ن أكثر ما يعاني منه المجتمع المسيحي بشكل عام، والماروني بشكل خاص، هو فقدانه الطريق الذي أوجده أسلافه في هذا الشرق، وذلك لأسباب عديدة، أهمها كثرة التنازلات التي قدّمها بعض من تزعّموا قيادة الطائفة من رؤساء زمنييّن وروحيّين. كما وأنَّ تجربة نظام الطائف، أثبتت للقاصي والداني أن الإنحدار الذي لحق بالمجتمع اللبناني، من تزايد نسبة التناحر الطائفي، إلى الإستفراد في القرارات المصيرية للوطن سببه الأساس تخلي الطائفة المسيحية والمارونية عن دورها الطبيعي في إدارة الحوار وتحصين الداخل اللبناني من أي تدخلات وهيمنات خارجية. وهذا ما عاد وذكرّنا فيه الإرشاد الرسولي عندما تساءل وأكد "أنَّ على اللبنانيين الاَّ ينسوا تلك الخبرة الطويلة في العلاقات التي هم مدعوون لإستعادتها بلا كلل، من أجل مصلحة الأشخاص والأمة برمتّها. ولا يعقل، في نظر أصحاب الإرادات الطيبة، أن يعيش أبناء مجتمع بشري واحد، على أرض واحدة، ويفضي بهم الأمر الى عدم الثقة بعضهم ببعض والتخاصم والتنابذ بإسم الدين".

 

المصير الواحد مع المسلمين

إنطلاقًا من هنا نؤمن أنَّ المسيحيّين، "مدعوون الى محاربة بعض النظريات في الغرب، التي تنظر الى المسلمين وكأنهم يشكلون تهديدًا، والتي تؤدي الى رسم حدود دامية بين الاسلام والمسيحية. كما انَّ المسلمين مدعوون الى التصدي لنظرية الحرب الدينية التي تنادي بها المنظمات الأصولية. وإن الدولة المطلوب إنشاؤها ليست سوى دولة السلام والحوار والشراكة والديمقراطية. والانسجام بين حق المواطن الفرد في تقرير مصيره وإدارة شؤونه ورسم مستقبله، وبين حق الجماعات في الحضور والحياة على اساس خياراتها. الانسجام بين استقلال لبنان ونهائية كيانه، وبين انتمائه العربي وانفتاحه على العالم. " ( المجمع الماروني- 2007 )

فإذا كان بالنسبة إلى البعض، التمسّك بالفكر المسيحي كما التمسك بالفكر المسلم في هذا الوطن، يُعيق تقدم لبنان نحو الدولة المدنية أو الدولة الحديثة المبنية على أنظمة وقوانين صالحة للبناء والتطور؛ فأنا قد أكون أحد المواطنين الذي يؤمن بالتكامل بين مبدأ الدين كعلاقة عموديّة تجمع الإنسان مع الله، ومبدأ المجتمع كعلاقة أفقية تجمع الإنسان مع أخيه الإنسان. وإن التلاقي الصحيح يكمن في الدولة الحديثة والديمقراطية.

 

 أسئلة عن مصير الموارنة والمسيحيين

قد يكون تاريخ الموارنة لم ينطلق من قضاء كسروان – الفتوح. وبالتأكيد التاريخ القديم والحديث لجبل لبنان حمل الكثير من التحولات الديمغرافية. فكان تكرار الهجرة ولأسباب عديدة واقع تغييري ملحوظ. ولكن حقيقةُ الموارنةِ هي أنّهم جماعة من المسيحيين المشرقيين بذلوا الكثير عبر تاريخهم وجغرافيتهم في سبيل الخروج من شرنقة الطائفة إلى شمولية الكنيسة. ولكن واقعهم المرير الذي يعيشونه في هذه الفترة، جعلني أسأل نفسي، هل التضحية التي قدّمها أجدادُنا منذ أكثر من مئة عام، كانت مجرد حالة عاطفية أم بداية لثورة كاملة على الظلم؟

 

أين الكنيسة المارونية؟

وإذا كانت بداية ثورة، هل مسموح أن نقرأ مواقف الكنيسة المارونية في هذه الفترة الحساسة من عمر الوطن، وأن تكون ملتبسة وغير واضحة ؟! ونسمع كلامًا فيه مساواة بين الحق والباطل ؟!

