أعمارهن أقل من عشرة سنوات. ويرى نصر أن الجهات المعنية بالمرأة في مصر "حبر على ورق، وهي لزوم مسايرة الغرب، على أننا دولة تحترم المرأة". وعن مطالب إعادة عقد جلسات النصح والإرشاد، يقول نصر إن "حرية الاعتقاد في الدستور المصري غير مُفعلة، فالمجتمع منغلق واستبدادي، لا يؤمن بالتعددية والاختلاف". ويشير إلى أنه منذ 60 عاماً، لا يوجد في مصر إلا مسلمين ومسيحيين وتم إضطهاد اليهود والتنكيل بالمسيحيين، وزاد ذلك خلال حكم الإخوان المسلمين.

ويطالب نصر بضرورة عودة الفتيات القبطيات المختطفات، اللواتي أعمارهن أقل من 18 عاما، حتى ولو اعتنقن الإسلام، مضيفاً أن الأكبر عمراً من ذلك فهي حرة في اختيار عقيدتها أياً كانت، فأغلب حالات تغيير الديانة هي نتيجة العلاقات الطائفية. ويشير إلى أن "الأزهر ركع للسلفيين، ومازال يتهاون في مكانته الدعوية أمام للتيار السلفي الإرهابي، ومن المعروف أن السلفيين يبررون اغتصاب الأطفال تحت مسمى الزواج".

 

ويرى الشيخ أحمد كريمة أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر أن الأمر ليس بالظاهرة أو الكارثة، فهي نسب ضئيلة جدًا وحوادث فردية، قد تحدث في أي مجتمع. ويضيف أنه فيما يتعلق بمسألة اعتناق إنسان ديناً بالنسبة لقواعد الفقه الاسلامي، فإن الأولاد ينسبون للأب حتى البلوغ وإذا أراد أن يعتنق ديناً آخر فلا إكراه في الدين.

 وتشير السفيرة "مشيرة خطاب" المرشحة من قِبَل مصر لمنصب المدير العام لمنظمة اليونسكو، أنه لا بد من احترام الدستور وعلى وجه التحديد الفصل الخاص بالحقوق والحريات، فالماده 53 تنص على أن المواطنين لدى القانون سواء متساوين في الحقوق والواجبات ولا تمييز بينهم بسبب الدين أو الجنس.  وتوضح أنه يجب على الدولة التصديق على اتفاقية حماية الأشخاص من الاختفاء القسري والعمل على رفع الوعي بحقوق الإنسان بداية بمناهج المدارس ووسائل الإعلام.

 

الرأي المسيحي

ويقول الأب بطرس دانيال، رئيس المركز الكاثوليكي للسينما؛ إن دور الكنيسة، معروف دائماً بأنه بناء. ويضيف إذا وقع أي حادث إعتداء على المرأة نجد الكنيسة من أوائل المنددين به. ويطالب دانيال الإعلام بأن يُتيح الفرصة لكل وجهات النظر، وأن يوصل رسالة واضحة لكيفية علاج أزمة التعرض للفتيات والنساء، لأن المسألة ليست مجرد عقاب قانوني فقط، ويوضح أن العقاب لا يعالج مشكلة ولا يؤتي ثماره، ويشدد على ضرورة تطبيق الإجراءات القانونية بحزم فيما يخص اختطاف القبطيات القاصرات بالقوة، وأن يأخذ القانون مجراه.  ويشير إلى أن المجلس القومي للمرأة، مجرد مؤسسة روتينية، وأن الأمر يتطلب مشاركة قطاعات الفن والتربية والتعليم والإعلام، ورجال الدين لمواجهة أزمة التعرض للنساء بالتحرش أو للخطف.

 ختاماً هل تملك الدولة الإرادة السياسية لحل تلك القضية الإنسانية التي يُعاني منها، وتتألم بسببها آلاف الأسر المصرية المسيحية؟ 

* ناشط حقوقي مصري