هذا المكون المشرقي العظيم من المسيحيين: شعوب أصيلة، أقوام متجذرة، بناة حضارات عريقة في هذا المشرق وصنعوا أعظم تاريخ في الشرق نظراً للأهمية الاستراتيجية والاقتصادية لمناطقهم في مصر، بلاد ما بين النهرين، سوريا التاريخية، ارمينيا. فقد شكل المشرق هدفاً دسماً لمعظم الامبراطوريات التي ظهرت عبر التاريخ، وبالنظر للصلة التاريخية والتجاور الجغرافي دفعت هذه الشعوب أثماناً باهظة نتيجة لموقعها وبالتالي كان مسيحيو المشرق دوماً كبش المحرقة !

 

المسيحيون في ظل الأنظمة القومية

مع نشأة الدول الوطنية في بداية القرن العشرين واستقلالها بعد الحرب العالمية الثانية، استبشر مسيحيو المشرق خيراً وتفاءلوا بمستقبل جديد، تنتهي فيه المظالم والاضطهادات بحقهم. تأملوا أن يعيشوا كمواطنين بكامل حقوق المواطنة والمساواة مع شركائهم المسلمين في كنف الدول التي ساهموا في استقلالها وازدهارها. لأجل هذا اطلقت النخب المسيحية، ومعها النخب العلمانية الليبرالية المسلمة، مشروع "الدولة المدنية" باعتباره النموذج الأمثل لبقاء المسيحيين واستمرارهم في أوطانهم الأم. لكن سرعان ما خابت آمال المسيحيين المشرقيين. فقد اصطدم مشروع الدولة الوطنية برفض الاسلام التقليدي، الذي اصر على أن تكون "الشريعة الإسلامية" المصدر الأساسي للتشريع و"الاسلام" دين الدول أو دين رئيس الدولة، فبقيت الأنظمة السياسية والاجتماعية والتربوية والتعليمية للدول العربية والاسلامية في المشرق، أسيرة الأيديولوجيات والعقائد الدينية والقومية/العرقية. وشكلت ومازالت هذه الآيديولوجيات والعقائد البيئة الاجتماعية والثقافية والقانونية، لاضطهاد المسيحيين وغير المسلمين عموماً في مجتمعات المشرق.

 

مآسي "الربيع"

كانت الحركات الراديكالية" لما سمي بـ"الربيع السياسي العربي" نهاية 2010 بداية جلجلة حقيقية لأسباب داخلية وخارجية متداخلة، سرعان ما تحولت الى حروب طاحنة ونزاعات ارهابية، جلبت الويلات والمآسي لشعوب هذه المنطقة وخصوصا للمسيحيين. كانت هذه المرحلة الأكثر مأساوية وكارثية على مسيحيي المشرق، وبشكل خاص على مسيحيي سوريا والعراق الذين دفعوا ولا يزالون الاثمان الباهظة من قتل وتنكيل وتهجير. فقد تعرضوا لعمليات تطهير عرقي وديني على ايدي التنظيمات الاسلامية المتشددة.

وفي مصر، بعد "ثورة 25 يناير"، تصاعدت وتيرة العنف الديني الممنهج ضد الأقباط المسيحيين في مناطق مختلفة حيث طالتهم فتاوى التكفير والتنكيل. وصل الاستهتار والاستخفاف بكرامة الأقباط الى قيام جموع مسلمة، من قرية الكرم بمركز أبو قرقاص بمحافظة المنيا، بتعرية امرأة قبطية مسنة تعيش هي وعائلتها معهم منذ عقود طويلة، وسحلها في شوارع القرية أمام أنظار الأهالي والسلطات المحلية. في الاردن - لم تنتقل اليه بعد اوهام الربيع الاسلامي تم اغتيال الكاتب والصحفي المسيحي ناهض حتر على يد مسلم متطرف، أمام باب المحكمة وبتواطؤ واضح من السلطات الاردنية.

كل هذه المؤشرات تنذر بمستقبل قاتم لمسيحيي هذا المشرق. ماذا يفعل الأقلوي في هذا الشرق؟ ماذا يفعل أمام طغيان الأكثرية الدهماء، وأمام استيقاظ النعرات الدينية والعرقية؟ الانتفاضات والهبات الشعبية العربية الاسلامية، انتجت تنظيمات اسلامية أكثر تشدداً وإرهاباً ووحشية، مثل تنظيم داعش والقاعدة وجبهة النصرة التي أعادت بالمنطقة عقوداً ربما قروناً الى الوراء. زعزعت ما تبقى من وجود مسيحي في المشرق، وباتت المسيحية مهددة بالتلاشي والاندثار من المنطقة التي ظهرت فيها ومنها انتشرت الى باقي أنحاء العالم.

 

قرون طويلة ومسيحيو المشرق صامتون، صابرون على المظالم التي لحقت وتلحق بهم. عندما قرر المسيحيون الخروج عن صمتهم ورفع صوتهم عالياً شاكين من أوضاعهم المأساوية، مطالبين بحقوقهم في المواطنة الكاملة ومساواتهم مع شركائهم أوطانهم الأم، تبارى الكثير من المسلمين، مشايخ وأئمة وكتاباً ومثقفين وسياسيين ونخباً وحكاماً، في التهجم على مسيحيي المشرق وتخوينهم والتشكيك بولائهم لأوطانهم واتهامهم بالحقد على الاسلام والمسلمين. بعضهم وصفهم بـ"بقايا الصلبيين". العديد من الأئمة والمشايخ دعا الى هدم كنائسهم وتهجير وطرد من تبقى منهم في "ديار المسلمين"، وفق تعبير هؤلاء الأئمة والمشايخ وخصوصا في العراق: "مسيحيو العراق هم مشركون علينا قتالهم وسبي نسائهم.... والمسيحيون يمثلون الصهيونية في العراق ومشروع الاسلام الجهادي يحلل لنا قتالهم". وذلك كما كل الفتاوى الاسلامية السابقة، التي تحلل قتل المسيحيين وسبي نسائهم وفتياتهم، ولم يصدر أي رد فعل من المرجعيات الاسلامية العربية وغير العربية، تدين وتستنكر هذه الفتاوى القاتلة...

لكننا، على الرغم من كل ذلك، نبقى متمسكين بالرجاء وببروز أصوات متنورة في الإسلام المشرقي!

*باحثة سورية مقيمة في الولايات المتحدة