أما وقت عرفنا معنى "الجهاد" فلنحاول التعامل مع المفردات المماثلة والتي تتداخل حتما في بحثنا هذا، ونبدأ:

 

الإسلام و"الإرهاب" و"الإغتيال"

  • الإرهاب: ونقرأ في مختار الصحاح (المرجع السابق) وبابه رهب أي خاف، ويقال رَهَبَه أي أخافة وأفزعه. أما كلمة إرهاب فهي مشتقه من الفعل المزيد أرهب، فيقال أرهب فلاناً أي خوفه وأفزعه. أما الفعل المزيد بالتاء أي ترهب فيعني أنه خاف غواية الدنيا له فإنقطع للعبادة. وفي الآية الكريمة "يا بني إسرائيل إذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فإرهبون"، وكذلك "لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله بأنهم قوم لا يفقهون" (الحشر/13) و"وإضمم إليك جناحك من الرهب" (القصص/32) أي من الخوف. فالإرهاب لغة هو مجرد الإتيان بفعل أو قول يستهدف إخافة الطرف الآخر وبث الرعب في نفسه.
  • الاغتيال: وفي مختار الصحاح نقرأ.. بابه غول ومنها غال من باب قال. وإغتاله أي أخذه من حيث لم يحتسب". وفي الفيروزبادي نقرأ كل ما إغتال الإنسان فأهلكه هو غول. واغتيال تأتي على زنة إفتعال أي أنها تنطوي علي التقصد. ويقال قتلة غيلة أي خدعه فذهب به إلي موضع فقتله. وأصل الغيل هو الحرج ذو الشجر الكثيف فيكون قولهم غاله أو اغتاله مأخوذة من قتله في الغيل علي غفلة منه" وفي المعجم الوسيط نقرأ "يقال غالته الخمر، إذا شربها حتي أذهبت عقله، وغاول الاعداء أي باغتهم بالهجوم من حيث لا يدرون.
  • فتك: وفي الوسيط : وفتك به أي غدر به وقتله مجاهرة. وفي مختار الصحاح الفتك بفتح التاء أو ضمها أو كسرها يعني القتل على غرة. والزمخشري يقول "الفتك هو القتل علي حين غرة" وهكذا فإن كلمة إغتاله تعني قتله من حيث لا يدري وفتك به أي قتله وهو يراه لكنه غافل عنه.،وكلاهما من حالات الغدر. ونتوقف لنحاول أن نتفهم علاقة الاغتيال والفتك بالموقف الديني الصحيح.

 

بين النص القرآني وقراءات التراث

يقول الفخر الرازي في تفسيره للآية "أن الله يدافع عن الذين آمنوا، أن الله لا يجب كل خوان كفور (الحج/38) أن مسلمي مكة استأذنوا الرسول "صلعم" في أن يقتلوا سراً المشركين الذين آذوهم فنهاهم قائلا "الإيمان قيد الفتك" ونزلت الآية الكريمة لتؤكد قول الرسول.

ومن هنا فإن الآية الكريمة والحديث الشريف يشكلان موقفاً شرعياً متكاملاً يرفض الاغتيال والفتك مهما تكن دوافعه وحتي لو كان ضد المشركين الذين يعذبون المسلمين. ويتماشى ذلك تماما مع قيم الفروسية التي ترسخت منذ الجاهلية والتي لا تحترم إلا القتال وجها لوجه ولا تسمح بملاحقة الهارب. فقد كان الفارس الجاهلي إذا قابل خصماً صاح به قبل أن يهاجمه خذ حذرك أني قاتلك. لكن كثيراً من كتب السير والتراث أفسحت صفحات كثيرة لمحاولة تأكيد مشروعية الاغتيال والفتك متناسية تماما النص القرآني والحديث الشريف.

 

وحتى نصارى الجاهلية وبدايات الإسلام، إلتزموا بذات التقليد الجاهلي القديم. فصاح الشاعر المسيحي جابر بن حني في رد علي قبيلة بهراء التي تهجمت على قبيلته من النصارى.

 وقد زعمت بهراء أن رماحنــــا/ رماح نصارى لا تبوء إلي الدم

 نعاطي الملوك السلم ماقسطوا لنا/ وليس علينا قتلهم بمحــــــــرم

(المفضل الضبي- المفضليات)

 

والحقيقة أن استخدام الدين كغطاء متعسف لتبرير قتل الخصوم السياسيين أو المختلفين في الرأي أو المتصارعين على الحكم، كان تقريباً وفي اغلب المجتمعات يأتي عبر أزمنة عدة وبحث لنفسه عن غطاء في المسيحية وفي اليهودية، وحتى في المعتقدات غير السماوية. وميكيافيللي هو الذي روج لفكرة "أن الانبياء غير المسلحين فاشلون"، وقد أتي هذا العنف وذهب مع التطور الحضاري والمجتمعي في بلاد عديدة.

