ارتبط اليسار تاريخياً بمفاهيم الدفاع عن الطبقات الاجتماعية الدنيا، وبالتقدم الاجتماعي، وبمناصرة حقوق المرأة، وغيرها. واجتذبت الأنظمة الشيوعية في القرن العشرين، على رأسها الاتحاد السوفياتي، قوى يسارية كثيرة إليها، على أمل أن تكون رافعةً لتحقيق الأهداف التي لطالما سعى اليساريون إليها، كالعدالة الاجتماعية والمساواة. كما ارتبط النهوض القومي اليساري العربي، وإقامة دولة “إسرائيل” في النصف الثاني من القرن العشرين، بالشعارات المعادية للغرب، بوصفه شرًا مطلقًا امبرياليًا، وتحوَّل العداء المشروع في السياسة إلى سياسة عداء مطلقة في خطاب النخبة.

 

تبدل اليساريين العرب

وفيما كان الإسلاميون ينظرون ويقدمون أنفسهم بديلًا لفشل السياسات القومية على حد زعمهم ، أواخر القرن العشرين، بخاصة بعد انهيار الأنظمة الشيوعية، وصل تخبُّط اليسار إلى أوجه، بشقّيه: الشيوعي والقومي، وتراجع كثير من أفراده إلى انتماءاتهم القَبْلية، في حين اتّجه بعضهم الآخر صوب الليبرالية السياسية، أو التيارات الدينية، تعبيرًا عن هشاشة الانتماء، وبقي فريق ثالث على حاله، عصيًّا على التغيير، بعد أن تشبّث بعقيدته كدين.

وهكذا تحول مفهوم اليسار من رافعة للتقدم الاجتماعي إلى تيارات معزولة عن مجتمعاتها بدرجة كبيرة، لا بل أنّ بعض القوى اليسارية دافعت عن القوى الإسلامية وتجلى ذلك واضحا في السنوات العجاف الاخيرة التي مرت على المشرق عموما.

 

عندما يدعم يساريون الإرهاب

قُبيل اندلاع ما اسماه البعض “الربيع العربي” ومع التحفظ على التسمية ومن ثم الحرب السورية وما خلفته من تناقضات وويلات على الارض ولئن وُجِد تباين إلى درجة كبيرة، من بلد لآخر، فإنّ القواسم المشتركة تمثَّلت بغياب النخب اليسارية المثقفة والتي كانت تعرف عن نفسها بأنها ليبرالية او علمانية إلى التقوقع في إطار التجمعات الأهلية او الاتجاه الى مناصرة الحركات الراديكالية الاصولية في تخبط غير مسبوق!

 

 

اتّعظوا من التجارب العالمية

لا أظن أن اليسار، عموما وخاصة في الشرق ، قام بجهد كبير لتركيب كل المناحي والأبعاد لبناء ذاته وهويته التي لا بد أن تكون متميزة عن تجارب يسارية أخرى عبر العالم ولها خصوصية مرتبطة بالإطار الحضاري العام الذي يشتغل فيه. أتصور أن التجربة الصينية ما كان لها أن تنجح لولا القيم الحضارية والدينية للشعب والحضارة الصينية التي تعود إلى آلاف السنين.

وأستحضر تجربة اليسار في أمريكا اللاتينية وإبداع مفهوم لاهوت التحرير دون أي عقدة تجاه الدين ولا موقف مسبق منه. ونجاح تجارب يسارية في امريكا اللاتنية راجع، في جزء منه، الى استيعاب واقع متميز وذي خصوصية ادركها اليسار ونتج عنها تطبيق خلاق لفكره وقيمه.

أستحضر أيضاً مفهوم الكتلة التاريخية التي دعا إليها غرامشي، التي لا تستثني الأحزاب المسيحية بل تدمج كل القيم الاجتماعية في الدين المسيحي بمعنى اشراك حركات دينية مسيحية في العمل المدني .

 

الجمود الفكري

أعتقد أن ثمة قصور، وأجازف بالقول أن ثمة "أصولية" لدى اليسار العربي ، فالأصولية لا تحيل بالضرورة إلى تيارات سياسية إسلامية ، بل الأصولية تعني الارتباط الدوغمائي بالأصول التي تبقى في نظر أي أصولي أسمى من كل اجتهاد أو تطوير لاحق، وهي في حالة اليسار إنتاجات ماركس وانجلز ولنين .

