مما لا شك فيه أن الحديث عن "الأقليات المستهدفة" كما يحلو للبعض تسميتها، في الحرب السورية بات محوريا في أي تحرك سياسي أو عسكري، إقليمي أو دولي.

 

الغزو التكفيري لأرض الحضارة

تحريض غير مسبوق على القتل والذبح وحراك ارهابي عابر للحدود بات يهدد موزاييك المنطقة والتعايش السلمي في بلاد الشام، وفي المقابل تعيش المكونات القومية والإثنية والدينية للمجتمع السوري هاجس التهجير والاضمحلال الحضاري، مع غزو فكري تتعرض له المنطقة ومحاولات لتشويه الوقائع التاريخية والدينية في حملة ممنهجة وسياسة مدروسة عبرَ نشر العقيدة الوهابية التكفيرية والتأثير في جغرافيا بلاد الشام سياسياً ودينياً وثقافياً وحضارياً.

 دفعت مكونات الشعب السوري كامل الثمن، ذاك الثمن الباهظ لسياسات وتحالفات جاءت على حساب وجوده ومصيره، وهنا اخص بالذكر المكون المسيحي السوري الذي كان له النصيب الاكبر من حملات التطهير الديني قياسا للتعداد بالنسبة لعدد السكان الاجمالي. وها هو اليوم يسير في نفق مظلم زُج به مجبراً لا طواعية، الهجرة والتهجير على أشدهما اليوم كما كان الحال قبل حوالي قرن من الزمن خلال مذابح الاتحاد والترقي بحق الشعب السوري وخصوصا السريان والاشوريين والكلدان والأرمن.

 

التحريض على الحقد والمجازر

لكن اليوم الأمر اختلف حيث التكنولوجيا الحديثة تلعب دورها بامتياز، فإلى جانب صفحات التواصل الإجتماعي الغارقة بالحقد الطائفي المصدر إلى سورية، هناك قنوات سخرت كامل قدراتها لتدمير المجتمع السوري عن بكرة أبيه، دون أي خجل أو أخلاق أو مهنية وتستعمل هذه وسائل الإعلام المصطلحات الطائفية في وصفها للأحداث والكوارث التي تعصف بالبلاد والعباد، إلى جانب عرضها بشكل يومي لقطات فيديو حقيقية وأخرى ممنتجة ومفبركة هدفها الوحيد زرع الفتنة الطائفية والتحريض على القتل والقتل المضاد، مدركة جيدا الطبيعة العاطفية لسكان سورية والمنطقة من خلال مسح جغرافي وديموغرافي مسبق للمناطق ومعرفة طبيعة سكانها وانتماءاتهم ودرجة تعليمهم، لتأتيك بعد ذلك بقنبلة من العيار الثقيل عن مذبحة راح ضحيتها ليس سوريين وإنما أبناء الطائفة الفلانية أو الفلانية. فنحن اذا امام حرب من منطلق التحريض الطائفي بامتياز مهما اختلفت الشعارات، هذه القنوات مهمتها التحريض الطائفي من خلال تقاريرها التي يشاهدها الملايين والدعوة بعد ذلك إلى الانتقام وإشعال نار الثأر الدموي، وفي معظم الأحيان تتزامن هذه المجازر مع حراك سياسي من شأنه معالجة الحالة المرضية التي تعيشها سورية من مؤتمرات أو جلسات لمجلس الأمن الدولي، كما حصل في عدة مجازر من قبل ولست هنا في صدد تعدادها، ليتأكد من جديد للجميع ألا حلول تلوح في الأفق، وكأن فئات كبيرة لا تريد حقن الدم السوري وهي تعمل وفق معادلة مؤمن/كافر.

 

الشهادات الدولية عن استهداف مكونات المجتمع

يعيش المسيحيون اليوم حالة خوف غير مسبوق في ظل الحرب وما يدور في فلكها، كل هذا يثير هلعاً في ظل تواطؤ المجتمع الدولي مع العمليات الإرهابية التي تهز البلاد بشكل شبه يومي.

