اليوم الثالث- باريس

ان العديد من النساء من ضمنهن أوروبيات وخصوصا فرنسيات، يلتحقن بصفوف التنظيم الارهابي "داعش " في سورية، منهن القاصرات ومنهن الجامعيات... وأصبحن يمثلن ذراعاً لهذا التنظيم الإرهابي المتطرف.

 وكمثال على ذلك أذكر "حياة بومدين" رفيقة أحمد كوليبالي، منفذ الاعتداء على المتجر اليهودي بباريس، هي المرأة المطلوبة رقم واحد بفرنسا، وهي تجسد بامتياز ظاهرة المرأة الإرهابية. هذه المرأة السمراء البالغة من العمر 28 عاما التي استبدلت "البكيني" بالنقاب، لجأت إلى سورية في 8 كانون الثاني.

والسؤال الذي يطرحه الجميع: لماذا اختارت هذه الفتاة الفرنسية، كالعشرات من الفرنسيات الأخريات، الانضمام إلى صفوف تنظيم "الدولة الإسلامية"؟ ان دوافع هؤلاء النساء عديدة ومتنوعة كتنوع شخصياتهن وانتماءاتهن !

 

النساء بين السياسة والدين

مثلهن مثل الرجال، بعضهن انضم عن قناعة "سياسية" بحسب كلامهن في عدة مناسبات ، ومعظمهن ذهبن إلى هناك لأسباب دينية وبدافع الهجرة [بالمفهوم الإسلامي].

 تقول فرانسواز جيروم، أستاذة جامعية وخبيرة في الإسلام المتطرف  في فرنسا: "البعض شعرنَ بالتمييز في فرنسا وبالرغبة في ممارسة دينهن بحرية مطلقة، دون أي شكل من التدابير المهينة"، واعتبر حظر النقاب في المجتمع الفرنسي إجراء صادماً ومحبطاً على حد قولها بناء على دراسات اجرتها على مجموعة من النساء المتطرفات.

وأضافت باسكال غزافييه، وهي باحثة في العلوم السياسية مختصة في العالم العربي، أنه تطور لديهن إحساس بالاستياء تجاه بلدانهن واعتبرنها معادية للإسلام، وبالتالي فإنهن "يتركن الغرب الفاسد والكافر للانضمام لهذا المجتمع الإسلامي المثالي والمشاركة في إنشاء دولة إسلامية جديدة حقيقية" على حد تعبيرها.

 

"

"الزواج من مقاتلين أصبح بالنسبة إليهن شكلاً من أشكال التحرر" حسب فرانسواز جيروم، المختصة في الإسلام والباحثة في علم الاجتماع "العديد منهم عرفن في حياتهن - قبل التدين - رجالا خيبوا آمالهن"، تضيف فرانسواز ، فأصبحن يبحثن عن رجال "مثاليين" على نفس المنهج. والرجل المثالي لديهن هو "الجهادي".

ووفق باسكال غزافييه ، بعضهن لن يتوجه لسوريا للزواج وإنجاب الأطفال ولكن للقيام بدور "فعال" في دولة الخلافة، كالانضمام لكتيبة الخنساء التي سميت على اسم الشاعرة العربية الشهيرة التي عاشت في صدر الإسلام و"ضحت" بأولادها الأربعة وأرسلتهم "للجهاد" وشجعتهم عليه.

 

المهمات الأمنية و"الجهادية"

بعد وقت قصير من السيطرة على الرقة، منذ نحو ٣ سنوات ، برزت حاجة لتكوين لواء نسائي في التنظيم، حسب ما ذكرت فرانسواز. في البداية، كان يوكل إليهن مهمة تفتيش ومراقبة النساء على حواجز التفتيش بسورية، بعد قيام معارضيهم في أحيان عديدة بالاختباء وراء النقاب.

