أطفال يلهون ورجال شاردو الذهن يفكرون في المستقبل وسيدات تمتلئ عيونهن بالدموع، هكذا كان المشهد في بيت الشباب بالإسماعيلية، والذي فتحه وزير الشباب لاستقبال أسر العريش.

مستقبل غامض وحاضر مليئ بالآلم والعنف ومشاهد دماء تترسخ فى أذهان الأطفال، تبرعات وتكاتف وتعاون بين الكنائس التي فتحت ابوابها لاستقبال 144 أسرة _ بحسب آخر إحصائية للكنيسة _ من جهة والمسؤولين فى الدولة من جهة آخرى.

بعضهم يتذكر كيف كانت العريش فى وقت سابق وآخرون لا يتذكرون الا قتل ذويهم والتنكيل بجثثهم، وغيرهم ما زال يتمنى العودة للعريش حيث جيرانهم وكل حياتهم، إلا أنَّ جميعهم أجمعوا أن الأرهاب لا يفرق بين أحد ويستهدف الجميع.

 

تروي قتل إبنها...

"كان ابن عمري" وأخي وسندي في الحياة بعد وفاة والده، الا أن التكفيريين قتلوه بدم بارد اثناء وجوده في السوبر ماركت. هكذا بدأت الحديث والدة وائل يوسف والذي تم قتله فى 30 يناير من العام الجاري 2017 بينما كان هو وزوجته.

"كان يقف فى المحل المتواجد بشارع 23 يوليو وهو شارع مزدحم ومعه زوجته الحامل، حتى آتى ثلاثة تكفيريين قاموا بالقاء زوجته خارج المحل ووقف أحدهم واضعًا السلاح على قلب ابني، وأطلق النيران عليه فاخترقت الرصاصة قلبه وخرجت من ظهره،  وبعد ذلك قاموا بفتح إحدى الثلاجات وتناولوا المشروبات الغازية والبسكويت!

إننا ننتظر ابنه فزوجته سوف تلد خلال الأيام القادمة فتاة وسوف نطلق عليها" فيولا"، مضيفة: وائل لديه ولدان احداهما في الصف الثاني الابتدائي والآخر فى الصف الرابع الابتدائي، وكان هادئ الطباع ولا توجد عداوة بينه وبين أحد والجميع يحبه وكان إبناً باراً يهتم بكل أفراد الأسرة، وتستطرد باكية:" حرموه يشوف بنته". وتسكتمل: "يوسف" حفيدي عقب رؤيته لولاده مقتولًا ظل يبكي وهو يقول "بابا كان طيب قتلوه ليه"، ولكننا لا نملك إجابة على سؤاله.

 

هددوا المسلمين لعدم مساعدتنا

حالة الحزن عينها سيطرت على اشرف شوقي شقيق عادل شوقي والذي تم قتله فى 11 شباط فبراير من العام الجاري، ودفعته حالة الحزن ليحمل" ملفاً" عن أسماء الشهداء الذين تم قتلهم منذ بداية الأحداث، مطالبًا بالكشف عن هوية المنفذين.

واستطرد: لم نستطع دفن أخي بالعريش لأن المتشددين يرفضون الأمر، كما قاموا بتهديد المسلمين في حالة مساعدتنا، مضيفاً: "تركنا بيتنا ولا نستطيع بيعه بسبب تهديدات المتشددين وتعليماتهم بعدم شراء بيوتنا، وخرجنا لا نحمل الا الكفاف".

وتتدخل زوجته "نادية سعد" فى الحديث: "تركنا مفتاح بيتنا لجيراننا المسلمين ولكننا نعرف أننا إذا عدنا لن نجد الا الحطام، فمثلنا مثل غيرنا هربنا ونحن لا نحمل أبسط احتياجاتنا وملابسنا ومعنا أطفالنا الأربعة الذين تركوا مدارسهم". وهاجمت نادية الكنيسة فى العريش واتهمتها بالتخاذل بعد أن أقفلت أبوابها في وجوههم، ونصحوهم بترك المدينة نظرًا لعدم قدرتهم على تقديم أي خدمات لهم.

 

بتماسك تروي السيدة نبيله فوزي التي شهدت مقتل وحرق زوجها وابنها الوحيد تفاصيل ما حدث:

"كان الوقت متأخراً وكنا نستعد للنوم، وفوجئنا بأشخاص ملثمين يطرقون الباب، ففتحه إبني الا انهم قاموا على الفور بإطلاق النيران وطردي من المنزل، وبعدها قاموا بسرقة بعض المحتويات ونقلها على عربة كانت تنتظرهم، وبعدها قاموا بقتل زوجي وإشعال النيران فى المنزل كله".

