قبل أربعة أعوام وبالتحديد يوم 14 أغسطس/آب 2013، مرَّتْ على الشعب المصري وعلى الأقباط بشكل خاص أوقات عصيبة. هذا اليوم الذي شهد فضَّ اعتصاميّ رابعة والنهضة، وكان من نتائجه الانتقام الرهيب من أنصار الإخوان والرئيس المعزول "محمد مُرسي" ضد الأقباط وكنائسهم. وذلك عقابًا لهم لمشاركتهم في مظاهرات 30 يونيو/ حزيران 2013 التي تسببت في عزل الرئيس الأسبق "محمد مُرسي" من منصبه، وإعلان وزير الدفاع آنذاك "عبد الفتاح السيسي" خارطة طريق سياسية جديدة في 3 يوليو/ تموز 2013.

مرّ الأقباط بمحنة تاريخية في ذاك اليوم 14 أغسطس، حيث تم الاعتداء وحرق أكثر من 100 كنيسة في كل محافظات الجمهورية، واستمرت تلك الكنائس مغلقة وغير مُرممة لفترة طويلة، وبعضها لازال مغلقًا حتى الآن. وهذا المقال للتوثيق والتأريخ، وللذكرى فلعل الذكرى تنفع المؤمنين بالوطن والمواطنة، وحقوق الإنسان والأقليات.

 

تسلسل الأحداث زمنيًا

في 3 يوليو/تموز 2013 وعلى إثر مظاهرات المصريين الحاشدة في كل ميادين الجمهورية، وفي حضور حشدٍ لممثلين لقوى سياسية وحزبية وشخصيات دينية، وبعض الرتب العسكرية كممثلين للقوات المسلحة، أعلن وزير الدفاع آنذاك "عبد الفتاح السيسي" عن مجموعة قرارات تمثل "خارطة طريق سياسية" جديدة، أهمها عزل الرئيس الأسبق "محمد مرسي"، وتعطيل العمل بالدستور، وتعييين رئيس المحكمة الدستورية العليا وقتها "عدلي منصور" رئيسًا مؤقتًا.

 

وبالتزامن مع ذلك اُحتجز الرئيس المعزول في مكانٍ غير معلوم. وقد أسفرت تلك الإجراءات عن موجة غضب عارمة غير منضبطة للإخوان ولأنصار مرسي منددين بعزله. وخرجوا في مظاهرات مسلحة غير سلمية في ميادين عدة، وكان أكبر تجمع لتلك المظاهرات في ميداني رابعة العدوية والنهضة بالقاهرة، ثم ما لبثوا أن أعلنوا اعتصامًا مفتوحًا مسلحًا في الميدانين.

حيث كشفت الأجهزة الأمنية عن وجود سلاح بين المعتصمين، وتم تصويره تليفزيونيا وإذاعته، وقد استمر احتشاد "الإخوان" أكثر من شهر في "ميدان رابعة" بضاحية مدينة نصر بالقاهرة، وبنوا حواجز ترابية وأسمنتية حول موقع الاعتصام. وأغلقوا كل الطرق المؤدية للميدان، وكل ذلك موثق بالصوت والصورة.

 

وتصاعد التوتر مع احتدام نبرة الخطاب التصعيدي ليأخذ منحىً إرهابيا واضحا، حيث هدد قادتهم علانيةً من على المنصة الحكومة السلطة الجيدة فقال القيادي طارق الزمر مخاطبا المعرضين لحكم الإخوان نصا: "ستسحقون".

أما "محمد البلتاجي" فقال نصا: "العمليات المسلحة في سيناء ستتوقف في اللحظة التي يعلنون فيها عودة الرئيس الشرعي محمد مرسي". أما "محمد الظواهري" أخو "أيمن الظواهري" رئيس تنظيم القاعدة الإرهابي فقال: إن من يرشنا بالماء نرشه بالدم. وهذا مجرد عينة من عداء الإخوان للمصريين ودمويتهم وإرهابهم.

 

فض الاعتصام

اتخذت السلطات المصرية قرارها بفض الاعتصام بعد أنْ باءت محاولاتها ووساطة بعض المسئولين والشخصيات العامة، حيث تمسك الإخوان بعودة ما أسموه "الرئيس الشرعي"، فلم يكن بدٌّ من فضِّ الاعتصام.

وفي باكر يوم 14 أغسطس/آب 2013 م استيقظ المصريون على نبأ بدء فض الاعتصام. ووقعت أعمال عنف على إثر ذلك في العديد من المحافظات المصرية، وحرق مؤيدو الرئيس المخلوع عشرات الكنائس وأقسام شرطة وأعلنت الرئاسة حالة الطوارئ لمدة شهر وحظر التجول في عدة محافظات مصرية ابتداء من الساعة التاسعة مساءً وحتى الساعة السادسة صباحًا.

 

الأقباط خارج حسابات المسؤولين

ويبقى السؤال، لماذا لم تتخذ السلطات المَعنية التدابير والاحتياطات الأمنية اللازمة لحماية الأقباط وكنائسهم وممتلكاتهم؟ هذا سؤالٌ بديهيٌ في ظل معطيات، وملابسات، وتاريخ سابق يقطعون بحتمية المواجهة وردود أفعال أنصار الإخوان والرئيس المعزول ونواياهم باستهداف الأقباط. ألا يسمى هذا الخذلان للأقباط تواطؤا صريحا ضدهم؟ وإن لم يكن تواطؤاً فماذا يكون؟

 

هل تقدر الدولة تضحيات الأقباط؟

دائما ما يثبت الأقباط بالأفعال لا بالأقوال وطنيتهم وارتباطهم الوثيق بأرض مصر، واعتزازهم بتاريخها الذي كان الأقباط فيه درةً على جبينه وحلقة مشرفة على مر التاريخ المصري كله. ساهم الأقباط في البناء والتعمير، ساهموا في الإرث الحضاري والثقافي، ودفعوا ولا يزالوا يدفعون ضريبة الدم. وبدافع وطني خالص نطالب الدولة ب"توثيق" هذه الحقبة الوطنية ناصعة البياض للأقباط "من 30 يونيو 2013 وحتى الآن". فليس أقل من أن ينال الأقباط تقديراً يستحقوه لما عانوه في تلك الفترة، ويكون التقدير عملياً ب"توثيق" تضحياتهم لكي تعرفها الأجيال القادمة وتقرأها تاريخاً يدعو للفخر والاعتزاز:

توثيق للكنائس التي تم تدميرها وحرقها وعدم خروج الأقباط للشوارع بالأسلحة، توثيق لمئات الشهداء الأقباط الذين اغتالتهم يد الغدر والإرهاب، توثيق ردود أفعال الأقباط التي تزخر بالوطنية والانتماء وللوطن، الأقباط الذين لم يردوا الإساءة بالإساءة والاعتداء بالاعتداء حرصاً على سلامة الدولة وأمنها واستقرارها ووحدة أراضيها، الأقباط الذين قال باباهم عبارته الخالدة التي تفيض بالوطنية، غداة حرق كنائسهم: "وطن بلا كنائس بل وطن".

  • ناشط حقوقي مصري