صحيح أنَّ روسيا تدافع عن سورية على قاعدة مصالح استراتيجية وأمن قومي في مواجهة الولايات المتحدة، ولكنّها أيضاً تشترك مع خصومها الغربيين في مواجهة عدو مشترك.

وفِي قراءات مختلفة لهذا الموضوع، نجد ان أحد أهم الأسباب لدعم روسيا لسورية هو الخوف من انتقال وانتشار الوهابية القتالية الى الجمهوريات السوفييتية السابقة والقوقاز وآسيا الوسطى..الروس يدركون تماماً بأن خسارتهم في سوريا قد تعني خسائر جمّة استراتيجية وأمنية وقد تصل الأخطار إلى صميم بلدهم، خصوصاً وأن من المقاتلين السلفيين هم مدعومون من قبل الغرب، على الأٌقل خارج حدوده.

وبرأي أحد الخبراء العسكريين الروس، إن القلق الروسي من الإسلام السلفي - الوهابي ونفوذ السعودية في آسيا المركزية والقوقاز والجمهوريات الروسية المسلمة يرسم شكل التعاطي الروسي مع تحولات المنطقة خاصةً الأزمة السورية.

 

خطر الوهابية على روسيا

يتحدّث السياسيون الروس عن انتشار الوهابية السلفية في حدود روسيا الأمنية، ويذكّروا بأنه بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وانتشار الفوضى والاضطرابات في الجمهوريات المستقلة حديثاً، تهيأت الأجواء لتغلغل القوى الدولية والإقليمية مثل إيران وتركيا والسعودية في هذه المناطق. وتحرّك المجاهدون المتطرفون من أفغانستان والوهابيون السعوديون والمجموعات الإسلامية الأخرى من باكستان وتركيا والدول الأخرى باتجاه المناطق ذات الأغلبية المسلمة في الاتحاد السوفيتي السابق.

 

ويعتقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن تهديد الإسلام المتطرف للحدود الروسية وللجمهوريات السوفيتية السابقة من أهم التحديات الأمنية التي تواجه بلاده، حيث يشّكل المسلمون غالبية سكان الجمهوريات السوفيتية السابقة التي تعتبرها روسيا ما تصطلح عليه اسم (الخارج القريب) أو الفناء الخلفي لها. لذلك الروس قلقون من نشوب اضطرابات وحدوث تغيرات في هذه الدول توصل السلفيين إلى السلطة، عندها ستصبح روسيا محاصرة من قبل أنظمة متطرفة.

ومن وجهة نظر إيديولوجية وأمنية فإن السلفية الوهابية تمثل مشروع زعزعة للاستقرار في روسيا، إذ لا قدرة للتعاليم الوهابية - السلفية على تحمل باقي الأديان كالمسيحية واليهودية وحتى باقي المذاهب الإسلامية الأخرى مثل المذهب الشيعي، ولا يعتقد السلفيون بالتغير السياسي الهادئ والمتدرج ويبررون استخدام العنف كأداة مشروعة لمواجهة ما يعتبرونه أعداء الإسلام.

 

"التبشير" السعودي بالوهابية

وطوال نصف قرن كانت مفاهيم الوهابية - السلفية عن الإسلام أهم صادرات السعودية للعالم الإسلامي، حيث درس الكثير من السلفيين المتطرفين في جامعات الإمام محمد في السعودية. ومنذ السبعينات يجري الترويج والتبليغ للوهابية والسلفية في جميع أنحاء العالم حيث أنشئت مؤسسات غير حكومية لهذا الغرض مدعومة مالياً من السعودية. وتسعى السعودية على الدوام لنشر التعاليم الوهابية بين مسلمي العالم، ووقوفها إلى جانب الغرب وأمريكا لإسقاط النظام في سورية ودعم معارضيه ليس إلا مؤشراً على مساعي الرياض لسحب سورية إلى معسكر آخر.

وفي هذا السياق بعد سقوط الاتحاد السوفيتي أرسلت السعودية عدداً كبيراً من الدعاة والمروجين للأفكار السلفية والوهابية إلى الجمهوريات الروسية السابقة. وقد أدان الروس الدول العربية وخاصة قطر والسعودية لتدخلها في شؤونهم الداخلية وشكّل لهم هذا الأمر قلقاً كبيراً جداً.