لقد تحدث روجيه غارودي، عندما كان مفكراً يسارياً عن أصوليات وليس أصولية واحدة، واعتقد أن كثيراً من الحركات اليسارية هي "أصولية" بمعنى ما وسلفية، لأنها تحيل إلى خلاصات السلف الصالح وليس فقط إلى منهجية في التحليل للوصول لهذه الخلاصات، والسلف الصالح هو" ماركس" انجلز لينين" رغم أن هؤلاء مهما كانت عبقريتهم فهم بشر مرتبطون بواقعهم ومستوى التطور الاقتصادي في عصرهم ومستوى تطور الفكر والعلم والعقل البشري عموما...

 

مواكبة التحولات

مع ذلك، مازال بوسع الأحزاب اليسارية إعادة هيكلة بناها واستعادة أنشطتها الاجتماعية؛ لتحقيق مصالح الفئات التي تمثلها من ضمن مصالح المجتمع ككل. هذا مرهون باعتمادها دينامية جديدة، تستند إلى التفاعلات السياسية والاجتماعية الخلاقة، التي تأخذ بالحسبان التحولات الحاصلة في بنية مجتمعات عصر التقدم التقني والرقمي. يمكن أن يتم ذلك من خلال دعم المبادرات الفردية، والعمل على مواقع وشبكات التواصل الاجتماعية التي تؤمن سرعة تبادل المعلومات والخبرات؛ ما يجعل الحزب، أي حزب، تحشيدًا مرنًا لمجموعة من الطاقات الحرة المتجددة، بعيدًا عن المركزية والأوامرية.

 

يساعد تجدُّد الدور اليساري في استعادة التوازن المطلوب في المجتمع، والوقوف في وجه قوى الاستغلال على اختلافها، والتعبير عن مصالح أوسع الفئات الشعبية، وحماية البيئة، لكن وللاسف الشديد فان فئة كبيرة وقعت في خطا تاريخي فادح عندما قامت بدعم التطرّف والارهاب على الارض وهناك شواهد كثيرة على الارض في منطقتنا والهدف هو برأيهم مبرر ويتجلى في إسقاط الأنظمة"الاستبدادية " كما يسمونها ويزعمون حتى ولو كان البديل هو الاسلام السياسي او وصول جماعات متطرفة الى الحكم وهذا اساء حتى لمنظمات المجتمع المدني في العموم لانها ناقضت مبادءها وايديولوجيتها. تعدّ البرامج الاجتماعية الطموحة التي تشارك فيها القوى اليسارية باقي القوى الديموقراطية على الارض، كالنقابات والجمعيات وحركات المجتمع المدني، مجالاتٍ رحبة للعمل الخدمي الذي يقود النجاح فيه؛ لتحقيق إنجازات سياسية وانتخابية، تعزِّز من دور اليسار، وتعيد الثقة شبه المفقودة بسياساته.

 

تمييز العلمانية عن اليسار

من جهة ثانية، أساء ربط اليسارية بالعَلمانية إلى مفهوم العلمانية ذاته بصورة خطِرة. وهي تبدو كذلك عند ربطها وتحيزها الى الأنظمة الدينية المتطرفة التي تتدخل في تفاصيل الحياة الشخصية، وفي كافة مناحي الحياة اليومية من دون أن ننسى الرغبة الأكيدة لقوى الإسلام السياسي في تشويه فكرة العَلَمانية، بوصفها نقيضًا لمشروعاتها الاستبدادية.

إنَّ إعادة الاعتبار للعَلمانية والتصدي للتشويه الذي تلاقيه على أيدي الاستبداديين، من إسلاميين وعلمانيين مزيَّفين او يساريين مزيفين وغيرهم، يعدُّ أيضًا مهمة ملحّة؛ فالعَلمانية هي الحاضنة الاجتماعية الحديثة لكل الأديان والمذاهب والإثنيات في مجتمع يقوم على حيادية مؤسسات الدولة ومساواة المواطنين أمام القانون، فضلًا عن التوجهات الإنسانية المتعلقة بالحريات الشخصية والعدالة والإبداع وحماية البيئة، وتحرير طاقات الرجال والنساء والمساواة بينهم.

مَن يُعارض العَلمانية، كمشروع جامع وحيادي، فإنّه يريد تمرير مشروعه الاستبدادي الخاص به؛ هذه هي حال الإسلاميين، الذين يتحججون بـ “ثقافة مجتمعنا” و”تعاليم ديننا” و”طبيعة شعبنا”، مستفيدين من انغلاق ثقافي وتجهيل اجتماعي مديد، والخلط بمكر، بين فصل الدين عن مؤسسات الدولة وفصل الدين عن المجتمع!

  • باحثة سورية مقيمة في الولايات المتحدة