وبينما تلتقط السيدة نبيلة انفاسها تنظر لمن حولها بعيون شاردة وتقول "هم ارتاحوا انا اللى تعبت واتبهدلت بعدهم، هم في مكان أفضل أنا اللي هعيش تعبانه بعدهم".

 

السيدة" م. ع" والتي رفضت ذكر إسمها خوفًا على حياة زوجها الذي مازال يقيم في العريش بالكنيسة قالت: زوجى مسؤول عن تكفين الجنود الذين يستشهدون على يد التكفيريين، ورفض السفر معنا حتى يستطيع أن يقوم بعمله.

 

"لا للنصارى في أرض الإسلام"

وعن أسباب تركهم العريش قالت: كل سكان المدينة مهددون بالقتل فى أى لحظة سواء اذا تم استهدافهم بشكل مباشر أو اذا أصيبوا خلال المواجهات اليومية بين العناصر المتشددة وقوات الجيش.

 

وأضافت: "خفت على بناتي بسبب الأحداث ومنعتهن من الذهاب إلى المدرسة حيث كان يتم تهديدهن بكلمات مثل " هنحلقلكم شعركم" و "لا للنصارى فى أرض الاسلام".

 

" تركنا كل شيء حفاظًا على أرواحنا " هكذا عبر"حرز عطالله" 65 عامًا عن الوضع فى العريش، مضيفًا لم يطلب منا أحد الخروج وترك المدينة ولكن الأحداث واستهداف الأقباط أجبرنا على ترك كل ممتلكاتنا والرحيل.

سيفين مرقص مسن عمره 85 عام اجبرته الحوداث الأخيرة على الفرار هو وكل أسرته فتركوا العريش بمساعدة أحد جيرانهم المسلمين الذى وفَّر عربة لنقلهم حتى لا يتم استهدافهم من قبل التكفيريين قال: عشت 55 عاماً فى العريش كنت عامل بالتربية والتعليم ووقتها كانت البيوت فى العريش عبارة عن " عشش"، وعاصرنا حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر ولم نر مثل هذخ الحوادث، مضيفًا: تركنا العريش وتركت بيتي أنا وكل أولادي وأحفادي.

وعن بداية الأحداث قال إن الاحداث بدأت تتصاعد منذ شهرين حيث كانوا في البداية يرسلون تهديدات للاطباء وخطف آخرون طلباً لدفع فدية، وبالفعل قام عدد كبير منهم بترك المدينة، الا انهم خلال الشهرين الماضيين بدأوا في استهداف المسيحيين فى الشوارع والأسواق وتوزيع منشورات تطالبنا بالرحيل، وتتوعد من يساعدنا من المسلمين بالعقاب، فلم يكن أمامنا الا الرحيل حفاظًا على حياتنا.

وأرجع" سيفين" ماحدث إلى إخلاء رفح من سكانها وهروب البدو والعرب إلى العريش ومعهم أسلحة ثقيله من خلال أنفاق قاموا بحفرها.

 

العريش قديماً

مدينة العريش لم تكن هكذا في يوم من الأيام، فالأحداث غريبة على سكانها الذين عاشوا فيها سنوات طويلة حتى أصبحت المدينة جزءًا من تكوينهم.

وتعود والدة الشهيد وائل يوسف بالذاكرة لأربعين عامًا مضت عندما وصلت إلى العريش لأول مرة، وزوجها الذي توفي منذ 13 عامًا كان يعمل مهندسًا بالمدينة، إذ تصف العريش بأنها المدينة الأجمل على الأطلاق، مستطردة: لم أكن اتخيل أن اترك المدينة وأهرب واترك بيتي وكل ذكرياتي.

فيما وصفت السيدة نبيلة فوزي زوجة الشهيد سعد العريش ب"المدينة الجميلة". ويتذكر" حرز عطالله" العريش عندما انتقل إليها: كانت مدينة بكراً، وكنت انتقل لبيع الخضار فى رفح والشيخ زويد وكندا وكنا فى أحيان كثيرة نضطر للمبيت في"الخلاء" وكان الأمن حينذاك مستتباً.

وعن إمكانية العودة إلى العريش قال حرز:"لا أرجع فين مش مستغني عن ابنائي" فلدي ولدان و أربع فتيات.

 

تعاون البدو مع التكفيريين

الجميع أكد عدم معرفتهم الجناة فهم يظهرون ملثمين يحملون الأسلحة الآلية ولا يجرأ أحد على اعتراض طريقهم أو التصدي لهم.

"لا نعرف الجاني"، والدة الشهيد وائل يوسف، ولا أحد يستطيع أن يتدخل فكل الحوادث تحدث أمام أهالي المدينة وفى أماكن مزدحمة ولكن لا أحد منا يجرؤ أن يتدخل أو يعترض والا كان مصيره القتل، فهم يستهدفون الشرطة والجيش والمسيحيين والمسلمين الذين يساعدون أجهزة الأمن.

