سنوات سبعة مضت على انتشار النار على كامل الجغرافيا السورية، لتصل إلى كل بيت وقرية ويتأثر بها كافة مكونات المجتمع السوري، وكان للمسيحيين نصيبهم، كما غيرهم من نتائج هذه الحرب، بقسوة التهجير والهجرة داخل البلاد وخارجها، والصعوبات الاقتصادية وانعدام الامن، والسعي للصمود والتجذر في الارض.

 

من مليونين إلى 1.2  مليون

لا أرقام واضحة وإحصائيات رسمية في عدد المسيحين في سوريا. فهي تعتمد على التقديرات، التي كانت تشير أنها يشكلون بين 8 إلى 10% من نسبة السكان، وبدخول البلاد الحرب انخفضت بشكل كبير.

فقد أعلنت وزارة الخارجية الروسية على لسان مفوض الخارجية الروسية لشؤون حقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون "قسطنطين دولغوف"، في خطاب خلال المؤتمر العلمي العملي "دور الأديان في العالم المعاصر"، في شهر حزيران سنة 2016، أشار فيه إلى انخفاض عدد المسحيين في سوريا منذ بداية النزاع من 2.2 مليون إنسان إلى 1.2 مليون.

 

بلدان الهجرة

وطرق الهجرة والتهجير كانت عدة. فالمسيحيون موجودون في كافة المحافظات السورية، في القرى والمدن، وان التهجير داخل البلاد نتيجة الهجمات التي كانت تتعرض لها المناطق التي كانوا يتواجدون فيها، كما حدث في معلولا في ريف دمشق وفي قرى نهر الخابور في الحسكة، فالتهجير كان بتوجههم نحو المناطق القريبة منهم، كما كان توجه من حلب إلى اللاذقية وحمص. أما الهجرة إلى خارج البلاد، فكان التوجه الاساسي في المرحلة الاولى نحو لبنان كون البلد الأقرب ولصلة القربى للكثير من العائلات بين البلدين، اما خارج المنطقة فكان هجرتهم نحو بلدان يحملون جنسيتها وخاصة الولايات المتحدة الاميركية وكندا، ليتم بعدها عملية فتح السفارات باب اللجوء وتشكل الهجرة إلى كندا واستراليا الوجهة الاساسية، وخاصة مع التسهيلات التي تم تقديمها لهم، عبر سفارات هذه الدول في لبنان. كما أن بلد الهجرة المتعارف عليه للسريان هو السويد، وهو متعارف عليه ما قبل الحرب، ولكنه كان في حالة تراجع حتى مع عودة الكثير منهم لبناء بيوت لهم في قراهم في المنطقة الشرقية من سورية، ولكن مع اندلاع الحرب عادة عجلة الهجرة للسريان في تلك المنطقة بشكل أكبر وأخطر على وجودهم.

 

مسيحيو حلب والخسارة الديموغرافية

تشير مصادر أهلية من مدينة حلب لموقع "اليوم الثالث" الى أن القسم الاكبر من مسيحيي المدينة قد هاجر. كانت نسبة المسيحين في حلب تعادل 30% من عدد السكان الكلي، ولكنها وصلت اليوم إلى حوالي 15 ألفاً في حين كانوا في وقت سابق أكثر من 200 ألف، وأغلب الذين هاجروا بسبب الظروف المادية الصعبة و والخدمة العسكرية. أما الطبقة الغنية فقد سافرت إلى اوروبا او لبنان، ومن بقي في المدينة فهم من فئة من يملك عملاً ولم يتأثر بالحرب. ويضيف المصدر أن مستوى المعيشة تراجع ولكنهم استطاعوا أن يتأقلموا مع الأوضاع التي مرت خلال السنوات الخمس السابقة.

يتواجد المسيحيون في مناطق مثل السليمانية والميدان والعزيزية والفيلات، وهم بقوا في ذات الاماكن التي كانوا يتواجدون فيها خلال الحرب. ويوضح المصدر المعني أنَّ من هاجر من كبار السن قد يكون لديه الإمكانية للعودة لعدم تأقلمهم مع البلدان التي توجهوا إليها، أما الشباب فمن استطاع التأٌقلم وقام بتأسيس عمل او التقدم في مجال الدراسة فإن عودته تصبح صعبة أما من كانت أوضاعه معاكسة فتكون احتمال عودتهم أكبر نسبياً.

