"اليوم الثالث" - مصر

إن الأقباط والمصريين جميعاً، يبقون دائماً عرضة لاستهداف تيارات التشدد الديني، وآخرها ما حصل من فظائع في العريش حين أُحرق شهيدٌ قبطي أمام والده الذي قتلوه لاحقاً بالرصاص. هذه المحنة التي تمر بها مصر، تستدعي إلقاء الضوء على جوانب الأزمة بصراحة ووضوح، سعياً للخروج منها ومواجهة وحش التطرف.

 

نشر مؤخرًا تنظيم "داعش" تسجيلاً مصوراً من جزءين على اليوتيوب بعنوان "وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً"، هدد فيه مسيحيي مصر وعرض ما وصفه بأنه الرسالة الأخيرة لمنفذ الهجوم على الكنيسة البطرسية بالقاهرة الذي وقع في ديسمبر/كانون الأول 2016، تلك الكنيسة الملحقة بالكاتدرائية المرقسية، مقر بابا الأقباط الأرثوذكس.

وعلى الرغم من أن هذا الفيديو وغيره يعتمد على آيات قرآنية وأحاديث نبوية ما زالت تدرس في الازهر، إلا أن "دار الإفتاء المصرية" قد أدانت في بيان لها الإثنين الماضي هذا الفيديو.  وفي ظل تراخ من الدولة في مواجهة تلك الأفكار الداعشية المتطرفة، يبدو أن دعاوى تجديد الخطاب الديني كانت ذراً للرماد في العيون لا أكثر.

 في محاولة لتحليل أبعاد هذا المقطع من الفيديو وتداعياته على الدولة المصرية وآفاق التجدد الديني، حاور "اليوم الثالث" الأستاذ نبيل شرف الدين الكاتب الصحفي بجريدة "الأهرام" والمتخصص بشؤون حركات الإسلام السياسي.

 

 ما رأيك في اختيارهم عنوان الفيديو "وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً"؟

إن شعار "وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً" الذي اختارته "داعش" عنوانا لهذا الفيديو يُمثل "إفلاسًا سياسيًا" أو بالتعبير المصري "حلاوة روح"، بعد النجاحات التي حققها الجيش مؤخراً في محاربة الإرهاب في سيناء.

 إن هذا العنوان أو الشعار ليس جديداً، فقد رفعته كل التنظيمات الإسلامية قبلاً منذ "حادثة الزاوية الحمراء" الفاصلة في السبعينات مروراً بحقبة التسعينات التي شهدت حرباً ضارية بين تلك التنظيمات والدولة المصرية، وخلّفت آلاف الشهداء من الشرطة المصرية ومن المسيحيين على السواء، حيث كان الأقباط هم الحلقة الأضعف في تلك المواجهة، ودفعوا فيها الثمن غاليا من حياتهم وممتلكاتهم.

يجب الانتباه إلى كلمة "كافة"، فهم يرون أن كل المختلفين عنهم أنهم "مشركون" مستباحة دماؤهم ولذلك تجدهم يستهدفون كل مؤسسات الدولة.

إنني أذكر تلك الأيام المريرة التي كدت أنا شخصياً –(شرف الدين خدم في سلك الشرطة)- أن أدفع حياتي جراء فتوى من الشيخ الأزهري" عمر عبد الرحمن" الذي وافته المنية في سجنه بالولايات المتحدة، وشيعه بالأمس آلاف من أتباعه في مصر التي دُفن بها.

 

 لماذا دائماً نجد إقحام المسحيين فى تلك الرسائل؟ ما هي دلالات هذا الفيديو وتوقيت نشره؟

الرسائل التي يمكن أن نستخلصها من هذا الفيديو ثلاثة:

أولى هذه الرسائل هي أن هذا الفيديو بمثابة "فرقعة إعلامية"، الهدف منها ترويع الشعب المصري ومحاولة التأثير على معنويات القوات المسلحة خصوصاً بعد النجاحات الآخيرة ضد الجماعات المسلحة في سيناء.

وثانيها هي ما ينطبق عليه المثل المصري "ضرب عدة عصافير بحجر واحد"، فمن جهة محاولة دق إسفين بين القيادة السياسية والشعب المسيحي مستغلين ظرف الحرب وحالة الاحتقان التي تمر بها الدولة، وخسارة دعمهم كونهم شريحة هامة من الشرائح التي ساهمت في نجاح "ثورة 30 يونيو". وكذلك بين الكنيسة وشعبها لإحراجها وكأنها لا تقوم بدورها في دعم حماية أبناءها.