الأمر عينيه يؤكده أشرف شوقي شقيق الشهيد عادل: حتى الآن لا نعرف الفاعل وعلاقتنا مع جيراننا المسلمين جيده فنحن أكثر من أخوة، ولكن للأسف تهديدات التكفيريين تجبر الجميع على الصمت وعدم مد يد العون.

 

وبنبرة حازمة قالت السيدة " م.ع" : أهل العريش الذين سكنوها نتيجة ظروف عملهم مثلنا مغلوبون على أمرهم وعلاقتنا بهم جيدة، ولكن العرب ومن أطلقت عليهم "العرايشه" يتعاونوا مع العناصر المتشددة – بحسب تعبيرها.

ويستكمل "حرز عطالله" لا نعرف الفاعلين حتى لو من أهالي البلد فنحن لا نعرف هويتهم، ويستهدفون قوات الشرطة والجيش والمسيحيين، مضيفًا في إحدى العمليات قاموا بخطف مواطن مسلم و"خلع" أظافره بسبب اعتقادهم بأنه يتعاون مع الأمن وحدث هذا أمام عدد كبير من سكان المدينة.

 

الطريق إلى الإسماعيلية

الرحلة من العريش إلى الإسماعيلية لم تكن بالأمر السهل ففي أي لحظة هم معرضون للأستهداف فتصف والدة الشهيد وائل يوسف الطريق بالسيء بالرغم من الكمائن الكثيرة المنتشرة للجيش والشرطة الا انه غير آمن وطول الوقت نسمع أصوات طلقات الرصاص والقنابل ولا يكون أمامنا إلا الصلاة لنخرج بسلام.

ويتحدث حرز عطالله عن رحلته من العريش للإسماعيلية قائلاً: كانت الطريق طويلة وخرجنا بمساعدة أحد جيراننا المسلمين الذين تركنا معهم مفتاح بيتنا، مستطرداً: كنا ست أسُر خرجنا فجراً خوفاً من استهدافنا، وبدأنا نشعر بالأمان بعد مرورنا من نقطة " بئر العبد".

 

الكنائس خلية نحل

تحولت كنائس الإسماعيلية إلى خلية نحل بشرية. شباب وفتيات متواجدون طوال الوقت لاستقبال الأسر القادمة من العريش، وتقديم الأكل والملابس وأماكن للراحة ليلتقطوا أنفاسهم.

ففى ساحة الكنيسة الإنجيلية بالإسماعيلية وقفت ايلين عبد المسيح إحدى خادمات الكنيسة ممسكة ب"دفتر" لتسجل فيه الأسر التي جاءت إلى الكنيسة وأكدت انه في مساء الجمعة وصلت الى الكنيسة حوالى 50 أسرة وكان العدد فوق استيعاب الكنيسة ومبنى المبيت الموجود فيها، لدرجة أنَّ الأسر قامت بالنوم في ساحة الكنيسة، ووقتها بدأنا نطلب المساعدات من الكنائس الموجودة بالمحافظة وأيضًا تواصلنا مع المسؤولين. واستمر توافد الأسر حيث حضر السبت حوالى 16 أسرة، والأحد 8 غيرهم، والإثنين 5 آخرون.

البداية بحسب إيلين كانت عندما استقبلت الكنيسة إحد الأسر وبعدها بدأ مسيحيو العريش يتداولون الامر بينهم لنجد أنفسنا أمام عدد كبير من الأسر ونحن غير مستعدين لاستقبالهم.

 

وعندما قمنا بطلب المساعدة والكلام على لسان إيلين عبد المسيح وجدنا تبرعات شخصية من أشخاص وكنائس من كل محافظات الجمهورية بالإضافة إلى الدعم الذي قدمته لنا كنيسة قصر الدوبارة لنا، بالإضافة إلى عدد محدود من المسلمين الذين رغبوا بالمساعدة فور علمهم بالأحداث.

وكانت التبرعات عبارة عن مراتب وأسرة وبطانيات وملابس ومواد غذائية معلبة وبعض المواد التموينية، كما قام بعض أهالي الإسماعيلية بفتح منازلهم لاستقبال أهالي العريش واستضافتهم لحين توفير سكن بديل كما وعد المسؤولون.

حالة الأسر عقب وصولهم" مزرية". كهذا وصفت إيلين الأسر مضيفة وجدنا انفسنا أمام رجال مسنة يبكون من شدة صدمتهم وحزنهم على تركهم مدينتهم التى عاشوا بها، وسيدات هربنَ وهم يرتدون ملابس" المنزل" وأطفال يبكون من الفزع والبرد والجوع، كان مشهد لم أراه في حياتي.

