منذ أحداث 11 أيلول وقبلها بسنوات، تتصاعدمن  دون جدوى دعوات تدعو للتوحد الفعلي في مواجهة العنف المسلح المرتدي ثياباً دينية يبرر بها جرائمه. ولعل هذا التمادي في انعدام الرغبة أو القدرة على اتخاذ موقف موحد ضد العنف المتأسلم، هو أن البعض ممن يزعمون مواجهته هم بالأساس صانعوه أو مستفيدون منه.

 أزمة المصطلحات

ورغم ذلك فإن تقارير الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات، تمتلئ بأرقام مخيفة وبقرارات لم تنفذ ولن تنفذ لأن لبعض القوى الدولية مصالح تمنع تنفيذها، وهذه المصالح تمنع على سبيل المثال اعتبار "الإرهاب" جزءاً من الجريمة المنظمة. وتتداخل المصالح وتتصارع لتفرز من دون توقف تعريفات لكلمة "إرهاب"، وهي تربك العالم من فرط كثرتها وسرعة توالدها. وانتهى الأمر بأن اصدر عالم سويسري تقريراً ذا صفة أممية قدم فيه 119 تعريفاً لهذه الكلمة.. وليس في الأمر سذاجة أو عدم قدره على الاختيار لكن الأمر يبدو مدبراً كي يفلت الفاعلون الأصليون ويتراكم عبء المواجهة الفعلية على عاتق عدد محدود من الدول منها مصر على سبيل المثال.

 

أرقام معبّرة

ومع ذلك تتوالى تقارير وأرقام وقرارات أممية، ويبدو الأمر وكأننا في حلقة مما يسميه الشوام "حوار طرشان" الكل يتكلم ولا أحد يصغي لأحد. وهذا كله في اعتقادي ومتعمد.

ونقرأ عدداً من الأرقام والملاحظات:

  • تكلفة العنف المتأسلم وما يقوم بتدميره وعمليات مواجهته والعمليات المسلحة الموجهة ضده (وبعضها يشبه التمثيليات غير المحبوكة وبعضها الآخر- وهو ما تقوم به دول تواجه الأمر جديا وتوقع دما غزيرا لشبابها-)، وصلت إلى 1.5 تريليون دولار، وفوقها 500 مليار اخرى قيمة ما دمر من البنية التحتية.
  • هناك 19 اتفاقية دولية ومئات من قرارات وعهود دولية واقليمية اتخذت بزعم توحيد المواجهة الدولية للإرهاب. وبعد أحداث أيلول/ سبتمبر صدر بالإجماع عن مجلس الأمن القرار رقم 1373، وينص على اعتبار كل دولة أو منظمة تمول أو تمتنع عن ايقاف تمويل العمل الارهابي دولة راعية للارهاب، بكل ما يترتب على ذلك من عقوبات. لكن الجميع يعلمون جيدا أن أمريكا ودول أوروبية وقطر وتركيا وايران ودول ومنظمات دولية واقليمية غيرها، أسهمت في تأسيس ودعم وتسليح وتمويل داعش والقاعدة مثلاً. وتكون كثرة التعريفات لما هو إرهاب فعلا مقصوداً لكي يفلت الكبار.

 

وهناك أرقام اخرى في جعبة المنظمات الدولية ومنها:

  • هناك 5000 مواطن أوروبي يحاربون في صفوف داعش، 10% منهم اعتنقوا الاسلام حديثا، والنسبة الاكبر منهم أتت من المانيا وفرنسا وبلجيكا وبريطانيا، ومن هؤلاء احفاد لآجداد مسلمين تجنسوا بجنسية هذه الدول.. وبعد عشرات السنين تعلم خلالها الابناء والاحفاد وتثقفوا وتعايشوا في هذه الدول، يتحولون فجأة وبمشاعر متباينة منها التهميش أو الوقوع في اسر عمليات التجنيد الإلكترونية، إلى قتلة متأسلمين.
  • ويوجد في دول البلقان 1700 داعشي وفي دول المغرب العربي 8000 وفي مصر 300.

 

المسلمون بين نارين

ونتحمل نحن في العالم العربي والاسلامي عبء مواجهة الارهاب مرتين:

مرة عندما نحاربه نحن بجدية يفتقدها الآخرون، ومرة ثانية عندما تساق ضدنا تسميات متوحشة تلصق بالإسلام عمداً وما هي بإسلام وإنما مجرد "تأسلم".

  • فأكثر الأدوات الإعلامية والكثير من التصريحات الأجنبية الرسمية وغير الرسمية، تتحدث مثلا عن داعش مسمية إياها "الدولة الإسلامية". ولست اعتقد بوجود اي مسحة من البراءة في ذلك بل هي تسمية تتضمن وبصراحة تحريضاً على الإسلام كعقيدة دينية وعلى المسلمين، بإعتقاد أنهم أشرار العالم لمجرد أنهم مؤمنون بعقيدة الإسلام.
  • ومن التسميات الخاطئة خطأ يثير الدهشة، وهو وصف القتلة الداعشيين أو القاعديين بأنهم "الجهاديون". ومن بين من يثيرون الغيظ والغضب بهذه التسمية باتريك كوكبيرن Patrick Cocburn، وهو صحفي شهير ومجتهد وله تقدير في أوساط الإعلام الغربي وعايش التجربة السورية المريرة عبر عديد من الزيارات والعلاقات وتردد على العراق كثيرا، ودرس وحلل وقدم معلومات مبهرة عن الوضع في البلدين وعن داعش والقاعدة وجبهة النصرة وغيرها من المنظمات ذات العمق الإرهابي.