 

ووقد عزز تصاعد تأثير الإسلام المتطرف بين المعارضين السوريين العزيمة الروسية على تقديم كافة أشكال الدعم للرئيس السوري بشار الأسد، لأن دولاً كالسعودية وقطر تدعم وبقوة السلفيين في سوريا بالمال والسلاح لتعزيز قوة هذه المجموعات السلفية مقابل الإسلام المعتدل والأطياف العلمانية في سوريا، ما سيؤد إلى نمو قوة التيارات المتطرفة في آسيا المركزية.

 

المتطرفون الإسلاميون في قلب الصراع الدولي

وفي سياق الصراع الدولي بين واشنطن وموسكو، تنظر الأخيرة الى ما يجري في المنطقة على أنه ينطوي على مخاطر جدية ولدت بعد الحرب الباردة العام 1999، حيث كانت الجمهوريات الروسية المسلمة والجمهوريات السوفيتية السابقة كأوزبكستان وقرقيزستان وحتى الولايات المسلمة كولاية (سين كيانغ) في الصين هدفاً للعمليات الاستخباراتية وعمليات التخريب المختلفة التي تقوم بها أمريكا وحلف الناتو.

وتعتقد موسكو بقوة في أن واشنطن، ومن خلال التلاعب بالمجموعات المتطرفة وتحريضها على نشر الفوضى في المناطق المسلمة في الصين وآسيا المركزية والجمهوريات الروسية المسلمة، تخطط للتحكم بأوضاع هذه المنطقة وإعداد الأجواء للتدخل والتواجد الأميركي فيها لإخراجها من دائرة السيطرة الروسية، باستخدام نشاط المنظمات والمؤسسات غير الحكومية. وفي الوقت الراهن يُعمل على هذا الهدف بوضوح في سوريا من خلال مواجهة الحكومة السورية، وقد أدرك المسؤولون الروس جيداً الارتباط بين التيارات الإسلامية المتطرفة المتواجدة في آسيا المركزية وسوريا وبين الدعم الأمريكي لهذه التيارات وأيقنوا بأنهم سيشاهدون قريباً هذه التيارات تدخل منازلهم قادمة من القوقاز.

 

الإستخدام الأميركي للتطرف الإسلامي

وفي السياق نفسه تعتبر روسيا أن قضية اغتيال الزعماء البارزين للإسلام المعتدل في كل أنحاء العالم هي من أخطر عمليات أميركا الاستخباراتية خلال السنوات الأخيرة.

ففي السابق بنيت علاقات ملتبسة بين أجهزة الاستخبارات الأمريكية وحلفاء لها داخل المنظمات الدينية المتطرفة في دول مختلفة، لكن الشيء الذي ما يجعل اللعبة الأميركية في هذه المرحلة خطرة للغاية هو انتشار هذه التيارات على نطاق واسع وفقدان القدرة على كبح جماحها والتحكم بها.

وقد بدأت اللعبة الأميركية الجديدة هذه في تونس وانتقلت عدواها إلى ليبيا ومصر وصولاً إلى سوريا ومن المحتمل نقلها إلى القوقاز وآسيا المركزية. وفي هذا السياق تتعاون أمريكا مع تنظيم القاعدة والسلفيين والوهابيين في السعودية وحركة فتح الله غولن في تركيا لتحقيق أهدافها ومصالحها.

 

العين الروسية على سوريا

الدعم الروسي لسورية والذي يعود الى عقود، لا يقتصر على الأبعاد السياسية والاستراتيجية ولا يندرج في سياق الصراع الدولي فحسب، بل الأمر مرتبط بتدابير احترازية تقوم بها موسكو تأكّدت في الوقت الحاضر بعد انفجار العنف الوهابي على نطاق عالمي. فموسكو ترقب بعين القلق للاعتداءات الإرهابية للجماعات المتطرفة الوهابية ـ السلفية خلال العقود الثلاثة الماضية، حيث تمتد هذه المواجهات إلى أفغانستان والقوقاز الشمالي والبلقان والشرق الأوسط العربي وحالياً وصلت إلى سوريا. وقد فرضت هذه المواجهات على روسيا دفع نفقات باهظة لمنع نشوء نظام جديد في سوريا يمثل تهديداً جدياً لأمن المناطق المسلمة في روسيا واستقرارها.

*باحثة سورية مقيمة في الولايات المتحدة