هل أصبح الأقباط مجرد أرقام؟!

لا يُخفَى على أحدٍ ذي عينٍ مُحايدة أن يرى كم الانتهاكات والاعتداءات على الأقباط في الفترة الآخيرة. ولم يعد الأمر يُقاس بكم الاعتداءات ولكن اختلفت أيضاً في كيفيتها ونوعيتها، فمن تعدٍ على حقوقهم الدستورية وتوليهم مناصب معينة في الدولة، إلى الاعتداء على دور عبادتهم، ومن القتل والذبح إلى التهجير القسري وهلم جرى...

 

العريش ليست نهاية المطاف

لم تكن عمليات التهجير للمسيحيين في العريش هي الأخيرة، ويبدو من تتبع سياقها لن تكون الأخيرة.

الواقعة الأولى حدثت أثناء وجود جماعة الإخوان في الحُكم، حيث تم تهجير ثمانية أسر مسيحية بقرية شربات التابعة لمنطقة النهضة بالعامرية في الإسكندرية في شباط/فبراير 2012، بعد سلسلة من الاعتداءات على منازل الاقباط ومتاجرهم، إثر شائعة بوجود علاقة بين شاب قبطي وفتاة مسلمة  وتم حرق منازل الأقباط وعقدت جلسة عرفية دعا إليها التيار السلفي وحضرتها قيادات أمنية بمباركة الدولة!

 ولمّا لم تكن الدولة حاسمة في وضع معالجات جذرية لها أمنياً وثقافياً لها، تكررت بعد عدة شهور في قرية دهشور بمركز البدرشين محافظة الجيزة، والتي بدأت مساء الثلاثاء 31 يوليو 2012 واستمرت حتى صباح اليوم التالي، وأسفرت عن التهجير القسري لما يقرب من مائة أسرة من القرية.

 

التأصيل القانوي لجرائم التهجير القسري

التهجير القسري جريمة ضد الإنسانية، ويعرّف القانون الدولي التهجير القسري بأنه "ممارسة ممنهجة تنفذها حكومات أو قوى شبه عسكرية أو مجموعات متعصبة تجاه مجموعات عرقية أو دينية أو مذهبية بهدف إخلاء أراض معينة وإحلال مجاميع سكانية أخرى بدلاً عنها".  ويكون التهجير القسري "إما مباشراً أي ترحيل السكان من مناطق سكناهم بالقوة، أو غير مباشر، عن طريق دفع الناس إلى الرحيل والهجرة، باستخدام وسائل الضغط والترهيب والاضطهاد".

 وفي هذا السياق رفضت الدولة الاعتراف بأن ما يحصل في العريش هو تهجير قسري، وهو أمر غريب ومستهجن أن يصرح بعض المسؤولين الحكوميين أن تلك الحوادث ليست تهجيراً قسرياً، فهذا يُظهر بجلاء عدم جدية الدولة في وضع حلول جذرية.

 بحسب التصريحات الرسمية التي أدلت بها الكنائس في مدينة الإسماعيلية التي احتضنت الأسر المهجرة بسبب تهديدهم بالقتل، فقد وصل ما يقرب من 1000 مُهَجَّرٍ الإسماعيلية، ومازال العدد فى زيادة. ولا تتعجب حين تسمع أن أحد أفراد العائلة التي قُتل فيها الأب "سعد حكيم" وابنه "مدحت" يقول إنهم طلبوا المساعدة من الأجهزة الأمنية، التي لم تُعطِ لهم أيَ اهتمامٍ وتركتهم يواجهون الموت بأنفسهم.

 

الواقع المأساوي لمسيحيي العريش وسيناء والإمارات "الداعشية"

في شهادات عدة مع أسر المهجرين قسريًا إلى الاسماعلية، تُصدَم حين تسمع أن النساء القبطيات أجبرن على تغطية شعرهن بغرض إذلالهن. وقد صرح مسؤولٌ أمنيٌ بشمال سيناء لوسائل الإعلام أن عناصر تنتمي لتنظيم "أنصار بيت المقدس" الإرهابي قد طالبت المعلمات اللواتي يعملن في مدينة رفح ارتداء النقاب، وضرورة وجود مِحرِم أثناء ذهابهن إلى العمل! بالطبع هم يستخدمون في فكرهم التكفيري مصادر فقهية إسلامية.

 والسؤال الملح هنا لماذا تقف الدولة مكتوفة الأيدي أمام هذا الفكر التكفيري الإرهابي؟!

 

تفجير ثم تكبير !!

مشهد يتكرر بعد كل حادث قتل وتفجير! يا له من مشهد منفر ومقزز أن تجد مسلحي تلك الجماعات التكفيرية يجوبون بسياراتهم المدينة وهم يصيحون "الله أكبر"، فأي إله يتعبدون له؟! أي إله هذا الذي يحثهم على القتل والحرق والإغتصاب؟

 تقول السيدة "ن" 65 سنة، إن اثنين من الجهاديين قد اقتحموا بيتها وقتلوا زوجها أمام عينيها، وعندما صرخت أخرجوها خارجا وقتلوا ابنها أيضا ومن ثَمَّ قاموا بحرق منزلها. أما السيد"س. م" (٨٩ عام) وهو من المحاربين القداىي ومن أقدم العائلات المسيحية في العريش، فيبكي بحرقة ما آل إليه حال المدينة، ويقول بلهجته السيناوية البسيطة: "بقي في السن دا أهرب من داري بجلابية وعكاز عشان مسيحي!"

 

سيناء وتحولات استراتيجية محتملة

إن حساسية الوضع في سيناء وحدودها الطويلة التي تبلغ 266 كيلو متر مربع مع إسرائيل، وكذلك وضعها الاستراتيجي بين قارتين، بل بين دولتين كانت بينهما حروب طويلة، وبينهما الآن معاهدة سلام هشة. كل هذا يبعث على القلق خاصة أيضًا بعد التسريبات الآخيرة لوزير الخارجية المصري واللقاء الثلاثي الذي جمع الرئيس المصري والعاهل السعودي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي.

فهل هذا بداية لتقسيم سيناء واجتزاء مساحات منها وضمها لدولة فلسطينة وليدة؟

 لكن السؤال الأهم والذي يعنينا هو لماذا دائما يدفع الأقباط الثمن الأكبر، والمسيحيون المشرقيون عموماً، في كل صراع سياسي أو تحول استراتيجي؟!

* ناشط حقوقي مصري