يعرف السوريون أنّ أطرافاً كثيرة عربية ودولية، سعت باستمرار لامتلاك الأدوات الكفيلة بتأبيد وفرض سيطرتها على الأرض السورية، لكن لم يكن يدور في خَلد الشعب السوري أنَّ هذه الأطراف يُمكن أن تلجأ إلى اقتلاع الشعب من بيوته وقراه وبلداته ومدنه وتشريده في الداخل السوري وفي جهات الدنيا الأربعة، وإحلال مرتزقة من شعوب أخرى مكانه، في عملية تغيير ديموغرافي تهدّد النسيج الوطني السوري، وأنه يُمكن أن يلجأوا لتحقيق غايتهم هذه إلى استخدام أشدّ الأسلحة فتكًا.

 

تخريب البنية المجتمعية السورية

وليس من شكّ في أنّ هذا العبث في البنية المجتمعية السورية، إذا ما قُيِّض له أن يتواصل، سوف يؤول إلى حروب أهلية مفتوحة، وإلى خلخلة الكيان الوطني السوري وزعزعة استقراره وتفجيره، هذا عدا عن تداعياته الجغرافية التي سوف تطال الإقليم بأسره. ففي حمص، انخفض عدد السكان من 1.5 مليون نسمة قبل بدء الحرب إلى نحو 400.000 نسمة في تشرين الأول/ أكتوبر 2016. تقريبًا نحو 65 في المئة من السكان الأصليين للمدينة نزحوا الى المدن القريبة.

فالبعض أراد وعمل على تحويل دمشق من مدينة مفتوحة إلى ضاحية من ضواحي أفغانستان او قندهار او تركيا مما يعني تفكيك لنسيجها الأصلي، وتركيب وجه جديد ذي ملامح اصولية لم تعهده العاصمة وخصوصا المناطق ذو الأغلبية المسيحية. فباتت تقذف دمشق كل يوم أبناءها الأصليين إلى الخارج بسبب الممارسات الدخيلة على ثقافة الأحياء الدمشقية المسيحية، ويتزامن ذلك مع تفريغ غلاف دمشق من سكانه السوريين، كما حصل في بعض مناطق المدينة وريفها، وإحلال الإرهابيين الجهاديين القادمين من العراق ولبنان وأفغانستان وباكستان وعائلاتهم مكانهم، ومنع سكانها السوريين من العودة إليها.

يشكّل هذا الموضوع بعداً خطيراً، ففي حين يتم التركيز على البعد السياسي في هذا المشروع لبعض الدول الداعمة للارهاب في المنطقة، وهو دعم المجموعات الإرهابية الاصولية بوصفها حليفًا وجزءًا من مشروع سياسي إقليمي يخدم مصالح بعض الدول العربية والإقليمية ويتم توظيف السياسة نفسها لخدمة مشروع اقتلاعي إحلالي، هدفه تحويل دمشق ومساحة كبيرة من سورية إلى بقعة اصولية تسكنها أكثرية تتبع عقيدة متشددة. ويأخذ هذا المشروع طابع الاطالة الاستراتيجية، إذ على أساسه تسعى هذه القوى إلى إطالة الأزمة السورية أطول زمن ممكن.

إنّ سياسة التغيير الديموغرافي في سورية تهدد النسيج الاجتماعي والهوية الوطنية في ظل صراع إرادات دولية يجذب البلاد كل بحسب أجندته، وتشريد ما يزيد على 13 مليون نسمة من بيوتهم ما بين لاجئٍ ونازحٍ، أغلبهم يعيش أوضاعًا إنسانيةً صعبة للغاية في مخيمات الداخل ودول الجوار.

 

توطين "الإيغور" التركستان بمباركة تركية

هناك معلومات مؤكدة تفيد أن تركيا تستجلب أو تساهم أو على الاقل تغض النظر عن استجلاب عنصر عرقي جديد هم "الإيغور التركستان" من غربي الصين أماكن تواجدهم الحالي. ومنذ أواسط عام 2014 بدأ ظهور هذا المكون الجديد، ويقدر عددهم اليوم بنحو خمسة عشرة ألفاً، واستوطنوا مع عائلاتهم في قرى سورية قريبة من الحدود مع تركيا والرقم في ازدياد. وأغلب هذه القرى تقع في محيط جسر الشغور (400 كيلو متر شمال دمشق) التي كان "للتركستان الإيغور" دور كبير في تأجيج الصراع والحرب فيها ضد الدولة السورية، وتمتد هذه المناطق من جسر الشغور غرباً وشمالاً وحتى الحدود التركية عند جبل التركمان أو ما يعرف جغرافياً باسم "جبل الباير" وشمالاً حتى سلقين، إضافة إلى عدة "مستوطنات" في جبل السماق الواقع بالقرب من حارم، وكلها تقع على الشريط الحدودي المحاذي لولاية هاتاي انطاكيا.

 

تجربة "الاستيطان" على الأرض السورية

ارتبطت عملية الاستيطان وبناء المستوطنات في الذهنية السورية بما قام به اليهود الذين قدموا من كل العالم إلى فلسطين من عمليات تهجير للسكان الأصليين ومن ثم أقاموا في تلك الأرض وأنشأوا فيها دولتهم، وما تزال قضية هؤلاء السكان من الفلسطينيين الذين لجأوا إلى دول الجوار ومن ثم إلى كل دول العالم واحدة من القضايا المسكوت عنها والتي بدأ يطويها النسيان.

يبدو أن هذا السيناريو يتكرر في سوريا ولكن بأشكال وصيغ أكثر تعقيداً وتركيباً، نظراً لعدم تبني عمليات الهجرة التي تحصل إلى سورية وتوطين المهاجرين ذوي الثقافات الدخيلة من أي جهة كانت، وبسبب التهرب من تحمل المسؤولية الكاملة وإعلان الهجرة والاستيطان كمشروع دائم. وقد ساهم العنف والحرب الشعواء الدائرة في سورية الى تعزيز هذه الظاهرة خاصة ما يقوم به تنظيم داعش وجميع المجموعات الاصولية الإرهابية، في تغطية عمليات التوطين التي تحدث. ولم يعد ممكناً في ظلّ هذا الإجرام، الحديث عن مظلومية التهجير فلقد اصبح هناك أولويات مختلفة.

لا استمرارية لمشاريع التغيير الديموغرافي

ولكن كخلاصة أقول: لا تتوافر في مشاريع التغيير الديموغرافي مقوّمات الاستمرارية والاستقرار مهما طال أمدها، ذلك أنّ القائمين عليها أقلية تُحيطهم امتدادات سكانية كبيرة من نسيج السكان القُدامى المُهجّرين، الأمر الذي يجعل التغييرات الديموغرافية، مجرّدَ محاولات من المُستبعد أن تستقرَّ على الأمد التاريخي الطويل، وتتحوّل إلى حقيقة ديموغرافية ثابتة. واستبدال السكان الأصليين والمعترف بهم كسوريين قانوناً بفئات ضالة ودخيلة على المجتمع السوري.

  • أستاذة جامعية سورية مقيمة في الولايات المتحدة