وفي سياق الحرب الطائفية وامتدادها إلى الجوار السوري، أصدرت منظمة مراقبة حقوق الإنسان العالمية - الأميركية "هيومن رايتس ووتش" والتي سبق لها أن أصدرت تقارير عديدة أدانت فيها ما يحصل على الارض وقدمت تقريرا تحدثت فيه عن تحقيقات أجرتها المنظمة في عدة محافظات سورية، يفيد بأن" الحركات الإرهابية" قد تعمدت تدمير مواقع دينية في مناطق مختلطة التركيبة السكانية شمالي سورية، في الشهرين الأخيرين من العام المنصرم.وبحسب "هيومن رايتس ووتش" وشهادات لأشخاص لصحف عالمية في لندن وواشنطن فإن الهجمات وقعت في تلك المناطق بعد سقوطها في يد "المعارضة "! إثر خروج القوات الحكومية منها، الأمر الذي دفع الأقليات الدينية إما للفرار أو لمغاردة بيوتهم قسراً بأعداد كبيرة.

المنظمة فسرت ما يجري بأن" الحركات المسلحة" أخفقت في التصدي على النحو الملائم للهجمات غير المبررة على أماكن العبادة الخاصة بالمسيحيين، رغم تعهد بعض قادتها بحماية جميع السوريين في بياناتهم الرنانة واجتماعاتهم أمام عدسات الكاميرات. كما أخفق هؤلاء في السيطرة على المسلحين الذين تورطوا في أعمال النهب وغيرها من الأنشطة الإجرامية، مثل أعمال الاختطاف، داعية جماعات المعارضة المسلحة إلى حماية جميع المواقع الدينية في المناطق الخاضعة لسيطرتها وإلى اعتماد إجراءات تأديبية ضد من قاموا بأعمال نهب واختطاف.

 

التغاضي الدولي

من يقرأ هذه الكلمات يظن أن المجتمع الدولي لا يدري من المسؤول ومن أين تؤكل الكتف، ومن أين يأتي التمويل والدعم الإستخباراتي واللوجستي للمتطرفين والتكفيريين في سورية، ومن أين تتساقط القذائف على البلدات والقرى المسيحية، ومن قبل من تحاصر قراها السريانية والآشورية التي لا تريد القتال تحت الرايات السوداء، مع التأكيد على أن ظهور بعض الشخصيات التي تدعي أنها سريانية مثلا شكلت كتائب للتحالف مع من هجر أجدادها من أرضهم الأصلية، وذلك بدعم البعض ممن يختبئ في السويد أو غيرها، كل هذا ليس إلا ذراً للرماد في العيون. فكان أجدر بهؤلاء أن يقاتلوا العثمانيين الجدد لاستعادة حقوقهم لا أن يتحالفوا معهم لقتل شعب مسالم، وكان أجدر بالمجتمع المتحضر والديمقراطي والإنساني الأوروبي والأمريكي أن يتوقف عن التلاعب بعواطف المسيحيين وغيرهم من السوريين، والتخلي عن المتاجرة بتأشيرة الهجرة إلى العبودية الغربية هربا من الموت. من كل ما تقدم اخلص على الصراع السوري اكتسب صبغة الطائفية وبجدارة !!

 

بحسب القانون الدولي الإنساني يتعين على أطراف النزاعات المسلحة عدم مهاجمة المواقع الدينية عمداً طالما هي غير مستخدمة لأغراض عسكرية، كما يحظر مصادرة أو تدمير أو إلحاق ضرر عمدا بالمباني أو المؤسسات الدينية، أما عكس ذلك فيعتبر بمثابة جرائم حرب، وهو ما يحصل في سورية اليوم من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى ساحلها حيث كثرت مؤخرا الدعوات لنقل المعارك إلى القرى " الكافرة" كما يحلو للوهابيين التسمية، ومن هنا يمكن فهم أن شخصنة الأزمة السورية وربطها بطوائف دون أخرى هدفه تدمير سورية لا اصلاحها.

 

الأفق المجهول

في السابق كانت جميع الديانات والطوائف والأقليات المتعددة على أرض سورية تتعايش فيما بينها لدرجة كانت سورية مضرب مثل للسلام في شتى بقاع الأرض كما جاء على لسان أكثر من مسؤول دولي، لكنها، أي المكونات وجدت نفسها اليوم طرفًا بقصد أو بغير قصد في ظرف فرض على السوريين ووضع مصير أقلياتهم الدينية والفكرية ومكوناتهم الاجتماعية والسياسية في سياق مجهول يرسم الكثير من معالمه التكفير العابر للحدود الذي يحارب من أجل السماء وما وراءها وليس من أجل أرض سورية وشعبها..!

*أستاذة جامعية سورية مقيمة في الولايات المتحدة