 

 

العنف التاريخي في الإسلام؟

ويبقى السؤال المؤلم لماذا لم يزل مثل هذا الصراع في مكاننا وزماننا العربي والإسلامي يختفي قليلا ثم يتجدد أكثر عنفاٍ؟

أجهد الباحثون انفسهم بحثا عن اجابات بعضها مقنع وبعضها ليس كذلك. ويقول الهادي العلوي "إن القتل السياسي في الإسلام ليس استثناء في تاريخ البشرية الخارج اصلا من رحم العنف. لكنه يوجد بخصوصية واضحة عندنا نظرا لخصوصية التناقض في مجتمع شديد التعقيد. فالمتأمل في الصراع التناحري في الإسلام يجده وقد سلك سبلا مسدودة جعلته يبدو في النهاية وكأنه صراع من أجل الصراع، فحركة التاريخ عندنا بقيت حركة مستديرة تدور في خطوط مغلقة رسمها ابن خلدون قائلا "أنه لم يحدث لأي دوره من دورات هذا الصراع الطويل أن اخترقت هذا المدار المغلق لتنتقل نحو مرحلة عليا من تطورنا الحضاري" (هادي العلوي – الاغتيال السياسي في الإسلام- 1987 – بيروت- ص9). وأن كان التأمل في المسار التاريخي في مصر الحديثة يجد أن اختراقات المدار المغلق على ذاته قد تحققت عدة مرات، لكنها ما لبثت أن إرتدت إلي وضع أسوأ مما كان عليه وهو أمر يستحق دراسة أخرى.

 

وثمة استخدامات أخرى خاطئة عن عمد أو غير عمد لمفردات تمثل خيمة ربما تستهدف التغطية على تجمعات التأسلم، وإن كانت أقل خطر مما سبق. مثل :

  • التطرف والمتطرفون. وفي قاموس المحيط "جذر الكلمة هو طرف وهو الطرف أو الناحية، وطرف الرجل آباؤه الأولون. وفي مختار الصحاح يقال إن فلانا كريم الطرفين فيراد نسبة لأبيه وأمه. وفي الوسيط يقال طرف الجندي أي قاتل في الاطراف وتطرف أي أتي إلي الطرف. ويحاول الكثيرون من دعاة التأسلم والإرهاب والقتل الظهور بمظهر المتطرفين في الالتزام بتعاليم الدي، بينما هم كما قال علي ابن ابي طالب في الخوارج انهم من تحدث عنهم القرآن الكريم "قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا" (الكهف/103/104).

وهكذا فكثيرون من أتباع داعش والقاعدة وبوكوحرام "يحسبون" بعد أن غسلت ادمغتهم ومحيت عقولهم واغلقت قلوبهم انهم يحسنون صنعا.

 

ويقول الرسول الكريم: "سيخرج من أصل هذا الدين قوم يقرأون القرآن ولا يجاوز حناجرهم، ويمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. ويقول ايضا "تحقر صلاة أحدكم إلي جانب صلاتهم ويحقر صومكم إلي جانب صومهم وهم يقرأون القرآن ولا يجاوز تراقيهم". والحقيقة ان إدعاء التطرف في العبادة قد يتسلط على بعض بسطاء الناس موهمين المجتمع انهم اكثر ايماناً من غيرهم، وقد يكون في ذلك استثمارا أو منفعة أو تجارة..

وقد لفت نظري واحد من اشهر الباحثين المجددين في أمر الدين في دولة الامارات سائلا "لماذا لا يوجد مسلمون في أي بقعة من غير مصر يضعون "زبيبة" على جباههم؟ ولعل في الاسطر السابقة اجابة. وعموماً فإن اطلاق لفظ "المتطرفين" على الدواعش وامثالهم هو إعلاء لشأنهم وتمكين لهم من التأثير في عقول البسطاء.

 

  • الأصولية: وفي معجم الوسيط نقرأ "أصل الشيء أساسه الذي يقوم عليه، والأصول هي القواعد التي تبني عليها الأحكام، والنسبة إليها أصولي وجمعها اصوليون" ومختار الصحاح يزيد على ذلك "ويقال أصيل الرأي" أي محكم الرأي" وبهذا فمن يطلق لفظ "الأصوليين" على القتلة المتوحشين يلصق بالإسلام صفة الارهاب والوحشية. فإذا كان هؤلاء يسعون بحق وصدق إلى أصل الإسلام فهم أفضل منا جميعا وعلينا اتباعهم.

 

التحريض الغربي على الإسلام

وبهذا يتعين وبشكل ضروري وحتمي محاربة اي استخدام لمفردات سواء من جانب اعلامنا وكتابنا ودعاة التجديد فينا، أو من جانب الغرب وكتابة ومستشرقيه واعلامييه وكبار ساسته محاربة جادة. ذلك أن تلويث العقل الاجنبي والمحلي بأوصاف خاطئة خطأ وخطر، ويفتح على الإسلام والمسلمين أبواب جهنم. وهكذا هم ينافقوننا وفي نفس الوقت يحرضون العالم اجمع على المسلمين جميعا وعلى الإسلام ذاته.

 

بين الإسلام والتأسلم

أما أنا شخصياً فقد فضلت كلمة تأسلم ومنها متأسلم، ومتأسلمون. فالتاء إذا دخلت على أول الفعل صارت علامة، والتاء إذ تدخل على الفعل "تراجع" أنه كان يتقدم ثم تراجع.. وهي غير رجع والأمثلة كثيرة مثل تمرد.. تأرجح.. تأمرك, وهي تعني التظاهر بالتمسك بالإسلام الصحيح بينما الحقيقة انه يتجاوز حدود العقيدة الاسلامية الصحيحة ويبتعد عن الإسلام الصحيح.

 

وهم في كل ذلك يتظاهرون دون التزام بصحيح الدين. إلا أنها مجرد ملامح للتأسلم..

أما صحيح الإسلام فلا يلجأ لتلك الايحاءات المتأسلمة.

  • رئيس سابق لحزب "التجمع" اليساري المصري ورئيس المجلس الإستشاري فيه حالياً.

أرسل هذه الدراسة من جزءين إلى موقع "اليوم الثالث".