اليوم تطور دور كتيبة الخنساء، وأصبح دور الكتيبة المتكونة من ١٠٠ امرأة تحسيس النساء الأخريات بالدين الإسلامي "وفق رؤيتهن الخاصة"، وتقييم من منهن لا تطبق الشريعة وفق تأويلهن. فعلى سبيل المثال، يعتقدن أنه يجب على كل النساء أن تتغطى بالكامل في الخارج وأمام الأجانب. وأشارت باسكال ، "هذه المهمة تسمح لهن بكسب لقمة العيش، ما يعادل ٣٠٠ دولار، وهو مبلغ يعتبر كبيرا في سورية اليوم".

 

أصبح التنظيم لا يتردد بالاتصال بالنساء اللاتي أضعفتهن الحرب منذ صيف 2014، في محاولة لأن يثبت أن إيديولوجيته تجلب النساء كما الرجال. وهو أسلوب لإضفاء المصداقية على عمله ولجلب المتحمسين للجهاد.

إذا أردنا تقييم دورهن من خلال ما يعرف باسم مجلة "تنظيم الدولة الإسلامية" المخصصة لهن "الشامخة"، فإن النساء يتحملن مهمات الرجال نفسها لكن في إطار غير مختلط. مهمتهن لا تقف عند الزواج وتكوين أسرة وأن يكن أمهات وزوجات صالحات، وإنما يجب عليهن أيضا معالجة المقاتلين الجرحى والرعاية اللوجستية والالتحاق بالمعارك للجهاد عند الضرورة، فصورة المرأة "المجاهدة" كما يوصفونها بدأت تظهر وتتضح، سواء عن طريق شبكة الإنترنت من خلال الدعوة للجهاد أو تحت الراية السوداء من خلال إطلاق النار بالكلاشينكوف".

فرانسواز تقلل من شأن اعتبار المرأة في صفوف التنظيم "امرأة محاربة" على عكس النساء الكرديات اللواتي يحاربن جنبا إلى جنب مع الرجل، وهذا يعود لقانون وجوب عدم الاختلاط ولأن المرأة في اعتبارهم لا تنضم للجبهة إلا كحل أخير، وبالتالي سيكون ظهور المرأة في ساحات المعارك في تنظيم الدولة الإسلامية مؤشرا على ضعف التنظيم أو تغيير في استراتيجيته.

 

الصورة "الثورية" للمرأة الداعشية

على عكس المعتقد العام، ليست كل السيدات اللاتي يلتحقن بالتنظيم هن ضعيفات ووقع التأثير عليهن، رغم أن البعض منهن مررن بحياة شخصية وعائلية صعبة، وفق ما أوضحت باسكال التي تقول إن "عدداً منهن كن بصدد دراسة جامعية أو أنهينها، لسن كلهن قاصرات، وهذه الإيديولوجيا ليست مفروضة عليهن وإنما يشعرن أنها تمثلهن وهن قادرات على تطويرها أكثر"، وتضيف "هن يعتبرن أنفسهن ثوريات ويردن تغيير العالم لاستعادة نوع من العدالة عن طريق الجهاد"بحسب تعبيرها.

 

خطر تجنيدهنّ مستمر

وهنا يطرح التساؤل، هل يمكن أن نخشى موجات مغادرة أكبر في اتجاه سورية والعراق؟

فرانسواز تقول إن ذلك يعتمد على قدرة الجماعة على أن تنتظم كمجتمع "فكلما ظهر على التنظيم مؤشرات استقرار كتكوين مؤسسات، كلما أصبح أكثر جاذبية وسهل "الهجرة" نحوه. ليس بالضرورة من أجل القتال وإنما للعيش على أرض إسلامية."

في مقال نشرته صحيفة "لوموند" الفرنسية، أطلقت صيحات تحذير: "300 إلى 400 شابة أوروبية يمكن أن يكن قد التحقن بالتنظيم"، والنساء يمثلن اليوم من 15 إلى 25 بالمئة من المقاتلين الغربيين في صفوف التنظيم. وبالتالي فإن الظاهرة تستوجب معالجة سريعة وجدية أكثر مما هو في الحاضر.

وهي وجهة نظر تشاركها الباحثة باسكال التي تعتبر أنه يجب ألا نغفل عن عنصر فاعل أساسي في هذه الجماعات وهي المرأة، و"يجب أن لا نستخف بدورها" !!

*أستاذة جامعية سورية مقيمة في الولايات المتحدة