 

هل سيعودون؟

ويوضح المصدر المسيحي أنه ضمن الواقع الاقتصادي الذي عاني منه من بقي في المدينة، ساهمت المعونات الغذائية والمادية التي كانت تأتي من الكنائس، في بقاء بعض العائلات في حلب، لكن الفئة العمرية التي بقيت إما من أعمار كبيرة او صغيرة. والسؤال الاهم هو للعائلات التي هاجرت وأولادها الذين دخلوا مدارس في اعمار صغيرة، مثل لبنان وهولندا وألمانيا، فهل يمكن لهذه العائلات العودة مع اولادهم الذي كبروا خلال السنوات السابقة في ظروف مختلفة تماماً عن ماهي عليه في حلب؟

ويضيف أن الطبقة الغنية التي تملك محال وبيوتاً ومعامل، احتمال عودة أفرادها أكبر إن قامت الدولة بفترة قصيرة بتقديم خدمات مثل الكهرباء والماء، واعطاء تسهيلات في دفع القروض، ويرى أن هؤلاء حتما سيعودون. فالظروف ما قبل الحرب كانت تؤمن لهم مصدراً معيشياً أكبر مما هم عليه الان، ولكن إن لم يكن هناك تلبية سريعة للمتطلبات فهؤلاء من الممكن أن يبيعوا أملاكهم ويسافروا في شكل نهائي.

 

لحام وأسباب الهجرة والتهجير

يشير رئيس المنتدى الوطني السوري الدكتور الياس لحام، الى أن تشخيص مشكلة الهجرة والتهجير في ثلاث اتجاهات أساسية، الوضع الامني والحالة الاقتصادية وانعدام الأفق، وللحالة الأولى والثانية حلولاً واضحة بنظره. فمع سيطرة الجيش السوري ستبدأ الحالة الامنية بالعودة التدريجية إلى حالتها الطبيعية، ومع البدء في مرحلة إعادة الاعمار ستبدأ عجلة الاقتصاد بالعودة ويتم تأمين فرص عمل، ولكن تبقى المشكلة الثالثة هي الاصعب. ويشير إلى أنَّ الحل الاساسي يكون من خلال تنظيم الحقوق والواجبات ضمن الدستور الذي يشكل ضمانة أساسية لكافة فئات المجتمع.

 

تداعيات الهجرة

وعن نتائج الهجرة يشير الدكتور لحام أن هجرة الشباب تشكل خللاً اجتماعياً كبيراً، فالهرم السكاني في سورية الذي كان معدل اعمار الشباب فيه هو الاعلى، أصبح بعد سبع سنوات معاكسا. فمعدل الاعمار المتقدمة في العمر يشكل الفئة الاكبر، وهو ما يتطلب دراسة من علماء الاجتماع في كيفية التعامل مع هذا التبدل الاجتماعي في المستقبل.

وعلى مستوى الوجود المسيحي فإن الامر يعد خطرا، ذلك انَّ مشكلة الهجرة تشمل السوريين مسيحيين ومسلمين، ولكن نسبة العدد هي تشكل الفرق بينهما. ويوضح لحام أن الامر يشبه الفرق في النزيف الذي يتعرض له طفل و رجل، فالثاني له القدرة على تحمل الالم، أما الطفل فيشكل النزيف خطرا على حياته. وفي مثال واضح هو حلب التي تعتبر أكثر مدينة في الشرق التي تضم نسبة مسيحيين في مدينة واحدة، شكل انخفاض عددهم تغيراً كبيراً في الوجود المسيحي في المدينة.

 

الإقتصاد هو المشكلة والحل

ويضيف أن هناك مشكلة اساسية في موضوع الهجرة في مسألة البلدان التي تم التوجه إليها. فالدول الاوروبية هي ليست بلاد هجرة وإنما لجوء، بينما كندا هي بلاد هجرة، فحين تقرر اوروبا بأن الاوضاع الامنية في سورية أصبحت مستقرة فهي ستعمل على ترحيل كل اللاجئين إلى بلدهم ممن لم يستطع الحصول على اوراق هجرة، مما يضع من توجه إليها في حالة عدم استقرار في المرحلة المقبلة.

ويشير لحام إلى أن أهم سبيل للعودة هو الاقتصاد، وإلى أن الأساس هو تأمين فرص العمل مع إعادة الاعمار وتسهيل الحكومة السورية لعودة السوريين.

 

الفكر العلماني

ويميز قائلاً: "الجميع يتحدث عن مرحلة إعادة إعمار الحجر والبشر، لكن الثقافة والفكر هما الاساس في اعادة إعمار البشر، فمن الممكن للشخص الجائع أن تؤمن له الطعام، ولمن فقد مسكنه أن تؤمن له بيتا، ولكن نحن بحاجة للعمل على العقل والثقافة وحماية المجتمع من التطرف، وهذا يتطلب جمعيات ومراكز ثقافية لتلبي هذا الامر ".

كما يشدد لحام على أن الدور الاساسي يجب أن يكون للعلمانيين إن أردنا التقدم، الفصل بين الدين والسياسة هو أمر ضروري، فالدين هو العلاقة بين المؤمن وربه، إن كان في الكنيسة او الجامع، أما في المجتمع فإن الأمر يعود إلى القوانين الوضعية وليس اللاهوتية".

*صحفي سوري