قد تكون الحقيقة غير مملوكة من طرف واحد، وبالتأكيد لا قدرة لأحد أن يمتلكها بالكامل. ولكن هل يجوز أن تنطلق الحقيقة من فعل مجتزأ وإرادة ناقصة وصورة مشوهة عن التاريخ والأصالة؟

 إذا كان قدر اللبنانيين أن تتجاذبهم إراداتٌ خارجية مبنية على مصالح دول غير عابئة بمصير وطن وشعب، فما بال الكنيسة اليوم لا تبحث عن مصلحة رعيتها، ولماذا عودة الحق إلى إصحابه هي بمثابة حلم لا يجوز وضعه على سلّم أولويات المرحلة الراهنة، وإلى متى سنبقى نؤسس وندمر، ونعلو ونسقط، نُساير الآخرين فنصبح مع الوقت أهل ذمة عندهم!؟

 

إنطلاقًا من هنا أعتبر أنَّ للفظة "لأنَّ"، في ورقة الثوابت المسيحية الذي أطلقها فخامة الرئيس من أكثر من 6 سنوات، دلالات كبيرة قد يصعب على البعض تداركها سريعًا. ف "لأنَّ من رفض قيام لبنان مسيحي منعزل عن محيطه، له على الشريك الآخر أن يرفض معه قيام لبنان مسلم متنكر لصيغتة، ولأنَّه لا بديل للمسيحيين عن الاندماج في محيطهم والتآخي ضمن مجتمعهم، مع الحفاظ على شخصيتهم وهويتهم الحضارية المتجذرة في الشرق والمنفتحة على حضارة الغرب، ولأنَّ الحياة المشتركة الواحدة هي أكثر من عملية تلاصق قسري، إنما هي مدخل الى المواطنية ومنظومة حقوق وواجبات، تلجأ إليها الجماعات الروحية اللبنانية طوعاً عندما تطمئن الى استقرارها ومستقبلها."

 

هل يمكن الكنيسة المارونية التفاعل مع الإنماء؟

نسمعهم في مجالسهم وعظاتهم وحتى بياناتهم، يمارسون العمل السياسي بشكلٍ لافت، يتدخلون في أصغر الأمور، ويتّخذون طرفًا في الصراع السياسي، ويسمحون للآخرين بإنتقادهم. علمًا أن الإرشاد الرسولي في المادة 112 ص 175، أكد " إن الكنيسة بحكم مهمّتها وصلاحيتّها، لا يمكن الدمج بينها وبين الجماعة السياسيّة بأي حال من الأحوال، ولا ترتبط بأيّ نظام سياسيّ، وهي في آن واحد علامة سموّ الشخص البشري وحصانته. ورسالتها الأولى أن تقود البشر إلى المسيح الفادي والمخلّص. فليس لها إذن أن تلتزم، مباشرة، الحياة السياسية، لأن ليس عندها في الواقع حلول تقنية، ولا تقترح أنظمة ولا برامج اقتصادية وسياسية." وأكمل الإرشاد الرسولي في المادة عينها ليقول، "إن الكنيسة، في حكمتها وإهتمامها بأن تخدم الإنسان والإنسانية، ترغب في أن تساعد أولئك الذين يعود إليهم القيام بخدمة عامة، فيؤدونها على أحسن ما يُرام خدمةً لإخوتهم." من هنا أطمح أن تعود الكنيسة وبخاصّةٍ المارونية، إلى هيكلة أسلوبها، وتبتعد عن يوميات السياسة، وتدخل مباشرةً بالعمل الإنمائي لما تملكه من إمكانات مادية، وأراضٍ شاسعة بحيث يعمد أبناء رعيتها إلى إستثمارها في الزراعة والصناعة فتزدهر قرانا النائية وتنمو على إيقاعها وفي حضنها. فإيماننا في هذا العصر الممزوج بكل أشكال العنصرية والإلغاء يفرض علينا العودة إلى حضن الله والكنيسة، ولكن العودة لا تكفي إذا لم تستتبعها الكنيسة ببرامج عملية تكون مكملّة لعمل الدولة الإنمائي.

(يتبع)

 

  • إعلامي لبناني يقدم برنامج "إبحار عبر المتوسط" في قناة GNN من مجموعة "تيلي لوميار".