في ظلّ تصاعد الحديث عن التقسيم المتعدد الوجوه لدول المنطقة باعتباره الحل لمشاكلها وحروبها والبديل الأمثل، وفي سياق هذا المشروع المضلل، أي التفتيت، لا ننكر وجود الكثير من العلامات التي قد تتخذ ادلة حسية تدعم فكرة من ينادي أو يهوّل بالتقسيم، على أساس أنه بات الحلّ الوحيد الذي ستؤدي إليه الحروب الجارية في المنطقة منذ ست سنوات ونيف.

 

مؤشرات التقسيم

وفي هذا السياق، على سبيل المثال نلاحظ المساعي الإقليمية والدولية للتعامل مع كيانات عراقية ثلاثة مفككة، بدل التعامل مع دولة مركزية موحدة. ونرى وبشكل لافت الدعم الذي قدمته أو قيل إنها قدمته طائرات أميركية للأكراد السوريين في الشمال الشرقي من سورية، مساعدة أدّت، كما يحلو للبعض القول، إلى هزيمة «داعش» أمام الأكراد الذين تمكنوا من توسيع حدود منطقة نفوذهم من عين العرب كوباني إلى تل أبيض ثم الحسكة ثم إلى ريف الرقة الشمالي. ولا يخرج من لائحة الأدلة ما راج الحديث عنه في الآونة الأخيرة، من نية «إسرائيل» إقامة الحزام الأمني في الجنوب السوري واللبناني.

إضافة إلى ذلك، نجد كيف برز الأردن إقليمياً بخاصة في سورية والعراق بعد إغرائه بتوسيع حدوده مقابل رعاية السنة في شرق سورية وغرب العراق، والتمهيد لإقامة المملكة العربية المتحدة الجديدة التي تستوعب إضافة إلى سكان الإقليم فيها، الفلسطينيين الموجودين في الأرض المحتلة، وتحلّ بذلك مشكلة «إسرائيل» الديمغرافية بالتهجير الذي تحلم به وتراه مطلباً ليهودية «دولة إسرائيل».

إن رسم المشهد الإقليمي بالاستناد إلى هذه البراهين وغيرها قد يقود إلى القول إن التقسيم بات حقيقة واقعة، وأن ما تبقى من عمل في الميدان لم تعد له وظيفة إلا تحسين شروط هذا الفريق أو ذاك، أو توسيع منطقة هذه الفئة أو تلك على حساب الآخرين.

 

المسيحيون الغائبون على الخرائط

ولكن تبرز وبشكل أكثر خطورة معضلة تعني المسيحيين في الشرق، خصوصاً أن مشاريع التقسيم المطروحة لكل من سورية والعراق لا تعطي المسيحيين شيئاً أو موقعاً فيها، بل على العكس تماماً. فالعراق كما يروّجون سيكون مقسماً بين الشيعة والسنة والكرد، أي لا وجود للمسيحيين فيه، وسورية ستكون بحسب المشروع موزعة بين السنة والعلويين والدروز والكرد، ما يعني ألا محل للمسيحيين فيها.

 

أما المسيحيون في كل المنطقة فيتجاذب مصيرهم سيناريوهان اثنان بحسب ما يروّج البعض :

الأول، يقول إن ليس للمسيحيين محل في بحر إسلامي متناحر وبالتالي عليهم الرحيل، ويستدلون على ذلك بما حصل لمسيحيي فلسطين ثم العراق وأخيراً سورية. يبقى مسيحيو لبنان فقط في المنطقة. وهنا استشهد بقول البابا الذي استشعر هذا الخطر ورأى أن بقاء المسيحيين في الشرق رهن ببقاء سورية موحدة وفي ظل نظامها القائم، ولذلك كانت رسالة الدعم المعنوي المهمة التي وجهت للنظام في سورية عبر لقاء القمة الذي عقد في دمشق بمشاركة جميع بطاركة أنطاكية وسائر المشرق للطوائف المسيحية كلها.

والثاني، يرى أن في ظل تعذّر الوقوف في وجه المشروع التقسيمي التناحري، يجب البحث عن مخرج يحفظ للمسيحيين وجوداً مشرقياً معقولاً بعيداً من التهديد بشتى وجوهه الوجودي أو الوظيفي، وأن هذا الأمر غير ممكن إلا بإعطاء المسيحيين فرصة ولكن اين وكيف ؟!

 

التقسيم حروب دموية

في ظل هذا الواقع، نطرح السؤال عن حقيقة أو جدية مشاريع التقسيم ومتطلباتها ومساوئها على المسيحيين.

وفي الإجابة نرى أولاً أن التقسيم ليس حلاً لمشكل المنطقة كما يتوهم البعض، بل المدخل الأكيد لنوع جديد من الصراعات الدموية التي ستتوالد بشكل مضطرد ولا تتوقف، فبعد تآكل الجميع ودمارهم التقسيم هو «مشروع الحرب الدائمة»، والمستجير بالتقسيم هو كالمستجير من الرمضاء بالنار، ولذلك نرى أن من يسعى للتقسيم أو يتقبل فكرته إنما يسعى إلى تدمير ذاته قبل تدمير الآخرين !

 

عناصر المواجهة

ولأنَّ للتقسيم في طبيعته مخاطر جسيمة يجب الحرص على :

  • المحافظة على الدول القائمة بحدودها الحالية بخاصة في سورية والعراق وفي كل المنطقة عموما، ورفض البحث في إعادة النظر في الحدود أو رسم جديد للخرائط وتحصين الدول بكل ما يمكن من القوة والمنعة. ويشمل ذلك الرفض أي نوع من أنواع التقسيم المقنع تحت عناوين فدرالية الطوائف أو الأقاليم المتفوقة القوى على المركز، التي يروج لها البعض بوصفها الحل الأمثل
  • مواجهة أدوات المشروع بعمل إقليمي أمني منسق. فالخطر لا يتوقف عند حدود الدول القائمة، وبالتالي ينبغي ألا تكون تلك الحدود عائقاً أمام المواجهة. وهنا نجد أن السعي الإقليمي الذي يقوم به كل من سورية والعراق إنما هو سعي في الاتجاه الصحيح من شأنه أن يسقط قيوداً ومحاذير قيدت العراق بشكل خاص في الأشهر الماضية.
  • متابعة العمل الميداني الفاعل الذي يحصل الآن في سورية ضد الإرهاب، ونرى نتائجه في ما تحقق أخيراً في هذا المجال دليلاً على مستوى القدرة على المواجهة الميدانية المؤثرة.

 

مناعة الوحدة

إن المشروع الانتحاري المسمى «مشروع التقسيم» الجديد وعلى رغم كل الأدلة والبراهين التي تؤكد جديته والبدء بتنفيذه، لا نعتبر نجاحه أمراً حتمياً بل إن مستلزمات نجاحه حتى الآن هي أدنى بكثير من المطلوب، وبالتالي نرى أن الحديث حوله والتركيز عليه هو أقرب إلى التهويل منه إلى الحقيقة. فالموانع والعراقيل التي تعترضه وتواجهه ليست بالأمر الهين الذي يمكن تجاوزه. ولكن هذا لا يعني إمكان الاسترخاء، فالمرض يفتك بالجسم إن كان ضعيفاً بينما الجسم القوي يخنقه. ومرض التقسيم لن يفعل فعله إن كان الجسم قوياً!

*باحثة سورية مقيمة في الولايات المتحدة