التبني وإن كان حقاً معترفاً به في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، إلا أنه مهدور في مصر. آلاف من الأسر القبطية التي حُرمتْ من الإنجاب ويتمنَوْنَ أن يتبنَّوْا طفلاً يُعيد السعادة للأسرة، ورغم أن كتابهم المقدس لا يمنع التبني، إلا أن قوانين الدولة المصرية تمنع هذا الحق الإصيل، استنادًا إلى المادة الثانية من الدستور المُلغَّمَة والتي تنص على أن: "إلاسلام دين الدولة ومباديء الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع".

فموضوع التبني وإن كان يبدو "البُعد الإنساني" جليًا، إلا أننا لا يمكننا التغاضي عن "البعُد التشريعي" الذي يرتكز على الشريعة الإسلامية التي تُحرم التبني وتحرم مسيحيَّ مصرَ من حقوق المواطنة وحق أصيل من حقوق الإنسان.

 

التبني من منظور مسيحي كتابي

لقد تطرَّق الكتاب المقدس للجوانب المتعلقة بحياتنا الروحية كافة وعلاقتنا بالله، ولكنه لم يغفل أيضًا عن احتياجاتنا الإنسانية البسيطة فالكتاب المقدس كثيرًا ما وصف الله بالراعي والأب  الذي يهتم بتفاصيل حياة واحتياجات أبناءه.

فالكتاب المقدس يقول إننا أبناء الله ب"التبني" (الشاهد يوحنا والرسائل)، وليس العهد الجديد فقط الذي تكلم عن التبني بل أيضًا العهد القديم ذكرها، فـ "موسى" مثلاً تبنته ابنة فرعون (خر10:2) وأستير تلك الفتاة اليهودية التي ولدت في سبي بابل تبناها مردخاي (أس 2 : 7-15).

 

الكنائس المسيحية وقانون الأحوال الشخصية

الكنائس المصرية لم تصل إلى نقطة تلاقي في موضوعات عدة، من ضمنها موضوع التبني. فالرؤى تتباين ما بين تأييد إنجيلي وكاثوليكي، وتحفظ أرثوذوكسي، فضلاً عن الرفض الإسلامي القاطع لمناقشة القانون أصلاً من حيث المبدأ.

هذا الرفض منبعه التأويل الأزهري لنصوص القرآن، الأزهر المتسلف الذي دسَّ أنفه حتى في شؤون دول آخرى غير مصر، وتدخله في قضية تونسية خالص لمناقشة المواريث ليس ببعيدٍ،  مما استدعى ردًا قاسيًا من مفتي تونس مفاده أنَّ هذا شأننا الخاص ما دخلكم أنتم؟!

 

نظرة حقوقية لموضوع التبني

من أهم المبادئ المتعلقة بحقوق الطفل في الاتفاقيات الدولية: الإلتزام بالمساواة بين كل الأطفال دون أي شكل من أشكال التمييز حتى الأبناء الذين فقدوا آباءهم لسبب أو لآخر. ويكون الإعتبار الأول هو حقوق الطفل في جميع ما يُتخذ من سياسات وتدابير وإجراءات للحفاظ عليه وتنميته ومراعاة ممارسة حقوقه والمشاركة في جميع الأمور التي تتعلق به. والتوازن بين مسؤولية الوالدين عن تربية الطفل، ومسئولية الدولة عن تقديم الدعم، والمساعدة للوالدين للإضطلاع بمسئوليتهما.

 

وبحسب اتفاقية حقوق الطفل التي اعتُمدت للتوقيع والتصديق والانضمام حسب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 44/25 في 20 نوفمبر 1989، وفقا للمادتين 20 و21، يجوز التبني وفقا لشروط والتزامات محددة على الدول والأسر كليهما. فطبقاً للمادة 20 فإن الطفل المحروم بصفة مؤقتة أو دائمة من أسرة له االحق في حماية ومساعدة خاصتين توفرهما الدولة. وتضمن الدول الموقعة على الاتفاقية، وفقا لقوانينها الوطنية، رعاية بديلة لمثل هذا الطفل، ويمكن أن تشمل هذه الرعاية: الحضانة أو التبني، أو عند الضرورة، الإقامة في مؤسسات مناسبة لرعاية الأطفال، مع مراعاة الحفاظ على الخلفية الإثنية والدينية والثقافية واللغوية التي ينحدر منها الطفل.

 

المجتمع الدولي وحقوق الطفل

قضايا الطفل تحظى بعناية قانونية وإنسانية كبيرة من قبل المجتمع الدولي خاصةً في تشريعاته المستحدثة في المعاهدات والمواثيق الدولية، ومصر كجزء من المجتمع الدولي وقعت وصدقت على الإتفاقية الدولية لحقوق الطفل، وعملا بهذه التوصيات أنشأت المجلس القومي للأمومة والطفولة. ورغم كل ذلك إلا أنها تحتاج إلى مزيد من الاهتمام للتعامل مع ظاهرة أطفال الشوارع التي تعتبر قنبلة موقوتة تهدد سلامة المجتمع، وتقتضي بذل كل الجهود للقضاء على هذه الظاهرة، ولذلك فإن تقنين نظام التبني سيكون له مردود ليس فقط إنساني/فردي بل أيضًا مجتمعي/أمني.

ويحتاج الأمر لدعمٍ من المجتمع المدني والمؤسسات الأهلية لتغيير الثقافة السائدة الموروثة ضد التبني، والمساهمة مع الكنائس المصرية والأزهر لتقريب وجهات النظر من أجل تشريع قانون للتبني أو ادماجه في قانون الأحوال الشخصية حفاظًا على حقوق المواطنين المصريين الذين يرغبون في تبني أطفالٍ من جهة، وحفاظًا على استقرار المجتمع المصري من جهةٍ آخرى.

  • ناشط حقوقي مصري