إن الحل يكمن في تطبيق القانون بحزم وعدم اللجوء لما يُسمي ب "الجلسات العرفية" التي لجأت إليها الدولة في كثير من القضايا الفترة الآخيرة.

أما الرسالة الثالثة فهي محاولة إحراج النظام الحالي أمام المجتمع الدولي، وإيصال رسالة بأنه غير قادر على حماية مواطنيه، وإرسال رسالة إلى الرئيس الأمريكي الجديد الذي تتناغم رؤيته لمحاربة الإرهاب مع رؤية الرئيس المصري مُفادها أننا هنا وأننا قادرون.

إنني انبه إلى خطر اللجوء لمنطق "المواءمات السياسية" بدلا من تطبيق القانون و"العدالة الناجزة". وأذكر واقعة "حفظ قضية" تجريدة امرأة مسيحية من ملابسها، والتي عُرفت إعلامياً باسم "سيدة الكرم" وكانت قضية رأي عام. وحفظ القضية بلا شك أغضب ملايين المسيحيين، إلى جانب محاولة حلها بالجلسات العُرفية وتنحية القانون المدني جانباً.

 

 ماذا عن دعوات تجديد الخطاب الديني وجدواها؟

لستُ من المقتنعين بتجديد الخطاب الديني، والأمر يحتاج إلى "إعادة نظر" في التراث الإسلامي برمته، وقد عبّر عن ذلك الرئيس المصري فى أكثر من خطاب موجه إلى الأزهر، إلي أن وصل إلى قوله في آخر لقاء رسمي جمعه بشيخ الأزهر "تعبتني يا فضيلة الإمام"، وهي عبارة تحمل من الدلالات الكثير. إن الازهر بوضعه الحالي تناقص دوره، وأصبح تأثيره على قطاعات كبيرة من المسلمين هو الأضعف إذا ما قُورن بتأثير الجماعات السلفية الآخرى.

إنني أتعجب من تسامح الدولة مع الدعوة السلفية والتيار السلفي عموماً التي أعتبرُها "مفرخة" للدواعش. فشيوخها أمثال "ياسر برهامي" و "محمد حسان" وغيرهم، لا يقل خطرهم عن داعش لأنهم هم المُنظِّرون للدعاوي التكفيرية، وهم بحسب رأيه خلايا نائمة أو "دواعش كامنة" تتحين الفرصة للإنقضاض، فهم يمارسون الآن "التُّقية" وهو مصطلح إسلامي كثيرا ما استخدمته جماعات الإسلام السياسي، وهو يعني التكيف مع الأوضاع السياسية والعمل في الخفاء حتي تأتي لحظة "التمكين" والتقية التي مارسها الإخوان المسلمون تحت شعار "مُشارَكة لا مُغالَبة"، حتى جاءتهم لحظة "التمكين" بعد تنحية "حسني مبارك" عن الحكم.

إنني أحذر انطلاقاً من خبرة 15 سنة في جهاز الشرطة وكمحلل سياسي لحركات الإسلام البسياسي، من خطورة أن يستخدمهم النظام كبديل للإخوان المسلمين، لأن كلهم "وجوه لعملة واحدة" وأدبياتهم كلهم واحدة وإن اختلفت المُسميات.  إن التوصيف الحقيقي لما يقوم به تيارات وجماعات الإسلام السياسي هو "توزيع أدوار": داعش للقتل، والسلفيون للاستقطاب، والإخوان للعمل السياسي والدعائي.

لا بديل عن "ترسيخ أركان الدولة المدنية"، هذا العنوان يخرج عنه عناوين صغيرة مثل إبعاد الدين عن الشأن السياسي أو عدم تديين السياسة أو تسييس الدين. ثم يأتي بعد ذلك دور المناهج التعليمية وأنا شخصياً أُعوّل كثيرا على وزير التعليم الجديد.

 

 ماذا عن وضع المسيحيين بالعريش بعد نزوح أكثر من 16 أسرة وقتل 6 منهم في أقل من شهر؟

إن هذه الأسر لها كل العُذر ولا يُمكن لومها في ذلك، ولكن الأمر ليس مقتصراً على المسيحيين فهناك أيضا العديد من شهداء الجيش والشرطة. ولا أستبعد زيادة وتيرة الأحداث الإرهابية في الفترة القادمة بعد هذا الفيديو، خاصةً بعد أن قطعت القوات المسلحة شوطا كبيراً في محاربة الجماعات المسلحة في سيناء. لكن في كل الأحوال يجب أن تقوم الدولة بدورها في حماية مواطنيها المسيحيين.

 

  • أبرام لويس ناشط حقوقي مصري.