"البقية في حياتك" جملة مصرية عربية تقال في مناسبة حزينة، كموت شخص عزيز أو مصيبة حدثت لشخص ما. ولكننا نحن الأقباط ألفناها، حفظناها، تعودنا عليها منذ نعومة أظافرنا.

وحتى أصبحنا جيل ما بعد انقلاب 1952 الذي حطم مصر، وحولها من دولة قانون إلى دولة سادة وعبيد حسب الكلمات الشهيرة التى أطلقها منظر نظام يوليو "أهل الثقة أولى من أهل الخبرة"، ومن وقتها إلى عهدنا هذا، أصبحت هذه الكلمات تسري في فكر وعقل ونبض كل مسؤول مصري. لذلك لا تتعجب حينما ترى لواء من الجيش أو الشرطة يجلس على كرسي محافظة ولا يعلم من أمرها شيئاً سوى كونها مكافأة له.

البقية في حياتكم... كلمة صداها المر يتكرر يومياً على مسامع الأقباط فى مصر، منذ العهد الناصري وفي كل عصر ونظام جاء بعده، ساداتي، مباركي، مرسوي، سيسوي الكل سواء.

 ويقولون لنا الكلمة العليا للقانون! عن أي قانون يتحدثون؟؟ عن هذا الذي مات بعد أن تبجح وخلع عصابة العين ليرى ويفحص المواطنين ويحاكم البشر على أساس ديني بحت؟

 

"البقية في حياتكم"... ليست جملة تجنٍّ من الأقباط على دولة ضاع فيها العدل وانتشر الظلم. هذه الجملة تقال عن خبرات يومية ذاق فيها الأقباط طعم الظلم ومرارة انعدام العدل، وعلى سبيل المثال وليس الحصر:

 

 الإعتداءات على الأقباط

البداية عام 1970 من حوادث الخانكة. إذ تم شن هجوم على جبانة للأقباط وقتل اربعة منهم. وتلاها بايام هجوم على جمعية الكتاب المقدس بالخانكة وأعمال سرق ونهب لدار الكتاب المقدس، ولم يدن أحد!!

مذبحة الزاوية الحمراء عام 1981، حين شهدت أعمال قتل وسلب ونهب وأعمال حرق لكنائس ولصيدليات الأقباط وحرقت كنيسة القديسة دميانة التي كنا نتمنى فداءها بأرواحنا.. ولكننا خرجنا بعد وعود أمنية بحفظ الأمن وعدم المساس بالكنيسة، وأيضاّ لم يحاكم أحد... بل كانت الشرطة المصرية تقبض على الإرهابيين وتضعهم فى عربات مصفحة لتطلقهم على بعد عشرات الأمتار ليكرروا أعمالهم الإجرامية..

 

 عام 2000 شهدت مدينة الكشح قتل واحد وعشرين قبطياً علاوة على أعمال حرق وسلب ونهب وحرق.. بل حُرقَ الشهيد وهيب جرجس حنا وسط أرضه، وكانت كلمات النيابة فى جلسة المحاكمة تعطيك احساساً بأن الحق سيعود وسيحاكم القتلة على أعمالهم الإجرامية. وبعد ذلك قبضت أجهزة الشرطة المصرية على 2500 أسرة قبطية، وكانت تسب السيدات القبطيات بأقبح كلمات وتصفهم بالعاهرات والحكم الأاخير كان قتلى قتلوا أنفسهم!

واستمرت الاعتداءات هنا وهناك. ففي نبذة بسيطة نجد مذبحة المنشية عام 1992 وهجوم كاسح من الجماعات الإرهابية وقتل 13 قبطياً، ومذبحة ديروط وقتل فيها 14 قبطياً ومذبحة، أعمال تخريب وقتل 4 أقباط في هجوم على دير المحرق وقتل 5 رهبان عام 1997، قتل 13 قبطيا فى قرية بهجورة في 1998 وتم تهجير 15 عائلة قبطية فى قرية حجازة قبلي مركز قوص عام 2006...

هناك الاف الأحداث حتى العام 2016. هجوم غوغاء ودهماء على قرية أبوقرقاص وتعرية سيدة قبطية مسنة فى العقد السابع من العمر، وسحلها وضربها عارية إلى أن نجح الأمن المصري فى إخراج نهائي أدى الى حفظ التحقيق.

 

العدالة؟

بالطبع نحن الأقباط نذكر بعضنا البعض. البقية فى حياة كل شخص فى "دولة القانون" ودولة العنصرية التي تفشت في مؤسساتها وأصبح القضاء أعوجاً يميّز بين البشر...

ولكن إن سقطت عدالة الأرض فعدالة المساء باقية وتقتص من الجاني مهما كان اسماً عالياً..

نحن الأقباط نتجرع الظلم والمرارة مرتين.. مرة مع جموع الشعب المصري ومرة أخرى لكوننا مسيحيين.

" طوبى لكم إذا عيروكم وطردوكم وقالوا...".

إنها بداية وليست نهاية لنرفع أصواتنا في المحافل الدولية لنندد بدولة ضاعَ فيها العدل وتفشّى الظلم.

* رئيس مجلس المنظمات القبطية في أوروبا