وفى وقت سابق أكدت الكنائس الانجيلية بمصر إنه يتم التنسيق مع الكنائس الأخرى والمسؤولين بالدولة لتوفير سبل المعيشة الكريمة للعائلاتـ  إلى أن تعود الحياة هناك إلى طبيعتها وتستطيع هذه الاسر العودة إلى ديارها.

 

النزوح أكبر من قدرة الكنائس

القس موسى أحد رعاة كنيسة الانبا بيشوى للأقباط الارثوذكس في الإسماعيلية وصف ما حدث من توافد الأسر خلال الأيام الماضية ب " المفاجأة"، مستطردًا: تفاجئنا بتوافد الأسر على الكنيسة الإنجيلية بشكل أكبر من استيعابها وعلى الفور فتحنا أبواب الكنيسة لاستقبال الأسر.

عدد الأسر التي تركت العريش بحسب الأب موسى وصل إلى 95 أسرة بمتوسط 6 أفراد فى كل أسرة، مؤكداً ان هذا العدد قابل للزيادة فما زالت الأسر تتوافد، موضحًا ان الكنيسة قامت باستئجار 25 شقة فى مدينة المستقبل وتكفلت بكل مستلزمات الأسر، إلى جانب 5 أسر آخرى في مدينة القنطرة، و6 غيرهم تم تسكينهم في الإسماعيلية بالتعاون والتنسيق مع بعض المسيحيين في الإسماعيلية.

 

ولكن يضيف الأب موسى كل هذة الحلول مؤقتة انتظارًا لتنفيذ وعود الدولة بمنح المتضررين شققًا سكنية، مشددًا معتمدين على وعود الحكومة، وأضاف منذ الوهلة الأولى تواصل وزير الشباب وفتح بيت الشباب لاستقبال الأسر، كما أن كل الأسر يتم إسكانها وتوزيعها بالتواصل والتنسيق بين الكنيسة والمسؤولين حيث هناك اتصال دائم بيننا لاستقبال النازحين وتقديم وسائل الراحة لهم.

وأضاف تلقينا اتصالات من عدد من رجال الأعمال وأصحاب المصانع يعرضون مساعدة لتوظيف من يحتاج إلى عمل كموظفيين وفنين وحرفيين، كما زار آباء من المجمع المقدس الأسر.

 

هذا ومع بداية الأزمة أصدرت مطرانية الإسماعيلية للأقباط الأرثوذكس ثلاث بيانات أكدت فيها أن الكنيسة استقبلت كل الاسر وقامت بتلبية احتياجاتها بالتنسيق مع أجهزة الدولة المختلفة، مؤكدة أن البابا تواضروس الثاني يتابع الأحداث لحظة بلحظة، وهناك تواصل مستمر مع المسؤولين ومع الأنبا قزمان أسقف شمال سيناء، ومع المحليات لتدارك الموقف والتخفيف من آثار هذه الاعتداءات. وفتحت الكنيسة في الإسماعيلية حساباً للتبرع مؤكدة أنها تقدم الدعم الروحي والمادي للأسر، مشددة على أنها لم تكلف أحداً بجمع تبرعات.

وبتكليف من البابا قام الأنبا يوليوس الأسقف العام لكنائس مصر القديمة وأسقفية الخدمات يرافقه القس أمونيوس عادل سكرتير البابا بزيارة الأسر القبطية القادمة من العريش والمتواجدة بالإسماعيلية. ونقل الأنبا يوليوس تحيات ومحبة واهتمام قداسة البابا إليهم، والتعرف عن قرب على أحوالهم المادية و المعنوية والروحية وكذلك على احتياجاتهم في الأماكن التي يقيمون فيها، ومتابعة ما تم بخصوص الوضع الدراسي لأبنائهم، ومناقشة ظروف العمل للموظفين والعاملين منهم، للمساهمة في تذليل كافة العقبات التي تواجههم.

 

صفاء وصفى مسؤولة بمديرية التضامن الإجتماعي بالعريش قالت: وضع الأسر الحالي مؤقت ويتم التنسيق باستمرار مع الكنيسة لتوفير مسلتزماتها، مضيفة إنها موزعة حاليًا بين بيت الشباب التابع لوزارة الشباب، ومركز تدريب المتدربين التابع للتضامن الاجتماعي ومدينة المستقبل. وأشارت إلى انه تم تسليم من يعانون من أمراض مزمنة " كوبونات" حتى يستطيعوا صرف أدويتهم، كما تم توزيع " مصروف" خاص لكل أسرة.

  • صحفية بمؤسسة "روز اليوسف" القومية – أرسلت تحقيقها المنشور في "روز اليوسف" إلى موقع "اليوم الثالث"