إلا أنه وللأسف منح كتابه الممتاز والصادر في 2014 عنواناً رديئاً هو "عودة الجهاديين"The Jihadis Return الأمر الذي دفع ميشلين حبيب مترجمه الكتاب إلى العربية (ونشرته دار الساقي، لندن وبيروت 2015) وربما بإيعاز من الناشر كي يجد الكتاب سوقا له، إلى إضافة كلمة داعش على رأس عنوان الكتاب، فصدرت الطبعة العربية بغلاف عنوانه "داعش" ثم تحت هذه الكلمة "عودة الجهاديين".

 

أصل الجهاد

والحقيقة أن استخدام تسمية "الجهاديين" لهؤلاء القتلة المتوحشين يضيف غباراً كثيفاً على الإسلام وعلى المسلمين الحقيقيين الذين يواجهون أي غاصبين ومغتصبين لحقوقهم أو لأوطانهم. مثل هؤلاء الذين يقاومون أو بالدقة يجاهدون ضد العنصرية الإرهابية الصهيونية إزاء المسجد الأقصى. فماذا تعني كلمة جهاد بالدقة؟

 

  • نقرأ في مختار الصحاح للشيخ الإمام محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي:

في باب "جهد" بضم الجيم وبفتحها تعني الطاقة، وقرئ بهما قوله تعالى "والذين لا يجدون إلا جَهدهم"، وبفتح الجيم تعني المشقة فيقال جهد دابته وأجهدها إذا حمل عليها فوق طاقتها وجهد الرجل في كذا أي جدَّ فيه، و"جاهد في سبيل الله مجاهده" أي بذل وسعه في سبيل الله.

  • وفي المعجم الوسيط (مجمع اللغة العربية - مصر) الجهد هو المشقة والنهاية والغاية. ويقال "جاهد" للمبالغة، والجهد الوسع وبذل الطاقة، وفي التنزيل العزيز "وأقسموا بالله جهد إيمانهم" وهي أيضا طالب يجهد حتي وصل إلى الغاية". ثم وهذا هو المهم بالنسبة لموضوعنا فالمعجم الوسيط يقول "الجهاد شرعاً هو قتال من ليس لهم ذمة من الكفار".

وهكذا فإن تسمية الدواعش وأمثالهم بالجهاديين يعني مديحاً، يصل إلى اعتبار ما فعلوه وما يفعلونه هو قتل وقتال من ليس لهم ذمة من الكفار. أي قتالنا نحن جميعاً وكل من يقف في وجه هؤلاء الإرهابيين. وفي عدد 30 تشرين الثاني 2015 نشرت مجلة Time الامريكية مقالاً كتبه James Harkind، عن عملية قتل الإرهابي الإنجليزي ومنسق عمليات داعش ومنفذ عمليات ذبح عديدة أمام شاشات التليفزيون وتسميه "الجهادي جون" Jihadi John.

 

معركة المصطلحات

وتجنباً لذلك كله نجد الرئيس عبد الفتاح السيسي وكذلك بوتين يستخدمان تعبيراً مبتكراً يتجنب كل ذلك ويصفاهم "جماعة الشر". لكن كلمة "الشر" وفاعلها "الشرير" تسري كوصف لحالة أخلاقية وليست تعريفاً لفكر أو فعل جماعة بذاتها. فالشرير قد يكون لصاً أو مغتصباً أو نماماً أو كاذباً وليس شرطاً أن يكون متأسلماً وقاتلاً.

وهكذا يمكننا أنْ نبرر صيحة الغضب، ليس فقط لأنَّ البعض منا والعديد من الغربيين يستخدمون مصطلحات خاطئة، تؤدي عن قصد أو غير قصد "سيان" إلى ادانة الإسلام وتبرير اضطهاد المسلمين في المجتمعات الغربية. لكن القارئ أو الباحث الغربي لا يبحث في قواميسنا عن معنى المصطلحات وإنما ببحث في القواميس الغربية ومنها مثلاً، لThe Scientific Lexicon of Religious Beliefs.، وعنوانه بالعربية "المعجم للمعتقدات الدينية" نقرأ في باب Jihad، انها تعني حرفيا "النضال وهو جهود متواصلة ومتحمسة لنشر الإسلام وضمان إنتصاره. وقد إستخدمت في البداية للدلالة على حرب مقدسة لنصرة العقيدة كما حددها القرآن ومن يتفوق في الجهاد يسمي الغازي، ومن يقتل يسمي بالشهيد ومكانه الجنة".

أما قاموس اكسفورد فيقول إن الجهاد هو : الحرب التي يخوضها "المحمديون" ضد غير المؤمنين بعقيدتهم.

والآن أرأيتم لماذا نصمم نحن على تصحيح المصطلحات؟ فحتى المثقفون الغربيون أو غير المسلمين إذ يرجعون إلى أهم قواميسهم ومعاجمهم التي يتناولون منها وبتسليم تام تعريف المصطلحات، سيجدون ما يعبر عن وجهة نظر داعش والإخوان الإرهابية والقاعدة وكل من لف لفهم. فهل نلومهم إذا أخطأوا؟ أم نخوض معركة حاسمة وعابرة للقارات وبكل اللغات ومن كل المؤسسات المعنية للدعوة لاستخدام مصطلحات صحيحة؟

  • رئيس سابق لحزب "التجمع" اليساري المصري ورئيس المجلس الإستشاري فيه حالياً.